أحدثت حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة تحولات راديكالية في بنية المجتمع الفلسطيني وقيمه السياسية، حيث انتقلت الأولويات الجمعية من طموحات النمو والرفاه إلى معركة البقاء وتأمين الاحتياجات الأساسية، وسط تآكل حاد في الحريات المدنية وتراجع غير مسبوق في مستوى الرضا العام.
وعلى الصعيد السياسي، كشفت القراءات الميدانية عن "انهيار دراماتيكي" في شعبية حركة فتح، مقابل ثبات نسبي لقاعدة حركة حماس. ومع ذلك، برزت ظاهرة "الاغتراب السياسي" كأكبر كتلة في الشارع الفلسطيني، وهي فئة لم تعد تجد ضالتها في التنظيمات التقليدية.
وأظهرت نتائج الاستطلاع التاسع لمؤسسة "الباروميتر العربي" في فلسطين، الذي أجراه "المركز الفلسطيني للبحوث المسحية" (أكتوبر 2025)، تحولات جذرية في الرأي العام الفلسطيني، متأثرة بتبعات حرب الإبادة في غزة، وتغول الاستيطان في الضفة، والضغوط الاقتصادية الخانقة على السلطة الفلسطينية.
ونُفذ الاستطلاع في توقيت حساس تزامن مع بدء سريان وقف إطلاق النار في قطاع غزة وفق "خطة ترمب ذات النقاط العشرين"، والتي يرى مراقبون أنها تجاهلت تماماً الأوضاع المتفجرة في الضفة الغربية. ورصد الاستطلاع تصاعداً غير مسبوق في "إرهاب المستوطنين" المدعوم رسمياً من جيش الاحتلال، في وقت يعاني فيه الفلسطينيون من قيود مشددة على الحركة وإغلاق للطرق الرئيسية
ورسمت نتائج استطلاع "الباروميتر العربي" التاسع خريطة سياسية جديدة ومعقدة في الأراضي الفلسطينية؛ حيث كشفت عن انهيار كارثي في شرعية حركة فتح والسلطة الفلسطينية، مقابل ثبات نسبي لحركة حماس، وصعود لافت لظاهرة "الاغتراب السياسي" لدى غالبية الجمهور.
وأظهرت البيانات تراجعاً حاداً في قاعدة ناخبي حركة فتح في الضفة الغربية، حيث انخفضت من 23% إلى 14%، في إشارة إلى غضب شعبي من "تقاعس" الحركة خلال الحرب. وفي المقابل، حافظت حركة حماس على قاعدتها الأساسية رغم انخفاض طفيف في شعبيتها بقطاع غزة، مما يثبت حضورها كلاعب دائم ولا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية.
وفيما يتعلق بخلافة الرئاسة، أكد الاستطلاع أن القائد الأسير مروان البرغوثي يظل "المرشح الأوفر حظاً" وبفارق شاسع عن منافسيه؛ حيث يتفوق في انتخابات رئاسية افتراضية على كل من رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل، والرئيس الحالي محمود عباس. وتؤكد هذه النتيجة أن الجمهور يبحث عن نموذج قيادي يجمع بين "إرث المقاومة، الوحدة الوطنية، ونظافة اليد"، بعيداً عن النماذج الحالية التي يراها الشارع "فاشلة".
وكشف الاستطلاع أن "الفائز الحقيقي" في المشهد الحالي ليس فصيلاً بعينه، بل هو الاغتراب السياسي؛ حيث يرفض أكثر من نصف السكان (الأغلبية الصامتة) إعلان الانتماء أو التعاطف مع أي فصيل سياسي قائم، ما يعكس أزمة تمثيل عميقة في بنية الحركة الوطنية الفلسطينية.
كما كشفت النتائج عن تدهور حاد في الرضا عن الأداء الحكومي؛ نتيجة العقوبات الإسرائيلية ومصادرة أموال "المقاصة"، ما أدى لعجز السلطة عن دفع الرواتب كاملة وتقديم الخدمات الأساسية. كما رصد الاستطلاع رفضاً شعبياً واسعاً للشروط الدولية والإسرائيلية التي تطالب بـ"إصلاحات" تمس المناهج التعليمية أو مستحقات الأسرى والشهداء.
