في وقت ينشغل فيه العالم بعدّاد الضحايا الذي لا يتوقف، تجري على تخوم قطاع غزة الشرقية عملية "هندسة جغرافية" صامتة وخطيرة، تستهدف شطب حدود القطاع المعروفة ورسم واقع جديد بالخرسانة والأسلاك الشائكة، من خلال الانتقال إلى مرحلة "الاستيطان العسكري" عبر إقامة عشرات المواقع والتحصينات الدائمة داخل عمق أراضي المواطنين.
هذه المواقع ليست مجرد نقاط مراقبة، بل هي أوتاد تُدق في قلب الملكيات الخاصة لتكريس ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" الجديد، الذي يزحف تدريجياً نحو المناطق الغربية، ملتسماً من نزوح مئات الآلاف فرصة ذهبية لتغيير معالم الأرض.
إن ما يحدث اليوم شرق قطاع غزة هو عملية إحلال مكاني ممنهجة، حيث تُستبدل المزارع والحقول بمرابض للمدفعية ومنصات للقناصة، في محاولة لفرض سياسة الأمر الواقع وتحويل "المنطقة العازلة" إلى حدود سيادية جديدة تقتطع مساحات شاسعة من ضيق القطاع المحاصر أصلاً، وسط تواطؤ الصمت الدولي وغياب الرقابة الحقوقية.
ضم فعلي غير معلن..
وأكد د. صلاح عبد العاطي – رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، أن ما يفعله الاحتلال اليوم شرق قطاع غزة يتجاوز فكرة العمليات العسكرية الميدانية إلى جريمة 'تغيير معالم الأرض المحتلة'، وهو انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف الرابعة، مبيناً أن إقامة هذه المواقع العسكرية الدائمة وتجريف أراضي المواطنين لبناء تحصينات هو بمثابة ضم فعلي غير معلن، يهدف إلى تقليص المساحة الجغرافية للقطاع وحرمان الفلسطينيين من سلتهم الغذائية ومواردهم الطبيعية، مما يعمق الأزمة الإنسانية".
وأضاف عبد العاطي في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن "إزاحة الخط الأصفر تعني ببساطة قضم آلاف الدونمات وتحويلها إلى مناطق موت عسكري. هذا الزحف ليس عشوائياً، بل هو مخطط مدروس لفرض منطقة عازلة جديدة تمتد لمئات الأمتار بل والكيلومترات في بعض المناطق. هذا الإجراء يحرم آلاف العائلات من العودة إلى ديارهم حتى بعد توقف العدوان، ويخلق واقعاً ديموغرافياً وجغرافياً مشوهاً يجعل من غزة سجناً أضيق مما كانت عليه".
وتابع حديثه: "الاحتلال يستثمر في المأساة؛ فإفراغ المناطق الشرقية من سكانها تحت وطأة القصف ومن ثم منعهم من العودة هو عملية 'تطهير مكاني'. غياب الشهود العيان في تلك المناطق يسمح للجرافات العسكرية بالعمل بحرية لتدمير السجلات العقارية على الأرض وتغيير تضاريس المنطقة، مما يجعل من الصعب قانونياً وتاريخياً استعادة الحقوق في المستقبل إذا لم يتم التحرك فوراً لتوثيق هذه الانتهاكات".
وطالب عبد العاطي "المحكمة الجنائية الدولية بإدراج ملف 'تغيير المعالم الجغرافية والضم الصامت' ضمن تحقيقاتها في جرائم الحرب. كما يجب على المجتمع الدولي الضغط لإلزام الاحتلال بخرائط حدود 2005 وعدم السماح له بفرض أي تغييرات حدودية من طرف واحد. الصمت الحالي يشجع الاحتلال على المضي قدماً في قضم غزة تدريجياً، وهو ما يهدد أي أفق مستقبلي لاستقرار المنطقة".
الموت يقترب منا مع كل متر..
