يمر المسجد الأقصى المبارك في مرحلة خطيرة وحرب دينية عدوانية مكتملة الأركان، مستغلًا الاحتلالُ الإسرائيلي الحرب على إيران وإعلان حالة "الطوارئ" لفرض واقع جديد في المدينة المقدسة واستهداف لقدسية المسجد وحرمة حرية العبادة فيه.
ولليوم الخامس على التوالي، تواصل قوات الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين والوافدين في شهر رمضان المبارك الذي كان قبلة لآلاف الفلسطينيين.
ولم تكتفِ قوات الاحتلال بمنع المصلين من الوصول إلى مسجدهم وحرمانهم من أداء صلاتي العشاء والتراويح في هذا الشهر الفضيل، بل سعت لتزييف الحقائق عبر الادعاء بأن هذه الإجراءات تأتي “لحماية” الأقصى، وهي مفارقة عجيبة يروجها احتلال يمنع أصحاب الحق من دخول مقدساتهم.
إغلاق الأقصى
وقال الباحث المقدسي زياد ابحيص، إن إغلاق الاحتلال للمسجدين الأقصى والإبراهيمي بعد بدء العدوان "الصهيوني الأمريكي "على إيران تحت ذريعة الحرب وباعتباره "إجراء وقائياً"، في وقت لا توجد فيه ملاجئ عامة أو خاصة للفلسطينيين في الضفة وشرقي القدس المحتلة.
وأشار ابحيص إلى أن نحو 46% منهم على الأقل ليس لديهم مكان يلجؤون له من أي غارة وذلك وفق أرقام "مراقب عام الدولة" الإسرائيلي ذاته.
وأضاف أن "منع المصلين من المسجد، وإبقاؤهم في بيوتهم أو في أسواقهم أو شوارعهم ومنشآتهم لا يجعلهم أكثر أمناً، وما بعد حرب الإبادة في غزة، باتت فكرة حرص السلطات الإسرائيلية على سلامة أي فلسطيني لا تبعث على الضحك فحسب، بل ربما تبعث على الغثيان".
ولفت إلى أن "استهداف المسجد الأقصى والمسجد الإبراهيمي بهذه الإجراءات ينبع عملياً من رؤية إحلال ديني تتبناها الحكومة الصهيونية الحالية واليمين الصهيوني عموماً، ويقود هذه الرؤية تيار الصهيونية الدينية الذي بات التيار القائد في المجتمع الصهيوني، فهي تنظر للمسجد الأقصى بوصفه "جبل الهيكل"، ويجري كل فرد من أفرادها عملية إحلال ذهني عند ذكر هذه التسمية، فيزيل المسجد القائم ويتخيل الهيكل المزعوم".
وأكد على أن الهدف الأول من الإغلاق هو تكريس السيادة الإسرائيلية المزعومة على المسجدين، باعتبار قرار فتحهما وإغلاقهما يتبع الحكومة الإسرائيلية وحدها، وتهميش الإدارة الإسلامية فيهما وهي الأوقاف الأردنية في حالة المسجد الأقصى والفلسطينية في حالة المسجد الإبراهيمي، ووضعهما في خانة المتفرج ومتلقي الإجراءات المفروضة عليه.
أما الهدف الثاني فهو تكريس عزلة المسجدين، وبالذات المسجد الأقصى المبارك، إذ أن عزله عن المصلين وإغلاقه في شهر رمضان المبارك هو مناورة حية لإمكانية عزله والاستفراد به في أي وقت سواه.
وتابع: "استبق الاحتلال الصهيوني شهر رمضان المبارك بحزمة إجراءات أفصحت عن تبدل مستجد في نظرة الاحتلال إلى رمضان باعتباره شهر اختبار آلة التصفية، فما يمكن فرضه من تهويدٍ في رمضان يفتح الباب لأضعافه بعد رمضان".
وبين أن الاحتلال يخطط بالفعل لموجة عدوانٍ بعد رمضان مباشرة، وتحديداً خلال "عيد الفصح" العبري الممتد ما بين 1-8 من شهر نيسان/أبريل 2026، وموضوعها المركزي سيكون فرض القربان في الأقصى.
قبل العدوان
وبحسب ابحيص، شهد الأقصى خلال الأيام العشرة الأولى من رمضان، والتي سبقت العدوان على إيران:
1. محاولة تغيير طبيعة إدارة المسجد الأقصى، ووقف إدخال جميع احتياجات المصلين والموظفين لحين مثول رئيس مجلس الأوقاف أمام شرطة الاحتلال.
2. زيادة ساعة كاملة على وقت الاقتحام خلال رمضان، بما يمهّد لزيادة مماثلة بعد رمضان، ويوسع نطاق التقسيم الزماني المفروض في الأقصى.
3. تجديد المسعى الصهيوني للتقسيم المكاني باستهداف دار الحديث الشريف، وهي الأقرب لمصلى باب الرحمة الذي حاول الاحتلال اقتطاعه من قبل في 17-2-2019 لتأتي هبة باب الرحمة وتمنع ذلك.
4. منع الاعتكاف في ليلتي الجمعة والسبت الأولَيان من رمضان، وتهديد المصلين بكتيبة من القوات الخاصة كانت حاضرة بكامل عتادها أمام الجامع القبلي لطرد المعتكفين إن حاولوا الاعتكاف.
5. طرح مشروع قانون من شأنه أن يضع المسجد الأقصى المبارك تحت سلطة الحاخامية الرسمية في الكيان الصهيوني.
6. تعميق تغول شرطة الاحتلال على المصلين يومياً، بالدوريات الراجلة التي تطوف بأسلحتها فوق رؤوسهم وتقف بين صفوف الصلاة، وتفتش وتعتقل وتعتدي على المصلين بشكلٍ يومي.
ونوه إلى أنه سبق الحرب تحريض من منصات المستوطنين على إغلاق الأقصى أمام المسلمين بشكل نهائي، ما يعني أن الانتقال لسقف إغلاق الأقصى تحت ذريعة الحرب جاء تتويجاً لمسار من الإجراءات التهويدية، وبتكامل بين المستوطنين والحكومة ولم يكن وليد "إجراءات احترازية" أو سلامة مزعومة.
أعمال حربية
وأكد على أن "إغلاق الأقصى لا بد أن يُقرأ بوصفه أحد الأعمال الحربية، وباعتباره هدفاً مبيتاً لتحقيقه عند انطلاق العدوان، يرسي القواعد للتقدم في مسارات التهويد الأربعة التي كان الاحتلال أصلاً يتحرك باتجاهها في الأيام العشر الأولى من رمضان، وهي المسارات الإجمالية لتهويد الأقصى على المدى الأبعد: الهيمنة على إدارة المسجد، وتوسيع وقائع التقسيم الزماني، وتجديد معركة التقسيم المكاني، وتعميق السيطرة الأمنية واستعراض الطقوس باعتبارها تأسيساً معنوياً للهيكل يمهد لتقسيمه المادي".
وشدد على أنه "في المحصلة وبلا مواربة إغلاق الأقصى عمل حربي بأدوات ناعمة، لا بد من التصدي له وإفشاله بكل وسيلة ممكنة".
عدوان سافر
من جهتها، اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن استمرار الإغلاق يمثل “اعتداءً سافراً على حرية العبادة”، وأكدت أن هذه الإجراءات “تأتي في سياق مخطط الاحتلال لفرض السيطرة الكاملة على المسجد، ومحاولة تكريس واقع جديد بالقوة عبر استغلال ذرائع الطوارئ”.
وحذرت الحركة قادة الاحتلال من مغبة التمادي في هذه السياسات، مشددة على أن إرادة المرابطين لن تنكسر، وأن محاولات تفريغ المسجد تمهيداً للاقتحامات ستتحطم أمام صمود الشعب الفلسطيني.
وفي سياق متصل، أكد القيادي في حركة حماس، ماجد أبو قطيش، أن ما يحدث في القدس هو “عدوان وحرب دينية” تستهدف مشاعر المسلمين في أقدس بقاعهم. وأوضح أبو قطيش أن هذه السياسة الممنهجة تتزامن مع تشديد الخناق على محافظات الضفة الغربية عبر إغلاق الحواجز ومداخل المدن، لقطع الطريق أمام توافد المصلين إلى القدس.
وقال أبو قطيش: “إن الاحتلال المخادع يحيك المكائد ويزيف الحقائق ليوهم العالم بأنه يحمي الأقصى، بينما هو في الحقيقة يعتدي على أصحابه الشرعيين ويحرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية والدينية”.
دعوات للنفير
أمام هذا التغول الإسرائيلي، انطلقت دعوات واسعة من الهيئات المقدسية والقوى الإسلامية والوطنية لأبناء الشعب الفلسطيني في كل مكان لتعزيز التواجد في مدينة القدس وشد الرحال نحو المسجد الأقصى.
وجاء في ثنايا هذه الدعوات أن النفير نحو القدس ضرورة لكسر الحصار المفروض على المسجد الأقصى وعدم تركه وحيداً أمام مخططات الاحتلال.
وأكدت الدعوات على ضرورة التصدي الميداني ومواجهة إجراءات الاحتلال عند أبواب المسجد وفي أزقة البلدة القديمة.
كما طالبت الأمة العربية والإسلامية بالتحرك العاجل لتحمل مسؤولياتها تجاه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
يبقى المسجد الأقصى بوصلة الصراع، وبينما يحاول الاحتلال فرض “واقع الطوارئ”، يؤكد الفلسطينيون بمرابطتهم وثباتهم أن سياسات التزييف والترهيب لن تجد طريقاً للنفاذ في ظل إرادة شعب يأبى الانكسار.
