قال خبير اقتصادي دولي بقطاعي النفط والطاقة، إن استمرار غلق مضيق هرمز سيرفع ديون الولايات المتحدة إلى 40.8 تريليون دولار خلال عام 2026، وهو ما سيدفعها لجملة خطوات لسد عجز هائل في الميزانية.
وأوضح أستاذ اقتصاديات الطاقة، الدكتور ممدوح سلامة في تصريحات له أن "استمرار الإغلاق سيتسبّب بارتفاع هائل في عجز الميزانية الأمريكية، ما قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى توسيع طباعة الدولار لسد هذا العجز، بالإضافة لزيادة التضخم المالي إلى مستويات قياسية، وهو ما سيُشكّل ضغطا كبيرا على الاقتصاد العالمي.
ورأى أن "الولايات المتحدة ستكون من أكبر المتضررين من إغلاق مضيق هرمز، رغم كونها أكبر منتج للنفط في العالم"، مشيرا إلى أن "أمريكا لا تستطيع عزل نفسها عن تأثير ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية، لا سيما وأنها تستورد ما يقرب من 8 ملايين برميل يوميا".
وأضاف سلامة أن "دونالد ترامب كان يضغط باستمرار على أوبك+ لزيادة الإنتاج بهدف إبقاء أسعار النفط ضمن نطاق 49 إلى 60 دولارا للبرميل، وهو المستوى الذي يمكن أن يتحمله الاقتصاد الأمريكي، غير أن أسعار النفط اليوم قد تضاعفت، وربما ارتفعت إلى نحو مرتين ونصف مقارنة بالمستوى الذي كان يطالب به ترامب".
وتابع: "لو كانت الولايات المتحدة تملك القدرة على فتح مضيق هرمز بالقوة، لكانت فعلت ذلك منذ الإغلاق، لكنها تعلم جيدا أن إرسال السفن الحربية لمرافقة ناقلات النفط سيعرضها لهجمات صاروخية إيرانية، وهي لا تريد المخاطرة بخسارة سفينة حربية أمريكية، لما لذلك من تأثير سلبي على معنويات الجيش الأمريكي، كما حدث عندما تعرضت العديد من القواعد العسكرية في دول الخليج العربي لضربات أغلقت بعضها ودمّرت بعضها الآخر".
وأكد خبير النفط والطاقة العالمي، أن "استمرار إغلاق مضيق هرمز وتوقف الإمدادات النفطية سيؤدي إلى انكماش ملموس في النمو الاقتصادي العالمي؛ فقد يتجاوز انكماش الاقتصاد العالمي 2 في المئة؛ إذ من المتوقع أن يتراجع من نحو 3.3 في المئة كما كان مقدرا قبل الحرب إلى نحو 1.3 في المئة خلال فترة الحرب، وقد ينخفض إلى حدود 1 في المئة أو حتى الصفر إذا طال الإغلاق لفترة أطول من الشهرين".
وأشار إلى أن "هناك كلفة إضافية كبيرة على الاقتصاد العالمي، تشمل ارتفاع كلفة الإنتاج الصناعي والإنتاج الغذائي، فضلا عن زيادة أسعار المستوردات التي يحتاجها العالم يوميا. ومن شأن هذه العوامل مجتمعة أن تضيف خسائر جديدة وقاسية قد تصل إلى نحو 5 تريليونات دولار خلال شهرين فقط من استمرار الإغلاق".
وحول مقارنة تداعيات الحرب الحالية مع كلفة غزو العراق في عام 2003، قال: "ستكون كلفة الإغلاق الحالي على الاقتصاد العالمي أكبر بكثير من كلفة غزو العراق خصوصا إذا استمر الإغلاق لأكثر من شهرين وربما لثلاثة أشهر؛ ففي ذلك الحين بلغت كلفة الغزو وتأثيره على الاقتصاد العالمي أكثر من ستة تريليونات دولار، أما اليوم، فمع استمرار الإغلاق، أتوقع أن ترتفع الكلفة إلى أكثر من ستة تريليونات دولار، وربما تصل إلى سبعة أو ثمانية تريليونات دولار، وهو ما يُشكّل ضربة قاصمة للاقتصاد العالمي".
