لم تعد مسألة الاستيطان في الضفة الغربية مجرد سياسة توسع تدريجي تفرضها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تحت ذرائع أمنية أو دينية، بل باتت اليوم تعبيرًا صريحًا عن تحوّل استراتيجي أعمق: الانتقال من إدارة الاحتلال إلى إعادة إنتاجه بصيغة أكثر صلابة وشمولًا، وفي هذا السياق، تبرز إعادة طرح مستوطنة صانور كعلامة فارقة، لا لأنها موقع استيطاني جديد، بل لأنها نموذج لإعادة احتلال ما سبق أن أُخلي، وكأن الزمن السياسي يمكن شطبه والبدء من نقطة الصفر.
ما يجري في صانور لا يمكن فصله عن سياق أوسع يشهد تآكلًا متسارعًا لفكرة “الانسحاب” ذاتها داخل العقل السياسي الإسرائيلي، فخطة فك الارتباط عام 2005، التي قُدّمت حينها كخطوة استراتيجية لإعادة التموضع، تُعاد قراءتها اليوم داخل التيار اليميني باعتبارها خطأً تاريخيًا يجب تصحيحه، ومع صعود اليمين الديني والقومي إلى مركز القرار، لم يعد الهدف فقط منع قيام دولة فلسطينية، بل تجاوز ذلك نحو إعادة السيطرة المباشرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض.
صانور، في هذا المعنى، ليست سوى بداية اختبار، اختبار لمدى القدرة على كسر القيود السابقة، سواء كانت قانونية أو سياسية، واختبار لردود الفعل الفلسطينية والدولية على حد سواء، فإعادة إحياء مستوطنة أُخليت بقرار إسرائيلي رسمي تعني ضمنيًا أن كل ما جرى الاتفاق عليه أو تنفيذه سابقًا لم يعد ملزمًا، وأن موازين القوة الحالية هي المرجعية الوحيدة.
لكن الأخطر من ذلك أن هذه الخطوة تعكس تحولًا في وظيفة الاستيطان نفسه، فبعد أن كان أداة لفرض وقائع تدريجية على الأرض، بات اليوم يُستخدم كأداة لإعادة هندسة المجال الجغرافي الفلسطيني بشكل جذري، لم يعد الهدف فقط توسيع مستوطنة أو ربطها بأخرى، بل خلق شبكة سيطرة متكاملة تقوم على العزل والتقطيع، بما يحوّل التجمعات الفلسطينية إلى جزر منفصلة فاقدة لأي تواصل جغرافي حقيقي.
في شمال الضفة الغربية تحديدًا، تكتسب هذه السياسة بعدًا إضافيًا، فالمنطقة التي كانت تُعتبر تاريخيًا أقل كثافة استيطانية مقارنة بوسط وجنوب الضفة، تتحول تدريجيًا إلى ساحة مفتوحة لإعادة الانتشار الاستيطاني، ومع إعادة طرح مواقع مثل صانور وحومش، يصبح واضحًا أن هناك توجهًا لإعادة رسم الخريطة الاستيطانية في هذه المنطقة، بما يفرض واقعًا جديدًا يقيّد الحركة الفلسطينية ويعيد تشكيل موازين السيطرة.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط لماذا الآن، بل أيضًا إلى أين تتجه هذه السياسة؟
الإجابة تبدو مرتبطة بطبيعة المرحلة السياسية داخل إسرائيل، حيث لم يعد هناك حرج في طرح مشاريع الضم بشكل علني، ولم تعد الحاجة قائمة لتغليف السياسات الاستيطانية بخطاب “أمني” أو “مؤقت”، نحن أمام لحظة سياسية ترى في الأرض مجالًا مفتوحًا للحسم، لا للتفاوض.
وفي المقابل، يأتي هذا التصعيد في ظل واقع فلسطيني مأزوم، يعاني من انقسام سياسي عميق وتراجع في القدرة على صياغة استراتيجية مواجهة موحدة، وهو ما يمنح المشروع الاستيطاني هامشًا أوسع للتحرك، في ظل غياب كلفة سياسية حقيقية يمكن أن تردعه،
إعادة إحياء صانور ليست مجرد خطوة على الأرض، بل إعلان عن مرحلة جديدة في الصراع، عنوانها إعادة تعريف الاحتلال نفسه، لم يعد الأمر يتعلق بإدارة وضع قائم، بل بإعادة تشكيله بالكامل وفق رؤية تعتبر كل انسحاب سابق مجرد تفصيل قابل للمحو، وفي ظل هذا التحول، يصبح التحدي الأكبر ليس فقط في مواجهة التوسع الاستيطاني، بل في إدراك أن ما يجري هو محاولة لإغلاق أي أفق مستقبلي لحل سياسي، واستبداله بواقع دائم يُفرض بالقوة ويُعاد إنتاجه كلما سنحت الفرصة.