بدوره قال الحاج يوسف النباهين، "بيتي يقع في الأطراف الشرقية لمخيم البريج، وكان يبعد عن السلك القديم حوالي 500 متر. اليوم، لم يعد هناك سلك قديم؛ الاحتلال جرف مزارع الزيتون التي كانت تميز المنطقة وبنى تلالاً ترابية ضخمة ووضع مكعبات إسمنتية في أماكن لم نكن نتخيل وصولهم إليها. الخط الأصفر الذي كانوا يتحدثون عنه صار اليوم يمر من فوق ركام منزلي، ولم تعد المنطقة التي نعرفها موجودة؛ لقد مسحوا ذكرياتنا ووضعوا مكانها أبراج مراقبة ذكية".
وأضاف في حديثه لـ"فلسطين الآن"، "نعيش في رعب دائم، حتى ونحن في خيام النزوح القريبة من المناطق الغربية. نشعر أن الموت يقترب منا مع كل متر يتقدمه الاحتلال للداخل. لم نعد نملك أرضاً لنزرعها أو مكاناً نعود إليه. الخط الأصفر بالنسبة لنا هو 'خط الموت'؛ فمن يقترب منه يُقتل فوراً برصاص القناصة أو الطائرات المسيرة. لقد خسرنا مصدر رزقنا الوحيد وهي الأرض التي ورثناها عن أجدادنا".
وتابع: "الاحتلال يريدنا أن ننسى فكرة العودة. المواقع العسكرية التي يبنيها ليست مؤقتة، إنها تبدو كقواعد دائمة بأسلاك شائكة وأنظمة إنذار. عندما أنظر من بعيد، أرى جرافاتهم تبني طرقاً مرصوفة داخل أراضينا لخدمة آلياتهم. هذا يعني أنهم يخططون للبقاء، وأن بيوتنا التي دُمِّرت أصبحت الآن جزءاً من منطقتهم العسكرية المحرمة علينا".
واختتم حديثه: "نحن لا نطالب بالخبز والماء فقط، نحن نطالب بأرضنا. العالم يتحدث عن وقف إطلاق النار، لكن أحداً لا يتحدث عن الأراضي التي تُسرق كل يوم تحت غطاء الدخان. إذا استمر هذا الزحف، فلن يجد أهل غزة مكاناً يضعون فيه أقدامهم. نريد العودة إلى حدودنا المعروفة، لا نريد حدوداً يرسمها الاحتلال بدماء أبنائنا وجرافاته".
شهادة من الداخل..
بدوره كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية في تقرير لها أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يعمل بشكل منهجي على تثبيت 'الخط الأصفر' كحدود أمنية وسياسية جديدة لقطاع غزة، متجاوزاً بذلك كافة التفاهمات السابقة.
وبحسب الصحيفة، فإن هذا الخط يقتطع مساحات واسعة من داخل القطاع، ويتم تدعيمه بشبكة من القواعد العسكرية ونقاط الارتكاز الدائمة التي تضمن للجيش سيطرة كاملة بالنار والرؤية على المناطق السكنية المتبقية في الغرب".
وأشار إلى أن القيادة العسكرية الإسرائيلية تعتبر أن 'المنطقة العازلة' القديمة لم تعد كافية لتوفير الأمن لبلدات الغلاف، ولذلك تقرر نقل الحدود لداخل غزة. هذا الاعتماد يستند إلى استراتيجية 'التحصين العميق'، حيث يتم تجريف كل ما هو قائم في تلك المناطق لضمان عدم عودة النشاط المدني أو العسكري الفلسطيني إليها، مما يحولها إلى 'أرض محروقة' تابعة إدارياً وعسكرياً للاحتلال".
وخلص تقرير "هآرتس"، إلى أن 'الخط الأصفر' سيعيد رسم خريطة القطاع بشكل دائم، مما سيؤدي إلى اكتظاظ سكاني هائل في المناطق الغربية المتبقية. هذا الضغط الديموغرافي مع فقدان الأراضي الزراعية سيحول غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة، وهو ما يخدم الرؤية اليمينية الإسرائيلية في دفع السكان نحو التفكير في خيارات الرحيل، وتحويل غزة إلى جيب أمني خاضع للسيطرة الإسرائيلية المطلقة.
