تتجه الأنظار إلى تطورات متسارعة في المنطقة، في ظل تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد لبنان، وما يرافقها من غموض بشأن حدود اتفاق وقف إطلاق النار المعلن بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تساؤلات فلسطينية واسعة حول ما إذا كان هذا الاتفاق يشمل الساحة اللبنانية أم يقتصر على مسار محدد بين الطرفين.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن التوصل إلى اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار مع إيران لمدة أسبوعين، تمهيدًا لمفاوضات أوسع، في خطوة قُدّمت على أنها محاولة لاحتواء التصعيد الإقليمي المتسارع. إلا أن تصريحات لاحقة لترامب استثنت لبنان من هذا الاتفاق، وهو ما أثار جدلًا واسعًا، خاصة بعد تأكيدات سابقة بأن التفاهم يشمل مجمل ساحات الاشتباك المرتبطة بإيران.
خلفية الاتفاق
الاتفاق الأمريكي–الإيراني جاء بعد أسابيع من التوتر العسكري غير المسبوق، شمل ضربات متبادلة وتصعيدًا في الخليج، خصوصًا مع تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم. ويهدف الاتفاق، وفق مراقبين، إلى كسب الوقت ومنع الانزلاق نحو حرب شاملة، بانتظار جولة مفاوضات مقررة يوم الجمعة.
ورغم الطابع المؤقت للاتفاق، فإن طبيعته وحدوده ما تزال غير واضحة، خصوصًا في ظل تضارب التصريحات الأمريكية، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في أكثر من ساحة.
لبنان في قلب التصعيد
في هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي إن "الاحتلال هاجم لبنان بكل عنف، فيما يصر ترامب على أن لبنان ليس مشمولًا في الاتفاق، رغم أن جميع الأطراف تحدثت سابقًا عن شمولية التفاهم، بما في ذلك رئيس وزراء باكستان الذي أعلن الاتفاق وذكر لبنان بالاسم".
وأضاف عنبتاوي، أن "هذا التناقض يعكس حالة من التخبط، ويطرح تساؤلات حول مدى التزام واشنطن بالتفاهمات، خاصة مع إغلاق إيران لمضيق هرمز، واستمرار نية رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو توسيع الحرب".
وتساءل: "هل سيخضع ترامب لإرادة نتنياهو ويستأنف استهداف إيران، أم سيحاول ضبط الإيقاع قبل المفاوضات؟"، معتبرًا أن "الساعات المقبلة حاسمة، بين خيار التصعيد أو احتواء الأزمة".
اختبار لإيران وحدود الدور الأمريكي
من جانبه، رأى المختص في الشؤون الإسرائيلية عصمت منصور أن "إطلاق عملية عسكرية بهذه الوحشية ضد لبنان يضع إيران أمام أول اختبار حقيقي بعد الاتفاق، كما يكشف حجم الهامش الذي قد يمنحه ترامب لنتنياهو".
وأوضح منصور، أن نتنياهو "قد يحقق مكاسب من الاتفاق بصيغته الحالية، لكنه كان سيخرج خاسرًا لو فُرض عليه وقف العمليات في لبنان"، مضيفًا أن "رئيس وزراء الاحتلال يعيد صياغة المعركة بما يتلاءم مع أولوياته الداخلية".
وأشار إلى أن أحد التفسيرات المطروحة هو "فصل الساحة اللبنانية عن الاتفاق، والتعامل مع حلفاء إيران بشكل منفصل، كأمر واقع تفرضه التطورات الميدانية"، محذرًا من "التسرع في إصدار أحكام نهائية في ظل تعقيد المشهد".
فصل المسارات: عسكريًا وسياسيًا
بدوره، أكد المختص في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن "إسرائيل عملت على مستويين متوازيين؛ عسكريًا ربطت بين حزب الله وإيران ضمن معركة واحدة، لكنها سياسيًا سعت للفصل بينهما، لمنع أي اتفاق مع طهران من أن يشمل لبنان تلقائيًا".
وقال مناع، إن "ما يجري حاليًا يندرج ضمن هذا التوجه، أي تثبيت أن الاتفاق المؤقت مع إيران لا يمنح غطاءً للساحة اللبنانية"، معتبرًا أن ذلك "جزء من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك في المنطقة".
ترقب حذر
في ظل هذه المعطيات، يسود ترقب حذر في الأوساط الفلسطينية والإقليمية، مع اقتراب موعد المفاوضات المرتقبة، وسط مخاوف من انهيار التفاهم الهش، أو تحوله إلى مظلة لتصعيد محدود في ساحات معينة دون أخرى.
ويرى مراقبون أن مآلات الساعات المقبلة ستحدد اتجاه المنطقة، إما نحو تهدئة مؤقتة تفتح الباب أمام تسوية أوسع، أو نحو انفجار جديد يعيد خلط الأوراق، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ بداية التصعيد.