وفيما يتعلق بقضايا الحوكمة، أظهر التقرير الأول للاستطلاع (الذي تركز في الضفة الغربية لتعذر سؤال أهل غزة عن قضايا الحكم بسبب ظروف الحرب) أزمة ثقة عميقة في المؤسسات القائمة. ورغم أن الجمهور لا يزال يثمن القيم الديمقراطية، إلا أن هناك ميلاً متزايداً نحو البحث عن "قيادة قوية" قادرة على تحقيق الاستقرار المفقود.
وكشفت نتائج استطلاع "الباروميتر العربي" التاسع عن تحول راديكالي في وعي المجتمع الفلسطيني، حيث أزاحت حرب غزة طموحات "التنمية الاقتصادية" طويلة الأجل لصالح "احتياجات البقاء" الأساسية، في مؤشر يعكس دخول المجتمع وضعية "الدفاع الوجودي".
وبينما أظهرت بيانات الاستطلاع السابق (الثامن) أن الاقتصاد كان الشاغل الأكبر للفلسطينيين، كشفت البيانات الجديدة عن تراجع هذا الاهتمام مقابل صعود لافت للمطالبة بخدمات التعليم والصحة. ففي الضفة الغربية، قفزت أولوية التعليم من 25% إلى 30%، وهو تحول يفسره الخبراء بأنه "تشبث بلبنات المستقبل" في ظل تهديد الحياة اليومية.
ورصد الاستطلاع مفارقة حادة؛ فبينما شهدت "الثقة" ببعض المؤسسات الحكومية زيادة طفيفة، انهار "الرضا" عن الأداء الفعلي للسلطة الفلسطينية في قطاعي الصحة والتعليم. ويبدو أن فشل السلطة في تلبية هذه الاحتياجات "الوجودية" عزز حالة التشاؤم الشعبي تجاه قدرتها على معالجة الأزمات المزمنة مثل البطالة، تضخم الأسعار، وانفلات الأمن.
وأكد التقرير أن هذا المزيج المعقد من اليأس الاقتصادي والمخاوف الأمنية والانسداد السياسي، أدى إلى تصاعد "الرغبة في الهجرة" لدى قطاعات واسعة، حيث بات الفلسطينيون يبحثون عن الأمان المفقود في ظل عجز المنظومة الحالية عن تقديم ضمانات الاستقرار.
كما كشفت نتائج استطلاع "الباروميتر العربي" التاسع عن مفارقة حادة في الوعي السياسي الفلسطيني؛ حيث لا يزال الجمهور متمسكاً بالديمقراطية كمبدأ، لكنه بات مستعداً للتضحية بها مقابل "زعيم قوي" يفرض النظام ويحقق الاستقرار الاقتصادي.
ورصد الاستطلاع ارتفاعاً لافتاً في اهتمام الفلسطينيين بالسياسة (من 29% إلى 39%) نتيجة التحديات الوجودية التي فرضتها الحرب، إلا أن هذا الاهتمام يصطدم بانهيار حاد في الشعور بالحريات المدنية؛ حيث يرى 16% فقط أن حرية التعبير مضمونة، بينما يعتقد 13% فقط بوجود حق في التظاهر، وهو ما يعكس مناخاً من الترهيب وتآكل الحريات.
وعلى الرغم من أن 60% من الفلسطينيين لا يزالون يرون الديمقراطية أفضل نظام للحكم، إلا أن "براغماتية اليأس" دفعت أغلبيتهم نحو تفضيل نموذج "القائد القوي"؛ حيث قفزت نسبة المطالبة بهذا النموذج من 41% إلى 51%. ويشير التقرير إلى أن التجربة المباشرة مع الفوضى والانهيار المؤسسي منذ 7 أكتوبر أدت إلى فقدان الثقة في قدرة العملية الديمقراطية على الإنقاذ، لصالح البحث عن "النظام والاستقرار" بأي ثمن.
