13.34°القدس
13.1°رام الله
12.19°الخليل
18.5°غزة
13.34° القدس
رام الله13.1°
الخليل12.19°
غزة18.5°
الإثنين 04 مايو 2026
4جنيه إسترليني
4.15دينار أردني
0.05جنيه مصري
3.45يورو
2.94دولار أمريكي
جنيه إسترليني4
دينار أردني4.15
جنيه مصري0.05
يورو3.45
دولار أمريكي2.94

تحقيق صحفي: خلف غياهب الإخفاء... أسرى غزة يقبعون وراء جدران من الأكاذيب الإسرائيلية

imagopped.jpg
imagopped.jpg


يكشف تحقيق "العربي الجديد" الاستقصائي أنماط إخفاء دولة الاحتلال لأسرى غزة، بينما تتلاعب بذويهم روايات مضللة، توازياً مع تعليق الزيارات وتقييد وصول المحامين والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية إلى السجون.

- بدأت رحلة البحث عن الفتى الفلسطيني أكرم محمد ناصر أبو طيور منذ 12 يوليو/ تموز 2024، إذ اختفى بالقرب من معبر رفح، بعدما أوقفته دبابة إسرائيلية أثناء سيره مع أبناء عمومته، وهم آخر من رأوه قبل أن ينقطع أثره.

منذ ذاك اليوم، لم تتلق العائلة أي معلومة رسمية حاسمة عن مصيره، فيما نفت سلطات الاحتلال وجوده في سجلات الأسرى، في نمط تكرر مع عائلات غزية منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع، بالتوازي مع تعليق زيارات الأسرى وتقييد وصول المحامين والعائلات إلى السجون ومراكز الاحتجاز. وفي ظل تلك الانتهاكات تلاعبت بالأهالي روايات إسرائيلية متبدلة بشأن مصير أبنائهم. في بعض الحالات جرى نفي الاعتقال، أو الإبلاغ عن الإفراج، ثم لاحقاً الاعتراف بأن المخفيين قسراً قضوا داخل الاحتجاز.

عبر فحص 23 ملفاً لحالات أسرى ومفقودين من قطاع غزة، توصل التحقيق إلى أن تضارب الردود لا يعود إلى عراقيل إدارية، كما ينعكس مباشرة على قدرة العائلات والمؤسسات الحقوقية على الوصول إلى معلومات موثوقة عن مصير الأسرى والمفقودين، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على التحقق المستقل من قبل المؤسسات الدولية أو المحلية، وما يرافق ذلك من إنكار وتناقض وحجب لمعلومات حاسمة تتعلق بمصير المخفيين. 


رحلات بحث بلا نهاية
من بين هذه الحالات، خليل أحمد خليل هنية، البالغ من العمر 35 عاماً، واعتُقل في 21 ديسمبر/ كانون الأول 2023 من مدرسة عبد الله الدحيان في حي الشيخ رضوان، شمالي قطاع غزة، وفق ما تؤكد زوجته فاطمة محمد إذ تقول إنها شاهدته يُقتاد حياً على يد الجنود، برفقة آخرين من المكان. ومن وقتها، بدأت العائلة رحلة بحث طويلة عن مصيره، من خلال متابعة متواصلة مع مؤسسات حقوقية، من بينها هيئة شؤون الأسرى والمحررين (حكومية).


بعد معاناة تلقت العائلة والجهات المتابعة روايات إسرائيلية عديدة ومتبدلة بشأن مصيره. ففي المرحلة الأولى، أفاد رد رسمي من الاحتلال الإسرائيلي بأن خليل "غير موجود في السجلات"، قبل أن يؤكد رد لاحق أنه محتجز في سجن النقب.

