في زاوية جانبية داخل سوق "النص" الشعبي في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، تنتشر بسطات صغيرة عليها علب أدوية مختلفة: مسكنات، وأدوية ضغط وسكري، وفيتامينات، ومضادات حيوية، يقف خلفها بائعون، يراقبون المارة ويجيبون على أسئلة المرضى بلهجة هادئة.
لا تخضع هذه البسطات لشروط التخزين الآمنة، فهي تتعرض مباشرة للشمس والرطوبة، ولا يمكن التأكد من مصادر الأدوية التي تبيعها، مما يزيد من احتمالية فسادها والتأثير على فعاليتها
هذا المشهد بات مألوفا في عدد من الأسواق والشوارع وليس في سوق "النص" فقط، إذ أصبح الدواء سلعة تباع في الشارع، وسط مخاوف صحية وتساؤلات حول مصدره وسلامته.
باعة لا علاقة لهم بالصيدلة والطب
الشاب محمود يونس (27 عامًا)، نازح من مخيم جباليا إلى خان يونس، لم يتخرج من كلية الصيدلة ولم يمتهن هذه المهنة من قبل، فهو حاصل على دبلوم في السكرتاريا وإدارة المكاتب، لكنه بسبب انعدام فرص العمل ومصدر الدخل الثابت نتيجة الحصار والإبادة الجماعية بدأ قبل تسعة أشهر ببيع الأدوية "التي يحتاجها الناس بشكل يومي" على بسطة.
يقول يونس: "البداية كانت بسيطة، وكنت أقتصر على بيع كميات محدودة من بعض الأدوية الشائعة، مثل المسكنات وأدوية الانفلونزا والفيتامينات، لكني لاحظت إقبال الناس على الشراء، بعد أن كان الكثير منهم يشتكي من عدم توفر بعض الأدوية في الصيدليات وارتفاع أسعارها، ما دفعني إلى مواصلة عملي".
ويصف يونس حركة البيع بأنها متفاوتة، لكنها غالبًا ما تكون نشطة في بعض الأوقات، ويوضح: "أغلب زبائني من ذوي الأمراض المزمنة وكبار السن، وكثيرون يأتون إلي قائلين إنهم لم يجدوا دواء الضغط أو السكري في الصيدليات، ليسألوا إن كانت متوفرًا لدي".
ويضيف: "بعض الناس يأتون ومعهم اسم الدواء مكتوبًا على ورقة أو صورة للعلبة في الهاتف، وأحيانًا أستطيع توفيره، وأحيانًا لا يمكنني ذلك، وغالبًا ما يختار المرضى الأدوية بأنفسهم دون وصفة طبية".
وعندما سألناه عن مصدر الأدوية التي يبيعها، تردد محمود قليلاً قبل أن يجيب: "الأدوية تأتي غالبًا من قبل أشخاص يذهبون بانتظام إلى المراكز الصحية بذريعة العلاج، ثم يجمعون الأدوية أسبوعيًا ويبيعونها، وبعض الأدوية يتم شراؤها من صيدليات أغلقت أبوابها، فيتم شراء بعض الأصناف منها".
ويتعرض بائعو الأدوية في الشارع لانتقادات عديدة، خصوصًا فيما يتعلق بالأسعار التي قد تكون مرتفعة أحيانًا مثل الصيدليات، فيما يقول يونس: "الناس يظنون أنني أحقق أرباحًا كبيرة، لكن الواقع مختلف، فأحيانًا أشتري الدواء بسعر مرتفع أصلاً، ويكون سعره أغلى إذا كان نادرًا في السوق".
يعلم يونس أن الأدوية تحتاج إلى تخزين جيد ودرجة حرارة مناسبة، وهذا غير ممكن على بسطة في الشارع، لكنه يقول إنه "يحاول الحفاظ عليها في علب مغلقة ووضعها في الظل"، ورغم ذلك فإنه يعلم أن "هذا لا يضمن عدم تلفها" كما يقول.
وعلى مقربة من محمود يونس، بسطةٌ أخرى تحمل علب أدوية متنوعة من المضادات الحيوية للكبار والصغار، وأدوية خاصة لمرضى الضغط والسكر والقلب، ويقف خلفها الشاب الذي لا يحمل سوى شهادة ثانوية عامة سامر مهدي.
بدأ سامر مهدي (23 عامًا) عمله في بيع الأدوية على البسطات قبل نحو عام، ويقول: "قبل سنوات، كنت أبحث عن وظيفة عادية مثل أي شاب، لكن فرص العمل قليلة جدًا، وكان أحد أصدقائي يعمل في بيع الأدوية في السوق، فاقترح علي أن أجرب هذا العمل، فوافقت لأنني كنت بحاجة إلى مصدر دخل".