وأوضح سلامة أن "تأثير الحرب وإغلاق مضيق هرمز على أسواق النفط العالمية ظهر حتى الآن في ارتفاع كبير بأسعار النفط، حيث ارتفعت من نحو 65 دولارا للبرميل الواحد من خام برنت إلى أكثر من 120 دولارا، واستمرار الإغلاق قد يدفع الأسعار للارتفاع إلى مستويات أعلى بكثير من 120 دولارا للبرميل، مما سيكون له تأثير كبير ومؤثر للغاية على الاقتصاد العالمي".
وأكد أن "الحرب سيكون لها تأثير كبير على إمدادات النفط العالمية، وإذا توسعت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فقد تواجه الأسواق العالمية انكماشا اقتصاديا حادا، إلى جانب ارتفاع كبير جدا في الأسعار قد يتجاوز 120 دولارا للبرميل، إضافة إلى نقص ملموس في المواد الغذائية والسلع الأساسية التي يستهلكها العالم يوميا، وهذا الوضع سيقوّض مستوى المعيشة على الصعيد العالمي ويرفع معدلات التضخم المالي في مختلف الأقطار".
ونوّه خبير النفط والطاقة العالمي، إلى أن "الدول الكبرى المستهلكة للنفط ستضطر، مرغمة، إلى الإفراج عن احتياطياتها الاستراتيجية، وبالرغم من أن هذا الإجراء سيكون له تأثير محدود جدا على الأسعار، إلا أنه سيقوض في الوقت نفسه أمن الطاقة لهذه الدول، خاصة في ظل الظروف العالمية الراهنة التي تتسارع فيها الخلافات الدولية، ويزداد فيها التوتر، وربما تمهد لنشوء صراعات أو حروب جديدة".
ولفت إلى أن "الاقتصادات الكبرى مثل الصين والهند وأوروبا ستتأثر بشكل كبير بأي اضطراب في إمدادات النفط القادمة من الشرق الأوسط"، موضحا أن "الهند تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد النفط؛ إذ تصل نسبة اعتمادها على الواردات إلى نحو 37 في المئة، ومع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قد تتجاوز 120 دولارا للبرميل، قد يواجه الاقتصاد الهندي أزمة مالية حادة نتيجة ارتفاع فاتورة الطاقة".
وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، أوضح أن "الكتلة الاقتصادية كانت تعاني قبل الأزمة من تباطؤ اقتصادي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة بشكل عام، والآن تواجه مشكلة أكبر مع استمرار ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة، ما قد يدفع معدل النمو الاقتصادي إلى الاقتراب من الصفر، وربما يدخل الاقتصاد الأوروبي في حالة انكماش واضحة، وهو ما قد يرفع مستويات البطالة والتضخم المالي في دوله".
أما الصين، فقال إنها "من أكبر اقتصادات العالم وأكبر مستورد للنفط عالميا، وتشير التقديرات إلى أنها قد تتأثر بشدة نتيجة اضطرابات الإمدادات العالمية؛ حيث تحتاج إلى استيراد نحو 12 مليون برميل يوميا لتغطية استهلاكها الذي يبلغ نحو 17 مليون برميل، في حين تنتج محليا نحو 4.5 ملايين برميل يوميا".
ومع ذلك، أضاف أن "وضع الصين قد يكون أفضل نسبيا من بعض الدول الأخرى لعدة أسباب، أولها قدرتها المالية الكبيرة على شراء النفط مهما ارتفعت أسعاره، وثانيها تحالفها الاستراتيجي مع روسيا، التي تستطيع زيادة صادراتها النفطية إلى الصين لتصل إلى نحو 4 ملايين برميل يوميا، وربما إلى 6 ملايين برميل، إضافة إلى خطوط أنابيب مباشرة بين البلدين ونقل إمدادات عبر الممرات البحرية في المحيط المتجمد الشمالي".
وأشار خبير النفط والطاقة العالمي، إلى أن "ذلك يتيح للصين التكيف مع استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة نسبيا، كما تمنحها قدرتها المالية على تحمل ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة".