بينما أظهر بريد إلكتروني رسمي تلقته المؤسسات الحقوقية في مارس/آذار 2025، أن الإفراج عن خليل سُجل بتاريخ 25 ديسمبر 2024، غير أن عائلته نفت الأمر، ما دفع المؤسسات الحقوقية إلى إعادة مخاطبة الجانب الإسرائيلي، تقول فاطمة: "في إبريل/ نيسان 2025 جاء رد جديد يفيد بأن خليل قضى داخل السجن في 25 ديسمبر 2024، وهو التاريخ نفسه الذي سُجل سابقاً باعتباره تاريخ الإفراج عنه".

ولا يقتصر التناقض الموثق على تبدل الردود بين النفي والاحتجاز والإفراج، بل يمتد إلى الفجوة الزمنية في إبلاغ عائلة خليل بوفاته. فبحسب زوجته، لم تعرف الأسرة رسمياً أنه قضى داخل الاحتجاز إلا في العاشر من إبريل 2025، أي بعد نحو أربعة أشهر من التاريخ الذي قيل لاحقاً إنه تاريخ وفاته، كما لم تُسلم العائلة جثمانه، ولم تتلق أي توضيح بشأن ظروف وفاته أو مكان احتجاز الجثمان، مشيرة إلى أن خليل كان يعاني من الصرع، ويتلقى علاجاً منتظماً، ما جعل احتجازه من دون رعاية طبية خطراً مباشراً على حياته.

وتقول إن أسيرين محررين، هما محمد أبو سمرة من مخيم الشاطئ، وشادي أبو ناجي من بيت لاهيا، أبلغا العائلة، قبل أشهر من وصول الرد الرسمي، بأن خليل سقط داخل سجن النقب وارتطم رأسه بالأرض، وكان بحاجة إلى خياطة جرحه بنحو ثماني غرز، لكنه لم يتلق العلاج وترك ينزف حتى استشهد.

ووثقت مؤسسة الضمير (حقوقية تعنى بالأسرى) سبع حالات بالنمط نفسه حتى إبريل المنصرم، من بينها ملف الأسير إبراهيم عدنان عاشور المعتقل في 14 فبراير/شباط 2024، والذي أبلغت سلطات الاحتلال في أغسطس/آب 2024، المؤسسات الحقوقية التي تتابع ملفه، أنه موجود في سجن عوفر، وتقول مؤسسة الضمير إن طلبات زيارته تكررت، مع ورود ردود تفيد بإمكانية تنسيق الأمر، كان آخرها في 30 سبتمبر/أيلول 2024، إلا أنه لم يُسمح للمحامين بلقائه من دون تقديم تفسير.

وفي الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تلقى المحامون الذين يتابعون ملفَّه، رداً مفاده بأنه لم يعد موجوداً في سجن عوفر، وأنه يخضع للتحقيق في جهة أخرى، من دون تقديم معلومات إضافية عن مكان وجوده أو وضعه. لاحقاً، في ردود صدرت في ديسمبر 2024، ثم بتاريخ 20 يناير/كانون الثاني 2025، أبلغت الجهات الإسرائيلية المؤسسات الحقوقية بأنه قضى في 23 يونيو/حزيران 2024، أي قبل أشهر من الردود التي أكدت وجوده في سجن عوفر، واستمرار تقديم طلبات زيارته.

وأوردت الضمير عبر ورقتها البحثية "عنف السجون"، التي نشرتها ضمن سلسلة ترصد انتهاكات حقوق الأسيرات والأسرى خلال عام 2024، أسماء عدد من الضحايا تكرر معهم النمط ذاته، منهم كمال راضي وعرفات الخواجا وفرج حسين وحسين أبو عبيدة، ومحمد العسلي الذي تقول المؤسسة إنها تلقت في أغسطس 2024 رداً يؤكد وجوده في سجن عسقلان، قبل أن تصل إليها ردود لاحقة، آخرها في يناير 2025، تفيد بأنه قضى في مايو/أيار 2024، أي في تاريخ سابق لأول طلب فحص قُدم بشأنه. وفي جميع الحالات، صدرت الروايتان عن الجهة نفسها، من دون تقديم توضيحات بشأن ظروف الوفاة أو نتائج التحقيقات التي أعلن جيش الاحتلال فتحها.
 

