يعيش قطاع غزة في هذه الأيام حالة من الترقب المشوب بالحذر والقلق الوجودي، حيث تخيم أشباح الحرب مجدداً على سمائه الملبدة بغيوم التوترات السياسية والميدانية.
وتأتي هذه الموجة من المخاوف في ظل تصاعد الحديث عن اشتراط الاحتلال الإسرائيلي "نزع سلاح المقاومة" كشرط أساسي لاستمرار التهدئة أو البدء في عمليات إعادة الإعمار، وهو ما تعتبره الحاضنة الشعبية والقوى الوطنية بمثابة "انتحار سياسي وأمني" يترك غزة بلا حماية أمام غطرسة المستوطنين وآلة الحرب التي لم تتوقف انتهاكاتها اليومية رغم اتفاقات وقف إطلاق النار.
إن التهرب الإسرائيلي الواضح من تنفيذ الاستحقاقات الإنسانية والسياسية للاتفاقات المبرمة، يضع المواطن الفلسطيني في مواجهة خيارات أحلاها مرّ؛ فإما القبول بواقع مشوه يسلبه أدوات دفاعه، أو العودة لمربع الصراع الدامي الذي لم تندمل جراحه بعد.
سلاح المقاومة "صمام الأمان"..
وأكد الناطق العسكري باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، في أحدث ظهور له، أن طرح ملف "نزع سلاح المقاومة" هو سعي "مفضوح" من قبل الاحتلال لمواصلة عمليات الإبادة والقتل بحق الشعب الفلسطيني دون رادع. ووصف هذه الطروحات بأنها محاولة لانتزاع ما عجز العدو عن تحقيقه في الميدان العسكري عبر آلاف الأطنان من المتفجرات.
وشدد أبو عبيدة على أن سلاح المقاومة هو "صمام الأمان" الوحيد الذي يمتلكه الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال الذي لا يحترم العهود ولا المواثيق، مشيراً إلى أن المقاومة لن تقبل بأي مساومة على حقها في الدفاع عن أرضها ومقدساتها، وأن العدو لا يفهم إلا لغة القوة.
وأوضح الناطق العسكري أن ما لم يأخذه الاحتلال بالحرب والدمار، لن يحصل عليه عبر "الحيل السياسية" أو التهديدات الجوفاء باستئناف العدوان، داعياً الجماهير الفلسطينية إلى الثبات والتمسك بحقوقها، ومؤكداً أن "طوفان الأقصى" غيّر المعادلات ولا عودة إلى الوراء.
وختم أبو عبيدة حديثه بالتأكيد على أن قضية السلاح هي قرار وطني وإرادة شعبية لا تقبل القسمة على اثنين، وأن أي محاولة للمساس به ستواجه بردود فعل لم يحسب لها الاحتلال حساباً، مشدداً على أن "الجهاد هو السبيل الوحيد لانتزاع الحقوق".
الهروب إلى الأمام..
يرى المحلل السياسي محمد موسى أن الاحتلال الإسرائيلي يمارس سياسة "الهروب إلى الأمام" من خلال طرح قضية نزع السلاح، بهدف التملص من التزاماته المتعلقة بفك الحصار وفتح المعابر وإعادة الإعمار. واعتبر موسى أن هذا الشرط التعجيزي هو ذريعة جاهزة لاستئناف العدوان في أي لحظة يراها نتنياهو مناسبة لمصالحه السياسية.
وأشار موسى في حديثه لمراسل "فلسطين الآن"، إلى أن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية اليومية في مناطق التماس وعرقلة دخول المواد الأساسية يثبت أن الاحتلال لم يكن يوماً جاداً في التوصل لتهدئة مستدامة، بل يسعى فقط لتحييد المقاومة تمهيداً لفرض واقع "السيادة الأمنية" المطلقة على القطاع.
وفي سياق تحليله للموقف الفلسطيني، أوضح موسى أن رفض المقاومة للتفاوض على سلاحها ينبع من إدراك عميق بأن هذا السلاح هو الأداة الوحيدة التي تجبر العالم على الالتفات للقضية الفلسطينية، وبدونه ستتحول غزة إلى سجن كبير مستباح كلياً للمشاريع الاستيطانية.
واختتم المحلل السياسي رؤيته بالتحذير من أن المماطلة الإسرائيلية الحالية قد تؤدي إلى انفجار وشيك لا يمكن السيطرة عليه، مؤكداً أن غزة لا يمكن أن تظل معلقة بين "حرب لم تنتهِ" و"سلم وهمي" يُطلب منها فيه دفع أبهظ الأثمان دون الحصول على أدنى حقوقها الإنسانية.
قضية كرامة ووجود..
ويعبر المواطن الخمسيني "أبو رامي" عن قلقه العميق قائلاً: "نحن نعيش كل ليلة على وقع المخاوف من صوت الطائرات، فالكلام عن العودة للحرب لم يتوقف. الاحتلال يريد تجريدنا من كل شيء، حتى من حقنا في الدفاع عن أنفسنا، بينما نرى الموت في عيونهم يومياً عند المعابر والحدود".
ويضيف بمرارة لمراسل "فلسطين الآن": "اتفقوا على وقف إطلاق النار، لكن أين هذا الوقف؟ بيوتنا لا تزال ركاماً، وأبناؤنا بلا عمل، والاحتلال يتهرب من كل وعد أعطاه للوسطاء. كيف يريدون منا أن نثق بهم ونسلم السلاح وهم لم يعطونا حتى حقنا في العيش بكرامة ودون خوف من غارة غادرة؟".
ويرى أبو رامي أن قضية السلاح بالنسبة للمواطن البسيط هي قضية كرامة ووجود، ويقول: "إذا ذهب السلاح، فمن سيمنعهم من دخول خيامنا وتكرار المجازر؟ نحن جربنا السلام معهم لعقود ولم نجصد سوى الاستيطان والقتل. الخوف من الحرب موجود، لكن الخوف من الذل والعودة للصفر أكبر بكثير".
ويختم المواطن حديثه بمناشدة الضمير العالمي: "غزة تعبت، لكنها لم تنكسر. نحن نريد حياة طبيعية، نريد إعادة إعمار حقيقية لا مجرد وعود في الهواء. استمرار الاحتلال في تهديدنا بالحرب كلما رفضنا شروطه الظالمة هو جريمة مستمرة، ونحن ننتظر فرج الله وثبات المقاومة".
