20.57°القدس
20.33°رام الله
19.42°الخليل
20.41°غزة
20.57° القدس
رام الله20.33°
الخليل19.42°
غزة20.41°
السبت 09 مايو 2026
3.95جنيه إسترليني
4.09دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.42يورو
2.9دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.95
دينار أردني4.09
جنيه مصري0.06
يورو3.42
دولار أمريكي2.9
نبهان خريشة

نبهان خريشة

المؤتمر الثامن هل تكتب فتح الفصل الأخير من تاريخها؟

في الرابع عشر من أيار/مايو، ستعقد حركة فتح مؤتمرها الثامن، قبل يوم واحد فقط من الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية. وقد يبدو اختيار التوقيت تفصيلا إداريا عاديا لدى البعض، لكنه في السياسة لا يمكن قراءته بعيدا عن الرمزية الثقيلة للتاريخ الفلسطيني. فالحركة التي قادت المشروع الوطني لعقود، والتي قدمت نفسها باعتبارها “الهوية السياسية للفلسطينيين”، تدخل مؤتمرها هذه المرة فيما تبدو أقرب إلى كيان سياسي متعب، مثقل بالهزائم والتآكل الداخلي وفقدان المعنى، أكثر من كونها حركة تحرر وطني تستعد لمرحلة جديدة من الصعود.

ثمة شعور متزايد بأن هذا المؤتمر ليس مؤتمرا عاديا في تاريخ فتح، بل ربما يكون المؤتمر الأخير بالمعنى التاريخي والسياسي، حتى وإن استمرت الحركة شكليا بعده. فالأحزاب لا تموت دائما بقرار رسمي أو بانهيار مفاجئ؛ أحيانا تموت عندما تفقد فكرتها المؤسسة، وتتحول إلى جهاز إداري يعيش على ذاكرة الماضي، بينما ينفصل تدريجيا عن المجتمع والواقع والتاريخ.

لقد ولدت فتح بوصفها تعبيرا عن لحظة فلسطينية صاعدة: شعب مهزوم بعد النكبة، يبحث عن استعادة المبادرة عبر الكفاح المسلح، ويريد انتزاع تمثيله الوطني بعيدا عن الأنظمة العربية. كانت الحركة آنذاك تحمل طاقة ثورية هائلة، واستطاعت أن تفرض نفسها بوصفها العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأن تصنع سردية وطنية كاملة حول "الثورة الفلسطينية المعاصرة". لكن المشكلة الكبرى في حركات التحرر تبدأ حين تتحول من حركات تقاتل من أجل مشروع إلى سلطات تقاتل من أجل البقاء.

منذ اتفاق أوسلو، دخلت فتح في تحول بنيوي عميق. انتقلت من حركة تحرر إلى سلطة محدودة السيادة، ومن مشروع مقاومة إلى جهاز بيروقراطي مرتبط بالتمويل الخارجي والتنسيق الأمني والتوازنات الإقليمية. ومع مرور الوقت، لم تعد الحركة قادرة على الجمع بين صورتها التاريخية القديمة ووظيفتها السياسية الجديدة. فأبناء المخيمات الذين تربوا على أدبيات الثورة لم يعودوا يرون في قيادات الحركة سوى طبقة سياسية تدير سلطة عاجزة، فيما الأجيال الجديدة لم تعش أصلا تجربة فتح الثورية كي تمنحها الشرعية العاطفية التي حظيت بها سابقا.

المؤتمر الثامن يأتي أيضا في لحظة إقليمية ودولية شديدة القسوة على المشروع الوطني الفلسطيني كله، لا على فتح وحدها. المنطقة العربية أعادت ترتيب أولوياتها بعيدا عن فلسطين، والتحالفات الجديدة تبنى وفق المصالح الاقتصادية والأمنية، لا وفق شعارات التحرر القومي القديمة. أما دوليا، فقد تراجعت مركزية القضية الفلسطينية إلى حد كبير، في ظل صعود أزمات عالمية أخرى، وصعود اليمين الشعبوي والقومي في الغرب، وتحوّل إسرائيل إلى شريك استراتيجي للكثير من القوى الدولية والإقليمية.

في المقابل، تبدو القيادة الفلسطينية وكأنها تعيش خارج الزمن. لا مراجعات حقيقية، ولا نقد سياسي عميق، ولا رؤية جديدة للمستقبل. فقط إعادة تدوير للنخبة ذاتها، وللخطاب ذاته، وللآليات ذاتها التي أوصلت الحالة الفلسطينية إلى هذا الانسداد التاريخي. حتى المؤتمر نفسه لا يبدو بوصفه محطة لإنتاج مشروع وطني جديد، بل أقرب إلى عملية إعادة توزيع داخلية للنفوذ والمواقع والتحالفات، في ظل صراع مكتوم على مرحلة ما بعد محمود عباس.

والأخطر من ذلك أن الحركة التي كانت يوما إطارا وطنيا واسعا، باتت اليوم تعاني من تفكك داخلي حاد. فهناك فتح السلطة، وفتح الأجهزة، وفتح الامتيازات، وفتح التاريخ، وفتح الغاضبين المهمشين. ولم تعد الحركة تمتلك ذلك المركز الأيديولوجي أو التنظيمي القادر على ضبط تناقضاتها الداخلية. ولهذا فإن أي مؤتمر جديد لا يبدو قادرا على إنتاج وحدة، بل قد يتحول إلى محطة إضافية لتعميق الانقسامات والانفجارات المؤجلة.

اللافت أيضا أن الخطاب الرسمي ما زال يتعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية وكأنها ما تزال الإطار الجامع والفاعل كما كانت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بينما الواقع يشير إلى أن المرحلة التاريخية التي مثلتها المنظمة تتجه نحو الأفول. ليس لأن فكرة التمثيل الوطني انتهت، بل لأن البنية السياسية التي قامت عليها المنظمة استنفدت شروطها التاريخية. فالمنظمة التي ولدت في زمن الثورات وحروب التحرر، لم تستطع إعادة تعريف نفسها في زمن السلطة والانقسام والتحولات الدولية الكبرى.

لقد أصبحت مؤسسات المنظمة أقرب إلى هياكل رمزية منها إلى مؤسسات حية. المجلس الوطني غائب عن التأثير الحقيقي، واللجنة التنفيذية تتحرك ضمن حدود ضيقة، والفصائل التاريخية تحولت إلى كيانات هشة تعيش على الإرث لا على الفعل. أما فتح، التي كانت القوة المحركة لكل ذلك، فقد باتت عاجزة حتى عن تجديد ذاتها من الداخل.

لهذا يبدو المؤتمر الثامن وكأنه انعقاد فوق أرض متصدعة. فالحركة لا تواجه فقط أزمة قيادة أو تنظيم، بل أزمة معنى وشرعية ووظيفة تاريخية. والسؤال الحقيقي لم يعد: من سيفوز بعضوية اللجنة المركزية؟ بل: هل ما تزال هناك فكرة اسمها "فتح" قادرة على إقناع الفلسطينيين بأنها تحمل مشروعا للمستقبل؟

المفارقة المؤلمة أن انعقاد المؤتمر قبل يوم من ذكرى النكبة يمنح المشهد كله طابعا رمزيا ثقيلا. فبعد ثمانية وسبعين عاما على ضياع فلسطين، تبدو الحركة التي قادت الوطنية الفلسطينية الحديثة وكأنها تواجه نكبتها السياسية الخاصة. ليست نكبة الاحتلال هذه المرة، بل نكبة العجز والتكلس وفقدان القدرة على التغيير.

ربما يكون أقسى ما في المشهد أن كثيرين داخل فتح نفسها يدركون هذا التآكل، لكنهم عاجزون عن مواجهته، لأن البنية التي أنتجت الأزمة أصبحت أقوى من أي محاولة للإصلاح. فالحركات الكبيرة لا تسقط فقط بسبب أعدائها، بل أحيانا بسبب تحولها إلى أسيرة لمصالحها الداخلية، وخوف نخبها من أي تغيير حقيقي قد يهدد امتيازاتها.

لهذا، فإن التوقعات من مخرجات المؤتمر تبدو محدودة للغاية، بل إن البعض يرى أن ما سيخرج عنه قد يسرع عملية الانهيار بدلا من وقفها. فحين تعجز مؤسسة سياسية عن قراءة التحولات العميقة من حولها، وتتعامل مع لحظة تاريخية مصيرية بعقلية المحاصصة وإعادة التدوير، فإنها تتحول تدريجيا إلى جزء من الماضي، حتى وإن استمرت شكليا في الحاضر.

وربما هنا تكمن المأساة الكبرى: أن الحركة التي نجحت يوما في إعادة الفلسطيني إلى التاريخ، تبدو اليوم عاجزة عن منع نفسها من السقوط خارجه.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن