8.34°القدس
8.1°رام الله
7.19°الخليل
11.54°غزة
8.34° القدس
رام الله8.1°
الخليل7.19°
غزة11.54°
الأربعاء 25 مارس 2026
4.18جنيه إسترليني
4.41دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.62يورو
3.13دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.18
دينار أردني4.41
جنيه مصري0.06
يورو3.62
دولار أمريكي3.13
صبري صيدم

صبري صيدم

شرايين الإنترنت البحرية في هرمز… إن قطعت

تمر في مياه مضيق هرمز، «كابلات» العالم الرقمية الناقلة للإنترنت في كلا الاتجاهين، لتحمل هذه الشرايين كما أحب أن أسميها، تفاصيل الفضاء الإلكتروني بكامل مكوناته، الذي أضحى اليوم بمثابة الحياة الرقمية للشركات والأفراد والحكومات. هذا الأمر يتجاوز ناقلات النفط والقطع العسكرية وسفن الشحن وقوارب الصيد التي تعتمد في ما تعتمد على تلك الشرايين في تواصلها وفي تفاصيل حلها وترحالها أيضاً.

هذه الكابلات ليست ملكا لحكومة، أو دولة، أو أفراد بعينهم، بل تعود ملكيتها لشركات عملاقة كشركة فالكون، وشركة تاتا الهندية للاتصالات، وشركة جسر الخليج الدولي وغيرها المزيد، لتربط الشرق بالغرب وآسيا بأوروبا ووسط العالم بجنوبه، عبر قدرة إجمالية تتجاوز في سرعتها عدة «تيرابايتات» في الثانية.

وتعتبر دول الخليج برمتها، المستفيد الأول من هذه الخطوط، بالإضافة إلى إيران نفسها، وحتى دول بعيدة مثل الهند وفرنسا وغيرهما الكثير، حيث تدعم هذه الخطوط مجمل البنى الرقمية للدول المستفيدة، إضافة إلى التجارة الإلكترونية، والخدمات المصرفية والخدمات النفطية والتعليمية والصحية والإعلامية والقائمة تطول.

لكن ماذا إذا ما نفذت إيران ما هددت بالقيام به هذه الأيام، وقطعت هذه الشرايين فجأة؟ وما وقع خطوة كهذه وما آثارها؟ وكيف يمكن لعالم أدمن التعامل مع الإنترنت أن يتصرف؟ إن الأثر التقني ومن دون شك، سيكون مؤلماً وصارخا ليشمل كامل تفاصيل الحياة بما فيها شبكات الاتصالات والخدمات السحابية، ومنصات التداول والأسواق المالية، وشبكات الاتصالات الحكومية ومجمل الخدمات الأساسية، التي تعتمد على الإنترنت، ما سيتسبب بدوره حتماً، بشلل قطاعي كبير، وانعكاسات اقتصادية وحياتية مرعبة. ومع حال كهذا ستسعى الدول المتضررة لتوفير البدائل المختلفة، كخطوط الإنترنت الفضائية، مثل (ستارلينك)، التي لا تستطيع بقدراتها «التحميلية والتنزيلية» المحدودة بالمقارنة مع عالم الكابلات، أن تغطي المطلوب، لا من حيث الكفاءة التقنية، ولا من حيث التكلفة المالية.

وبين هذا وذاك ستسعى بعض الدول للاستعاضة عن تلك «الشرايين» عبر شراء الخدمة من الدول المجاورة، للتحول نحو الكابلات التي تعتمد عليها الدول القريبة الأخرى، التي تغطي إفريقيا والجزء الغربي من آسيا، وربما أوروبا عبر تركيا والبحر المتوسط، ما يعني الاعتماد على مسارات طويلة ومكلفة سيتطلب الوصول إليها الاستثمار الملّح في رفع كفاءة الخطوط الوسيطة، وهو أمر مستحيل ويحتاج إذا ما اعتمد، لوقت كبير للتطوير والتأويل.

حرب الكوابل البحرية إن تفاقمت، ستجعلنا ندرك في النهاية أن العالم الرقمي يعتمد على ركائز مادية وشرايين خطيرة ومهددة

أما على الصعيد السياسي، فإن انقطاع كابل إنترنت واحد في مضيق هرمز، لن يعتبر حادثا بريئا، بل يعتبر عملاً مدبراً ومقصوداً. فالمضيق الذي يمر من خلاله ما يعادل خمسين في المئة من النفط العالمي، سيشهد استفحالاً واضحاً لقباحة الحرب القائمة والمشتعلة الآن، مع كتابة هذه الكلمات، وهو ما سيعزز بدوره الصراع الاستراتيجي، وما يرتبط به من ضغط سياسي واقتصادي لا متناه، إضافة إلى الضغط العسكري المرتبط بإحكام السيطرة على المضيق وقطع الإنترنت عن القواعد الأمريكية، وما فيها من أنظمة سلاح تعتمد بقوة على الفضاء الإلكتروني، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية. وعليه فإن أي تعطيل متعمد، أو حربي لهذه الشرايين، لا بد أن يخلق أزمة دولية، لأن الدول المتضررة لن يقتصر تأثرها بقطاع الاتصالات فقط، بل ستشمل عوالم السياسة والطاقة والدفاع والمال والأعمال والقائمة تطول. هذا الحال سينعكس أيضاً على الأسواق العالمية وهو ما سيؤثر بالضرورة على الحكومات والمستثمرين ويدفعهم لإعادة تقييم أمورهم واجتراح بدائل سريعة لوقف النزيف المالي وتهاوي الأسواق.

باختصار، فإن شرايين الإنترنت البحرية في هرمز، ليست مجرد أسلاك تحت البحر، بل هي بمثابة «أوكسجين» الحياة بكامل تفاصيلها بما يشمل الاقتصاد الرقمي العالمي برمته، ما يعني بالضرورة أن قطع تلك الكابلات لن يكون بمثابة مشكلة تقنية، بل سيشكل فعلاً تهديداً متكاملاً للبنية الاقتصادية والسياسية، ويذّكر العالم بأن التكنولوجيا الحديثة، مهما بدت مستقلة، ما زالت رهينة الجغرافيا والسياسة والعسكر.

إن حرب الكوابل البحرية إن تفاقمت، ستجعلنا ندرك في النهاية أن العالم الرقمي يعتمد على ركائز مادية وشرايين خطيرة ومهددة، وأن حماية هذه الشرايين إنما أصبح بأهمية حماية النفط والغاز والممرات المائية. إن وقف الحرب رأفة بالأبرياء الذين يدفعون ثمنها والذين لا ناقة ولا جمل لهم فيها، لا يشكل خطوة إنسانية فحسب، بل عالماً مليئاً بدرء بشائع الحرب وفظائعها، وما يرتبط بها من كثير من القطاعات المترنحة اليوم بما فيها عالم الإنترنت.

إن إدمان البشرية على الإنترنت واعتماد قطاعات حياتها قاطبة عليها، يجعل من انقطاعها كارثة لا يمكن تحملها، ليس فقط على كل الصعد التي تطرقنا إليها من قبل، وإنما أيضاً على المستوى الشخصي والإنساني الذي بات غير قادر على أن تمر ساعة من حياته، من دون أن يستل هاتفه المحمول ويعود لعالم الإنترنت بكامل خدماتها. فهل يتحول استعار معركة «الشرايين» في ظل الحرب القائمة إلى حقيقة واقعة وبصورة أسرع وأبشع مما توقعناه؟ ننتظر ونرى.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن