انطلقت في قطاع غزة، اليوم الجمعة، فعاليات ماراثون فلسطين الدولي في نسخته العاشرة، تحت شعار "نركض من أجل الحرية"، وذلك بإشراف المجلس الأعلى للشباب والرياضة وبتنسيق كامل مع اللجنة الأولمبية الفلسطينية.
وجاءت هذه التظاهرة الرياضية الكبرى بالتزامن المتزامنة مع السباق المركزي في مدينة بيت لحم بالضفة الغربية، لتؤكد للعالم أجمع أن فلسطين ستبقى وحدة جغرافية ووطنية واحدة لا تقبل القسمة، رغم كل الحواجز ومحاولات الفصل الجغرافي.
ويأتي تنظيم هذا الماراثون في قطاع غزة في وقت لا يزال فيه القطاع يرزح تحت وطأة ويلات حرب قاسية لم تتوقف، ويواصل فيها الاحتلال الإسرائيلي اختراق كافة التهدئات الإنسانية عبر القصف المتواصل للمدنيين وتجمعاتهم السكنية.
ورغم انتشار الركام وغياب المضامير الرياضية المؤهلة نتيجة التدمير الممنهج، إلا أن الإصرار الفلسطيني عبّد طريق "الرشيد" الساحلي ليتحول إلى مضمار للركض، معلنًا انتصار إرادة الحياة على آلة الموت والدمار البشعة.
وقد شهد السباق في غزة مشاركة واسعة النطاق تجاوزت 2523 مشاركًا ومشاركة، انطلقوا في مسار امتد لمسافة 5 كيلومترات من جسر وادي غزة غرب مخيم النصيرات وصولاً إلى منطقة صالة البيدر شمالاً.
ولم يقتصر المشهد على العدائين المحترفين، بل ضم الماراثون عائلات بأكملها، وأطفالاً، وشباباً، إلى جانب مشاركة لافتة لـ "ذوي الهمم" والإرادة ممن تحدوا إصاباتهم الناتجة عن العدوان، ليرسموا معاً لوحة رياضية وإنسانية بالغة الأهمية والتأثير.
وتسعى الحركة الرياضية الفلسطينية من خلال هذا الحدث الدولي السنوي إلى تسليط الضوء على الانتهاكات الصارخة التي تتعرض لها من قبل الاحتلال، والتي أسفرت عن تدمير عشرات الأندية واستشهاد مئات الرياضيين واللاعبين الدوليين.
إن الخطوات الموحدة التي نبضت اليوم بين غزة وبيت لحم تمثل رسالة حرية يرسلها الشعب الفلسطيني إلى المجتمع الدولي، مطالبًا بحقه الأساسي في الحركة والعيش بسلام فوق أرضه ومقدساته.
تحدي الدمار وإحياء الرياضة..
وأكد الدكتور أسعد المجدلاوي، نائب رئيس اللجنة الأولمبية الفلسطينية، أن إقامة ماراثون فلسطين الدولي العاشر بالتزامن والترابط الكامل بين المحافظات الجنوبية والشمالية هو تجسيد حقيقي للوحدة الوطنية وتأكيد على أن فلسطين وطن واحد لا يتجزأ. وأوضح المجدلاوي أن الركض المتزامن بين غزة وبيت لحم يرسل للعالم رسالة سياسية ورياضية مفادها أن الحصار والعدوان لن يفلحا في تمزيق الجسد الفلسطيني الواحد.
وأشار المجدلاوي في حديثه لمراسل "فلسطين الآن"، إلى أن الحركة الرياضية في قطاع غزة تعرضت لضربات قاسية وممنهجة خلال عامين من الحرب، شملت تدمير البنية التحتية والملاعب واستشهاد نخبة من الأبطال والكوادر الرياضية.
وشدد على أن انطلاق الماراثون اليوم من فوق الركام ومن وسط المعاناة يعكس قدرة الرياضي الفلسطيني على التكيف والنهوض من تحت الرماد لمواصلة العطاء وتمثيل وطنه.
وثمّن المجدلاوي المشاركة الدولية الواسعة في النسخة العاشرة، خاصة الماراثون الافتراضي الذي جرى في 88 دولة حول العالم بمشاركة آلاف المتضامنين الأجانب.
واعتبر هذا التضامن العالمي دليلاً على اتساع رقعة الوعي بالقضية الفلسطينية، ونجاح الرياضة في تعرية السياسات العنصرية للاحتلال التي تحرم الفلسطينيين من أبسط حقوقهم كالحق في الحركة.
وفي ختام حديثه، وجّه نائب رئيس اللجنة الأولمبية شكره الجزيل لكافة الكوادر الرياضية، والاتحادات، والمتطوعين، وللشريك الاستراتيجي "اللجنة المصرية لإغاثة أهالي غزة" الذين بذلوا جهوداً مضنية لإنجاح الحدث، مؤكداً أن هذا النجاح يضع لبنة جديدة في تنظيم تظاهرات رياضية كبرى قادمة تليق بتضحيات الشعب الفلسطيني وصموده الأسطوري.
الإرادة الرياضية تهزم التهديدات..
بدوره أكد الدكتور يحيى الخطيب، القائم بأعمال رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة بغزة، أن تنظيم الماراثون اليوم الجمعة هو انتصار صريح للإرادة الفلسطينية على محاولات التجهيل والإحباط التي يمارسها الاحتلال عبر خروقاته المستمرة وقصفه للمدنيين. وقال الخطيب إن المجلس صمم على إقامة الفعالية في موعدها المحدد لبرهنة أن الشباب الفلسطيني لن يتخلى عن دوره في إحياء الفعاليات الوطنية والرياضية.
وأوضح الخطيب لمراسل "فلسطين الآن"، أن الترتيبات الفنية واللوجستية للماراثون جرت بالتنسيق مع اتحاد ألعاب القوى والجهات المختصة لضمان سلامة المتسابقين وتحديد مسار آمن يمتد على طول 5 كيلومترات. وأشاد بالانضباط الكبير الذي أظهره العداءون والمشاركون، مما عكس صورة حضارية ومشرفة لقطاع غزة الذي يمتلك طاقات شبابية قادرة على التميز والإبداع في أحلك الظروف.
وتطرق الخطيب إلى اتفاقية التعاون المشترك التي جرى توقيعها مع اللجنة المصرية لإغاثة أهالي قطاع غزة باعتبارها الشريك الاستراتيجي والداعم الرئيسي للماراثون في نسخته العاشرة. وأكد أن هذه الشراكة تعكس عمق العلاقات الأخوية والدور الإقليمي الهام في مساندة غزة وأهلها، والمساهمة في توفير بيئة ملائمة لإعادة النبض للحياة الشبابية والرياضية.
واختتم القائم بأعمال رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة حديثه مؤكداً أن الماراثون يوجه رسالة مدوية للاحتلال وللعالم بأن غزة لن تتوقف عن المسير ولن تتخلى عن تطلعاتها نحو الحرية والاستقلال. وأشار إلى أن المجلس سيواصل إطلاق البرامج والأنشطة التي تستهدف رعاية الشباب وتنمية قدراتهم الرياضية باعتبارهم عماد المستقبل وبناة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
الركض رسالة تضامن وصمود..
وعبّر العداء صائب أحمد (24 عاماً)، أحد المشاركين في سباق الـ 5 كيلومترات بغزة، عن سعادته الغامرة بالعودة للمشاركة في ماراثون فلسطين الدولي بعد عامين عجاف من التوقف الإجباري بسب الحرب الشرسة. وقال أحمد إن عضلاتنا التي تجمدت قسراً بفعل القصف والنزوح المتكرر عادت اليوم لتنبض بالحياة والأمل فوق رمال وشوارع غزة التي نعشقها.
وأوضح المشارك لمراسل "فلسطين الآن"، أن مشاركته اليوم لم تكن تهدف إلى حصد الميداليات أو تحقيق أرقام قياسية فحسب، بل جاءت لإيصال رسالة تضامن مع عائلات الشهداء والجرحى. وأضاف: "نحن نركض اليوم لنخبر العالم أننا لسنا مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل نحن شعب يحب الحياة ويعشق الرياضة والحرية، وسنستمر في الركض حتى ننال حقوقنا المشروعة كاملة".
وأشار أحمد إلى أن رؤية الجرحى ومصابي الحرب من ذوي الهمم وهم يتقدمون صفوف الماراثون على كراسيهم المتحركة كان بمثابة حافز ومصدر إلهام وطاقة إيجابية لجميع المتسابقين. واعتبر أن إصرار هذه الفئة على التواجد والمنافسة يبرهن على أن الشعب الفلسطيني يمتلك مخزوناً لا ينضب من الصمود والتحدي القادر على قهر كافة الصعاب والمعوقات.
وفي نهاية حديثه، أعرب صائب عن أمله الكبير في أن تشهد النسخ القادمة من الماراثون زوال الحصار والعدوان، بحيث يتمكن رياضيو غزة من الركض بحرية في شوارع القدس وبيت لحم ورام الله دون قيود أو حواجز. وتمنى أن تلتفت المؤسسات الرياضية الدولية لمعاناة الرياضي الفلسطيني وتعمل على لجم انتهاكات الاحتلال المستمرة بحق المنشآت الرياضية في فلسطين.
