في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، داخليًا وخارجيًا، أنهت حركة فتح أعمال مؤتمرها الثامن بعد ثلاثة أيام من الانعقاد المتزامن في أربع ساحات: رام الله وقطاع غزة والقاهرة وبيروت، وسط مشاركة تنظيمية وصفتها الحركة بأنها الأوسع منذ سنوات، إذ بلغت نسبتها 94.64%.
لكن خلف مشهد الانتخابات والأسماء الفائزة، برزت أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة التحولات داخل الحركة، ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وما إذا كان المؤتمر قد شكّل محطة مراجعة حقيقية لمسار فتح، أم اقتصر على إعادة ترتيب موازين القوى داخل البنية التقليدية للحركة.
فبين صعود أسماء ذات رمزية ميدانية وأمنية، وبقاء مراكز النفوذ التاريخية، وخروج شخصيات بارزة، بدا المؤتمر الثامن أقرب إلى محاولة لإعادة إنتاج القيادة الفتحاوية ضمن توازنات محسوبة، أكثر من كونه لحظة تغيير جذري أو مراجعة سياسية شاملة.
وانعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في ظل ظروف غير مسبوقة فلسطينيًا، حيث تتواصل حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وتتصاعد اعتداءات جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين في الضفة الغربية، ويتزايد الحديث عن مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس، إضافة إلى أزمة داخلية ممتدة تعيشها الحركة منذ سنوات على المستويين التنظيمي والسياسي.
ورغم هذا السياق الحافل بالتحديات، رأى مراقبون أن المؤتمر لم يتحول إلى مساحةٍ لنقاشٍ سياسي عميق حول مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، أو مراجعة أداء الحركة خلال العقدين الماضيين، بقدر ما انشغل بإعادة تشكيل القيادة التنظيمية وتوزيع مراكز القوة داخل اللجنة المركزية.
وقال القيادي في حركة فتح عبد الفتاح حمايل إن المؤتمر كان واضح الأهداف قبل انعقاده، وأن الغاية الأساسية منه تمثلت في "تدوير مراكز المسؤولية وتوزيع النفوذ بين القوى المتنافسة"، بعيدًا عن معالجة القضايا الوطنية والتنظيمية الأساسية.
وبيّن حمايل أن المؤتمر لم يناقش آليات التصدي للهجوم الاستيطاني أو مراجعة البرامج السياسية والتنظيمية، مضيفًا أن "الحركة لم يعد منها سوى الاسم"، في إشارة إلى ابتعادها عن مبادئها التاريخية كحركة تحرر وطني.
أما القيادي الفتحاوي أحد غنيم فرأى أن نتائج المؤتمر لم تكن مفاجئة، لأن "المدخلات هي التي تحدد المخرجات"، موضحًا أن اللجنة التحضيرية قامت بـ"هندسة بنية المؤتمر" بصورة رسمت شكل النتائج مسبقًا، وحددت حدود التغيير الممكن داخل الحركة.
وأبرز ما حملته نتائج الانتخابات كان تصدّر الأسير القيادي مروان البرغوثي قائمة الفائزين بعضوية اللجنة المركزية بحصوله على 1877 صوتًا، رغم وجوده في السجون الإسرائيلية منذ عام 2002.
هذا التقدم لم يُقرأ باعتباره مجرد تفوق انتخابي، بل رسالة سياسية وتنظيمية من قواعد الحركة تؤكد استمرار حضور البرغوثي كرمز وطني وشخصية قادرة على الحفاظ على شعبيتها داخل فتح، رغم سنوات الاعتقال الطويلة.
ورأى غنيم أن الإجماع على البرغوثي كان متوقعًا، مشيرًا إلى أن "كل الأطراف كانت معنية بأن يكون متقدمًا" وأن صورته داخل الحركة "لم تهتز رغم كل عمليات التحشيد".
ويرى متابعون أن تصدّر البرغوثي يعكس رغبة قطاع واسع داخل الحركة بإعادة الاعتبار للخطاب الكفاحي والميداني، خصوصًا في ظل التحولات التي شهدتها الساحة الفلسطينية منذ اندلاع الحرب على غزة.
ولم يكن البرغوثي وحده ممثلًا لهذا الاتجاه، إذ شهدت الانتخابات صعود شخصيات ذات رمزية ميدانية مثل زكريا الزبيدي وتيسير البرديني، في مؤشر على محاولة القاعدة التنظيمية استعادة حضور رموز الاشتباك الميداني داخل مركز القرار الفتحاوي.
وعلق غنيم بأن نجاح الزبيدي والبرديني لم يكن مفاجئًا أيضًا، مضيفًا أن كتلة الأسرى المحررين داخل المؤتمر "تمكنت من فرض حضورها رغم كل محاولات التفكيك".
من ناحية أخرى، انتقد القيادي غنيم الشعار الذي عُقد تحت عنوانه المؤتمر الثامن، وهو "الصبر والصمود"، معتبرًا أن هذا الشعار يعكس عمق الأزمة التي تعيشها الحركة، أكثر مما يعبر عن رؤية نضالية قادرة على مواجهة التحديات الراهنة.
وقال غنيم إن حركات التحرر الوطني لا تكتفي برفع شعارات تتعلق بالصبر والصمود، بل تُنتج أدوات وآليات فعلية لمواجهة الاحتلال وإنجاز مشروع الاستقلال، مضيفًا أن الاكتفاء بهذا الخطاب "يكرّس حالة من الركون والسكون".
ورأى أن اختيار هذا الشعار في ظل استمرار الحرب على غزة وتصاعد الأحداث في الضفة الغربية، يعكس أزمة عميقة في قدرة الحركة على تقديم رؤية عملية للتعامل مع المرحلة الحالية.
صعود أمني واضح
وحملت النتائج حضورًا قويًا للشخصيات ذات الخلفية الأمنية، وعلى رأسها ماجد فرج الذي حل ثانيًا بـ1861 صوتًا، يليه جبريل الرجوب ثم حسين الشيخ.
هذا التقدم عكس استمرار نفوذ المؤسسة الأمنية داخل بنية الحركة والسلطة الفلسطينية، خصوصًا في ظل الحديث المتزايد عن ترتيبات المرحلة المقبلة ومستقبل القيادة الفلسطينية.
ويرى مراقبون أن اقتراب عدد أصوات ماجد فرج من أصوات البرغوثي يحمل دلالة سياسية مهمة، إذ يعكس محاولة لإنتاج توازن داخل الحركة بين "الشرعية النضالية" التي يمثلها البرغوثي، و"مركز النفوذ الأمني والإداري" الذي يمثله فرج.
ورأى الصحفي والكاتب السياسي نبهان خريشة أن المؤتمر لم يقدم برنامجًا سياسيًا جديدًا، وأن خطاب الرئيس محمود عباس في الافتتاح كان المؤشر الوحيد على التوجه السياسي للحركة.
وقال خريشة إن خطاب عباس بدا "منفصلًا عن المتغيرات الكبرى" التي شهدتها فلسطين والمنطقة والمجتمع الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة، "ويشير إلى أن فتح ما زالت تعيش في الماضي ولا تقرأ التحولات الجديدة".
انتخابات مُدارة أم تنافس طبيعي؟
وفي مقاله التحليلي حول نتائج انتخابات اللجنة المركزية، قدم خريشة قراءة تستند إلى التحليل الإحصائي المقارن لأنماط التصويت داخل الحركات السياسية، مؤكدًا أن النتائج تحمل سمات "الانتخابات المُدارة" أكثر من كونها تعبيرًا عن منافسة تنظيمية مفتوحة بالكامل.
وأشار إلى وجود كتلتين واضحتين في النتائج، الأولى تضم الأسماء التي حصلت على أرقام مرتفعة ومتقاربة جدًا، مثل مروان البرغوثي وماجد فرج وحسين الشيخ وجبريل الرجوب، ثم تراجع تدريجي في بقية الأسماء.
ويرى أن هذا النمط يعكس وجود "تحالفات تصويتية مغلقة" أو قوائم شبه جاهزة داخل المؤتمر، أكثر مما يعكس تصويتًا فرديًا حرًا بالكامل.
كما لفت إلى ما وصفه بـ"التقارب الاصطناعي" بين بعض النتائج، مثل الفارق الضئيل جدًا بين ليلى غنام ومحمود العالول، أو بين محمد المدني وإياد صافي، مبينًا أن تكرار هذه الفوارق الدقيقة قد يشير إلى "ضبط سياسي للنتائج" وليس بالضرورة تزويرًا مباشرًا.
وبحسب التحليل، فإن حصول عدد كبير من المرشحين الأساسيين على نسب مرتفعة جدًا من الأصوات، في حركة تعاني من انقسامات داخلية، يعزز فرضية وجود توافقات مسبقة وتوجيه تنظيمي داخل المؤتمر.
حصول عدد كبير من المرشحين الأساسيين على نسب مرتفعة جدًا من الأصوات، في حركة تعاني من انقسامات داخلية، يعزز فرضية وجود توافقات مسبقة وتوجيه تنظيمي داخل المؤتمر
مع ذلك، شدد خريشة على أن هذه المؤشرات لا ترقى وحدها إلى دليل قاطع على التزوير، وإنما تعكس ما سماه "التحكم ببنية العملية الانتخابية" عبر عضوية المؤتمر وهندسة التحالفات وضبط حدود الصعود والهبوط.
ياسر عباس.. بداية معركة الوراثة؟
واحدة من أكثر النتائج إثارة للجدل كانت فوز ياسر عباس، نجل الرئيس محمود عباس، بعضوية اللجنة المركزية بحصوله على 1290 صوتًا.
ورغم أن ترتيبه جاء في منتصف القائمة تقريبًا، إلا أن دخوله اللجنة المركزية أعاد إلى الواجهة الحديث عن ملف "التوريث السياسي" داخل الحركة والنظام السياسي الفلسطيني.
ورأى نبهان خريشة أن دخول ياسر عباس يمثل "المتغير الأبرز" في نتائج المؤتمر، مشيرًا إلى أن قطاعات واسعة من المحللين تنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها جزءًا من ترتيبات مرحلة ما بعد الرئيس عباس.
وبيّن خريشة أن المرحلة المقبلة قد تشهد "حرب وراثة" داخل فتح، خصوصًا مع وجود شخصيات مثل حسين الشيخ، الذي عمل خلال السنوات الماضية على تعزيز موقعه السياسي والتنظيمي باعتباره أحد أبرز المرشحين لخلافة عباس.
أما القيادي أحمد غنيم فقلل من دلالات فوز ياسر عباس، ورأى أن وجوده في منتصف القائمة ينفي فرضية التوريث، وأن "ثقافة التوريث بعيدة عن الشعب الفلسطيني".
لكن مراقبين يرون أن مجرد دخول ياسر عباس إلى اللجنة المركزية يشكل تحولًا مهمًا، نظرًا لارتباط اسمه سابقًا بعالم الأعمال والاستثمارات أكثر من العمل التنظيمي المباشر.
تجديد محدود داخل البنية التقليدية
وأظهرت النتائج دخول تسعة أعضاء جدد مقابل احتفاظ تسعة آخرين بمقاعدهم، ما يعني أن نسبة التجديد بلغت 50%.
ورغم أن هذه النسبة بدت مرتفعة نسبيًا، إلا أن غالبية التحليلات اعتبرت أن التجديد جرى ضمن حدود البنية التقليدية للحركة، دون إحداث تحول جوهري في طبيعة القيادة أو البرنامج السياسي.
فقد حافظت شخصيات نافذة مثل حسين الشيخ ومحمود العالول وتوفيق الطيراوي وجبريل الرجوب على حضورها، فيما خرجت أسماء تُوصف بأنها من "الحرس القديم" مثل عباس زكي وصبري صيدم وروحي فتوح وعزام الأحمد من اللجنة.
ويرى مراقبون أن ما جرى أقرب إلى "إعادة توزيع للأدوار" داخل النخبة الفتحاوية، أكثر من كونه انتقالًا إلى جيل سياسي جديد أو تغييرًا حقيقيًا في بنية الحركة.
غياب المراجعة السياسية والتنظيمية
واحد من أبرز الانتقادات التي وُجهت للمؤتمر هو غياب النقاش السياسي العميق حول مستقبل الحركة والمشروع الوطني الفلسطيني.
وأكد أحمد غنيم أن المؤتمر تجاهل "الأسئلة الأساسية"، سواء المتعلقة بالأزمة البنيوية داخل فتح أو بطبيعة العلاقة مع إسرائيل بعد حرب الإبادة على غزة وتصاعد الاستيطان في الضفة الغربية.
وأشار إلى أن حركة فتح ما زالت تتعامل مع إسرائيل باعتبارها "شريكًا"، رغم التحولات التي شهدها الواقع الفلسطيني والإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة.
كما انتقد غنيم استمرار العمل بالنظام الداخلي القديم لحركة فتح دون تعديلات جوهرية منذ نحو عشرين عامًا، مؤكدًا أن ذلك يعكس عمق الأزمة التنظيمية داخل فتح.
وأضاف أن المؤتمر لم يناقش قضايا الوحدة الوطنية أو التهميش والإقصاء داخل الحركة، بل جاء "للإجابة عن أسئلة محددة تتعلق بإنتاج قيادة تذهب نحو برنامج تحت مفهوم الإصلاح"، على حد تعبيره.
غزة والمرأة.. تمثيل أقل من المتوقع
ورغم دخول عدد من القيادات الغزّية إلى اللجنة المركزية، إلا أن أصواتًا فتحاوية ترى أن تمثيل قطاع غزة بقي أقل من حجمه السياسي والتنظيمي، خصوصًا في ظل الحرب المستمرة على القطاع.
كما واجهت النتائج انتقادات بسبب محدودية تمثيل النساء، إذ لم تفز سوى ليلى غنام ودلال سلامة، ما أعاد النقاش حول حضور المرأة داخل المؤسسات القيادية للحركة.