وأوضح سلامة أن "الدور الذي قد تضطلع به منظمة أوبك+ في التعامل مع تطورات الأزمة الحالية سيكون محدودا للغاية، نظرا لانخفاض إنتاجها من النفط بشكل ملحوظ واعتماد جزء كبير من إمداداتها على المرور عبر مضيق هرمز، ما يقلص قدرتها على التأثير الفعّال في هذه الظروف".
واستطرد قائلا: "لأول مرة قد تبدو منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) أقرب إلى المتفرج على ما يحدث في سوق النفط العالمي، دون امتلاك القدرة الكافية للمساهمة في حل المشكلة"، لافتا إلى أن "كل يوم يتأخر فيه فتح مضيق هرمز يزيد من الفزع في الأسواق، ويرفع الأسعار ويزيد من الخسائر العالمية".
وشدّد خبير النفط والطاقة العالمي، على أن "جوهر الحل يكمن في إعادة فتح مضيق هرمز من جانب إيران، غير أن طهران لن تقدم على هذه الخطوة ما دام العدوان الذي تشنّه الولايات المتحدة وإسرائيل عليها مستمرا، وهنا تكمن صميم الأزمة".
وبيّن أن "الاستثمارات العالمية تُعد العمود الفقري لرفع طاقة إنتاج النفط والطاقة في العالم، لكن في حال غياب الإمدادات وتراجع الإنتاج، يصبح من الصعب توفير بيئة مناسبة لتدفق هذه الاستثمارات. ومع ذلك، ستظل هذه الاستثمارات عاملا أساسيا على المدى الطويل؛ إذ إنه عند إعادة فتح مضيق هرمز ستسهم الاستثمارات الدولية في رفع مستوى الإنتاج العالمي، سواء عبر تطوير الحقول القائمة أو اكتشاف آبار جديدة ومصادر طاقة إضافية".
وأوضح أن "تحقيق ذلك يتطلب استثمارات ضخمة وطويلة الأمد، وتشير التقديرات إلى أن قطاع الطاقة العالمي يحتاج إلى نحو 600 مليار دولار سنويا، ولمدة عقد أو عقدين، من أجل توسيع الطاقة الإنتاجية وضمان استقرار الإمدادات مستقبلا".
وقال إن "الحرب الجارية في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز لن يؤديان إلى تحول سريع نحو مصادر الطاقة البديلة أو تقليل الاعتماد على نفط الشرق الأوسط؛ إذ أن هذه المصادر لا تستطيع في الوقت الراهن تعويض النفط بشكل كامل".
وأوضح أن "الطاقة البديلة قادرة أساسا على إنتاج الكهرباء، لكنها لا تعوض الدور الحيوي الذي يلعبه النفط في قطاعات النقل والصناعة والبتروكيماويات وسلاسل الإمداد العالمية. ولذلك، سيبقى النفط، إلى جانب الغاز الطبيعي، العمود الفقري لاقتصاد العالم طوال القرن الحادي والعشرين، وربما لفترة أطول".
وبسؤاله عن السيناريوهات المحتملة للاقتصاد العالمي إذا استمر إغلاق المضيق لعدة أسابيع قادمة، أجاب سلامة: "لا أعتقد أن سيناريوهات جديدة ستظهر في هذه المرحلة، لكن التأثير السلبي على العالم سيزداد بشكل كبير ضمن السيناريوهات القائمة، خصوصا مع استمرار ارتفاع الأسعار بشكل جنوني".
واختتم بقوله إن "الاتحاد الاقتصادي العالمي لن يكون قادرا على تحمل هذا الضغط، ما قد يؤدي إلى انهيار الاقتصاد العالمي. وبالطبع، ستكون كلفة التضخم هائلة، كما سترتفع كلفة الإنتاج الصناعي بشكل كبير، مع احتمال زيادة معدلات البطالة بشكل ملحوظ، وهو ما قد يمهّد لنشوء صراعات أو حروب جديدة بين الدول التي تملك مصادر الطاقة وتلك التي تفتقر إليها".