أين عوض؟
عبر الردود الإسرائيلية يتضح نمط آخر تمثل في الإبلاغ رسمياً بالإفراج عن أسرى، رغم بقائهم رهن الاحتجاز، كما في حالة عوض مصطفى شاهين، المعتقل في السادس من نوفمبر 2024 أثناء مروره مع شقيقه عبر "الممر الآمن" في طريق صلاح الدين، جنوبي قطاع غزة.

وتقول عائلته إن شقيقه كان معه لحظة الاعتقال، وإن جنود الاحتلال احتجزوهما معاً لساعات، قبل أن يفرجوا عن أخيه، بينما أبقوا عوض معتقلاً. بعد نحو أربعة أشهر، تلقت هيئة شؤون الأسرى والمحررين رداً رسمياً يفيد بأنه "أُفرج عنه في 23 مارس 2025"، غير أن العائلة نفت ذلك، كما لم يظهر اسمه ضمن قوائم المفرج عنهم.

خلال الأسابيع التالية، نقل أسرى محررون، من بينهم خليل نعمان شاهين وحسن خليل الدبس، شهادات متطابقة تؤكد وجوده داخل سجن النقب مقيّداً.

وقالا إنه كان من المفترض الإفراج عنه ضمن إحدى صفقات التبادل، قبل أن يتبين بعد خروجهما أن اسمه لم يكن ضمن القوائم. وأفادت هيئة شؤون الأسرى والمحررين بأنها أعادت الاستفسار مراراً، لتتلقى لاحقاً ردوداً أخرى تؤكد استمرار احتجازه، أولاً في معسكر سدي تيمان، ثم في سجن النقب. وتفيد العائلة، على لسان ابنته جنى، بأنها أُبلغت في 23 مارس 2025 بالإفراج عنه، إلا أن ذلك لم يحدث.

كما تواصلت الأسرة مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وكانت تتلقى إفادات تفيد بوجوده في سدي تيمان، قبل أن تشير متابعات لاحقة إلى نقله لسجن النقب، من دون أن تحصل حتى الآن على معلومة موثوقة عن وضعه أو ظروف احتجازه.

يبرز ضمن النمط نفسه ملف الأسير فارس تيسير كمال أبو عبدو، إذ أبلغت الجهات الإسرائيلية المحامي المتابع لملفه، باعتقاله خلال "نشاط للقوات في قطاع غزة"، قبل أن تفيد لاحقاً بأنه أُفرج عنه وأُعيد إلى قطاع غزة بتاريخ الثامن من يونيو 2025. لكن عائلته لم تتلق أي إشارة إلى الإفراج عنه، كما لم يظهر اسمه ضمن قوائم المفرج عنهم، ولا تتوفر حتى الآن مؤشرات إلى خروجه من الأسر.


إنكار ممنهج
تمثل حالة أدهم محمد جميل صيام مثالاً واضحاً على إنكار وجود الأسرى، لكنه كان أكثر حظا من غيره، فقد اعتقلته قوات الاحتلال من حاجز مدينة حمد في خانيونس خلال الاجتياح البري للمدينة في الثالث من مارس 2024، وعلى مدى نحو عام وسبعة أشهر، اقتصرت الردود الواردة إلى الجهات الحقوقية التي تابعت ملفه على صيغة تفيد بأنه غير موجود في السجلات، وبقيت عائلته عاجزة عن الحصول على معلومة حاسمة، وفي حالة بين اليقين والشك في حقيقة مصيره. وفي الوقت عينه، تلقت العائلة إفادات من أسرى محررين أكدوا وجود أدهم داخل معسكر سدي تيمان، بحسب إفادة شقيقه أمجد.

المصدر: العربي الجديد