مع دخول الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أسبوعها الرابع، تتزايد المؤشرات على تعقد المشهد العسكري والسياسي، في ظل رفض طهران الانخراط في أي مسار لوقف إطلاق النار، مقابل تخبط واضح في الخيارات الأمريكية، وسط تحذيرات من انزلاق واشنطن إلى "مستنقع" جديد دون أهداف واضحة أو استراتيجية خروج.
كشفت صحيفة "واشنطن بوست"، في تقرير أعدته سوزانا جورج، أن تمسّك إيران بمواصلة القتال يعود إلى قناعتها بقدرتها على الردع، خاصة من خلال سيطرتها على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الوقود العالمية.
وبحسب دبلوماسيين إيرانيين وأوروبيين ومسؤول عربي، فإن طهران تراهن على أن بإمكانها إلحاق ضرر بالاقتصاد العالمي بوتيرة أسرع من قدرة إدارة دونالد ترامب على احتواء التداعيات عسكريا.
وأوضح دبلوماسي إيراني أن إغلاق المضيق جزئيا يهدف إلى جعل "العدوان مكلفا للغاية"، مضيفا: "نحن وحدنا في مواجهة أكبر قوة عسكرية في التاريخ".
ورغم إدراك القيادة الإيرانية للمخاطر طويلة المدى، فإنها ترى في قدرتها على الصمود والسيطرة على المضيق "نصرا مرحليا"، فيما أكد دبلوماسي أوروبي أن طهران لا تشعر بضغط حقيقي للتفاوض طالما يمكنها "إثارة الرعب في الأسواق العالمية".
في المقابل، يذكر أن ترامب منح طهران مهلة 48 ساعة لإعادة فتح المضيق، مهددا بـ"تدمير" محطات الطاقة، ثم تراجع لاحقا٬ بينما كثّف البنتاغون عملياته العسكرية في المنطقة، في محاولة لتأمين الملاحة.
كما أفادت مصادر بأن وساطات قطرية وعُمانية جرت لبحث وقف إطلاق النار، إلا أن إيران شددت على أنها لن توقف الهجمات قبل وقف الضربات الأمريكية والإسرائيلية، مطالبة بضمانات "عدم الاعتداء" وتعويضات مالية.
وأشار التقرير إلى أن اغتيال شخصيات إيرانية بارزة، بينها علي لاريجاني، أدى إلى تعقيد فرص التفاوض، رغم أنه قد يعزز في الوقت ذاته نزعة التحدي داخل النظام.
وقال مسؤول أوروبي إن هذه العمليات "اختبار حقيقي لنظام صُمم ليصمد"، مؤكدا أن تأثيرها طويل الأمد قد يكون عكسيا، عبر تعزيز تماسك القيادة الإيرانية.
في موازاة ذلك، اعتبرت مجلة "إيكونوميست" أن ترامب يواجه أربع خيارات "سيئة" في التعامل مع الحرب: التفاوض، أو الانسحاب، أو الاستمرار، أو التصعيد، دون أن يضمن أي منها إنهاء الصراع أو احتواء تداعياته الاقتصادية.
وأشارت إلى أن خيار التفاوض يبدو ضعيفا، في ظل انعدام الثقة بين الطرفين، وتضارب الشروط، بينما قد يلجأ ترامب إلى إعلان "نصر" شكلي عبر تضخيم نتائج العمليات العسكرية، رغم استمرار التهديد الإيراني.
أما خيار الاستمرار في الضربات، فقد يطيل أمد الحرب دون حسم، مع بقاء إيران قادرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز واستهداف البنية التحتية للطاقة.
في حين أن التصعيد، بما يشمل ضرب منشآت الطاقة أو تنفيذ عمليات برية، يحمل مخاطر كبيرة، قد تؤدي إلى توسيع نطاق الحرب وتهديد أمن الخليج.
من جهتها، حذّرت مجلة "فورين أفيرز" من أن الولايات المتحدة تخوض حربا دون أهداف واضحة أو تصور للنصر، ما يضعها في مسار مشابه لحروب سابقة مثل العراق وأفغانستان.
وأكد الباحث إيلان غولدنبرغ أن واشنطن تواجه "مستنقعا استراتيجيا"، حيث يتطلب النصر تحقيق أهداف واسعة مثل تغيير النظام أو شلّ قدرات إيران، في حين يكفي طهران "البقاء" وإلحاق أضرار محدودة لكنها مؤثرة بالاقتصاد العالمي.
وأشار إلى أن الضربات الجوية الحالية لن تسقط النظام الإيراني، ولن تمنعه من تهديد الملاحة أو منشآت الطاقة، ما يعزز موقفها التفاوضي ويطيل أمد الصراع.
كما لفت إلى أن اغتيال قيادات إيرانية، بما في ذلك المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، لم يؤد إلى إضعاف النظام، بل قد يكون ساهم في تعزيز تماسكه الداخلي.
خلصت التقارير إلى أن الحرب تسير نحو مزيد من التصعيد، في ظل غياب أفق سياسي واضح، وتضارب الأهداف بين الأطراف، ما يجعل إنهاءها أمرا معقدا، ويهدد بمزيد من الاضطراب في أسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.
وبينما تسعى واشنطن لتأمين تدفق النفط وحماية حلفائها، تكتفي طهران بإثبات قدرتها على الصمود وتعطيل المصالح الحيوية، ما يجعل كفة "الاستنزاف" تميل لصالحها في المدى المنظور.