يشرح مهدي بداية عمله قائلاً: "كنت أضع علبًا قليلة من أدوية الأطفال والمسكنات، لأرى إن كان هناك إقبالٌ عليها، لكن المفاجأة كانت أن الناس بدأت تسأل كثيرًا عن أدوية مختلفة". هكذا وجد سامر أن بسطته باتت محطة يقصدها كثيرٌ من المرضى.
ويضيف: "أكثر من يأتي هم كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، وبعض المرضى أصبحوا يعرفونني ويعودون إلي بشكل متكرر، ومنهم من يأتي كل شهر تقريبًا لشراء الأدوية نفسها، وأحيانًا نتحدث قليلاً عن حياتهم وظروفهم".
وبحسب مهدي فإن مصدر الأدوية "تجارٌ يزودون الباعة بأنواع مختلفة"، مبينًا أنه يشتري بعض الأصناف من مستودعات الأدوية، وبكميات صغيرة.
ورغم ذلك، يؤكد سامر أن بيع الأدوية على البسطات "مجرد حل مؤقت فرضته الظروف"، فيقول: "لا أريد أن أبقى في هذا العمل طوال حياتي، وما زلت أبحث عن فرصة عمل أخرى. وأتمنى أن يأتي يوم يصبح فيه الدواء متوفرًا للجميع بسعر مناسب، حتى لا يضطر المريض في غزة إلى البحث عنه على بسطة في الشارع".
سببان للبحث عن أدوية البسطات
لكن، ما الذي يدفع الناس في غزة لشراء أدويتهم من البسطات ومن بائعين لا علاقة لهم بالطب والصيدلة؟ تجيب الخمسينية صفية النجار بأنها يئست من العثور على دوائها في صيدليات حيها فلجأت للبحث عنه في بسطات الأسواق الشعبية.
وصفية مريضةٌ بالضغط والسكري، وتحتاج إلى أقراص (إكسفورج 160/5) لضغط الدم المزمن بشكل يومي، ومؤخرًا وجدت الدواء على بسطة في السوق، وكان سعره منخفضًا مقارنة بسعره الحقيقي داخل الصيدليات، ورغم أنها ترددت في شرائه في البداية، لكنها في النهاية قررت شراءة حتى لا تبقى بلا علاج.
تقول صفية: "القلق يرافقني في كل مرة أشتري فيها الدواء من الشارع، فلا أعرف إن كان محفوظًا بطريقة صحيحة أو إن كان أصليًا، لكن ماذا أفعل؟ المرض لا ينتظر".
أدوية البسطات قد تؤدي إلى الوفاة
وحذرت وزارة الصحة في غزة من شراء الأدوية من البسطات والأكشاك التي تنتشر في الأسواق والطرقات، مشيرة إلى أن "غالبية الباعة في هذه النقاط العشوائية غير حاصلين على ترخيص من الوزارة، وهذا قد يترتب عليه بيع ووصف أدوية خاطئة، تؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة قد تصل إلى الوفاة".
وأضافت أن الأدوية المتداولة في النقاط العشوائية تعرض وتحفظ في ظروف تخزين سيئة تحت أشعة الشمس، مما يؤدي إلى فقدانها لفعاليتها وتلفها وزيادة خطر تحولها إلى مواد ضارة بالصحة.
ويؤكد نائب نقيب الصيادلة أحمد عليان أن "ظهور البسطات التي تبيع الأدوية في الأسواق الشعبية ظاهرة خطيرة تهدد صحة السكان في غزة، فالدواء له خصوصية عالية من حيث التخزين، والصلاحية، والمصدر، ولذلك لا يعقل أن يتم بيعه بهذه الطريقة العشوائية والخطيرة".
ويضيف عليان: "لا تخضع هذه البسطات لشروط التخزين الآمنة، فهي تتعرض مباشرة للشمس والرطوبة، ولا يمكن التأكد من مصادر الأدوية التي تبيعها، مما يزيد من احتمالية فسادها والتأثير على فعاليتها".
ويشير إلى أن "ضبط هذه السلوكيات يتطلب قوة تنفيذية على الأرض، وفي قطاع غزة، الذي يعاني تبعات الحرب، لا توجد جهة قادرة على تنفيذ القانون ومنع بيع الأدوية في الأسواق الشعبية، في ظل غياب التفتيش والمتابعة المستمرة".
ويعتقد عليان أن لجوء المرضى إلى شراء الأدوية من البسطات يعود غالبًا إلى "قربها من أماكن سكنهم، وانخفاض ثمنها مقارنة بالأدوية التي تباع داخل الصيدليات".
ويؤكد أنه بالرغم من تعرض عدد كبير من الصيدليات للتدمير خلال الإبادة الجماعية، فإن ما بقي من صيدليات يظل المكان الوحيد الآمن لبيع الأدوية حاليًا، فهي ملتزمةٌ بمعايير التخزين والحفظ وشروطما مقارنة بالأدوية التي تباع على البسطات العشوائية".
