23.34°القدس
23.1°رام الله
22.19°الخليل
24.85°غزة
23.34° القدس
رام الله23.1°
الخليل22.19°
غزة24.85°
الثلاثاء 19 مايو 2026
3.9جنيه إسترليني
4.1دينار أردني
0.05جنيه مصري
3.38يورو
2.9دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.9
دينار أردني4.1
جنيه مصري0.05
يورو3.38
دولار أمريكي2.9

كيف أعادت الحرب تشكيل العلاقات العائلية في غزة؟

GettyImages-2224402996.jpg
GettyImages-2224402996.jpg

في الليل، لا ينام الجميع دفعة واحدة. لا يوجد هدوء حقيقي، ولا مساحة كافية، ولا ليلة تمرّ دون أن يوقظ طفلٌ الجميع، أو تتحرك امرأة بين الأغطية الضيقة، أو يخرج رجل بصمت محاولًا ألّا يزعج أحدًا.

هذا هو الليل داخل بيت عبد الله مهنا في دير البلح، الذي تحوّل خلال أشهر الحرب من منزل لأسرة صغيرة إلى مساحة يتقاسمها أكثر من خمسين شخصًا من أبناء العمومة. في تسعين مترًا مربعًا، يتشاركون الطعام والماء والنوم، وحتى القدرة على الاحتمال.

الثقل الأكبر داخل البيوت المكتظة كان يقع على النساء، اللواتي وجدن أنفسهن مسؤولات عن إدارة حياة عشرات الأشخاص داخل مساحات ضيقة ومتهالكة.

يقول مهنا، في لقاء مع "الترا فلسطين": "تقاسمنا كل شيء؛ الطعام، الفرش، الأغطية، حتى أواني المطبخ. قسمنا البيت: الطابق الأرضي للنساء والأطفال، والطابق الأول للرجال. لكن لا أحد كان مرتاحًا، لا أنا ولا أولادي ولا زوجاتهم".

ليست حالة مهنا استثناءً؛ ففي قطاع يعيش فيه أكثر من 2.3 مليون فلسطيني، دفعت الحرب نحو 1.9 مليون شخص إلى النزوح مرة واحدة على الأقل، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا". 

كما كشفت تقديرات أممية وصور برنامج UNOSAT عن تضرر أو تدمير غالبية الوحدات السكنية في القطاع بدرجات متفاوتة. ومع امتلاء مراكز الإيواء والخيام، تحولت آلاف البيوت إلى ملاجئ عائلية مكتظة، تتشارك فيها عائلات عديدة ما تبقى من مساحة وطعام وخصوصية. لكن هذا الاكتظاظ لم يكن مجرد أزمة سكن، بل تحوّل إلى اختبار يومي للعلاقات الإنسانية، وللصبر، وللقدرة على التعايش داخل حياة لم يعد أحد يعرفها.

البيت الذي لم يعد يشبه أصحابه

داخل البيوت المكتظة، تغيّرت تفاصيل الحياة اليومية بالكامل. أصبح الذهاب إلى الحمام أزمة، وتحول النوم إلى عملية تنظيم معقدة، والطعام إلى حساب يومي حساس، فيما تلاشت المساحات الشخصية تدريجيًا.

يقول مهنا إن أكثر ما أثقل عليه لم يكن العبء المادي، بل شعوره بأنه فقد منزله نفسيًا: "لفترات طويلة كنت أشعر أنني غريب في بيتي. أحيانًا كنت أبيت في عملي بالمجال الصحي هربًا من البيت".

ابنته المتزوجة لم تستطع زيارته طوال تلك الفترة، إذ لم يجد لها مكانًا يستقبلها فيه. وحتى إجراء مكالمة عائلية عادية لم يعد ممكنًا، كما يقول الرجل الذي وجد نفسه عاجزًا عن إيجاد زاوية هادئة داخل بيته الخاص. ويضيف: "لم يكن لدي أطفال صغار، لكن صراخ ومشاكل أطفال أبناء العمومة يوميًا كانت تهزّ البيت".

وفي إحدى المرات، وتحت ضغط الخلافات اليومية والصراخ المستمر، شعر مهنا بأنه على وشك طرد الجميع من المنزل، قبل أن يتراجع وهو يتذكر أنهم، مثله، لا يملكون مكانًا آخر يذهبون إليه.

تجربة علي عابد لا تختلف كثيرًا. فمنذ الأسابيع الأولى للحرب، استقبل شقيقة زوجته وعائلتها داخل منزله المؤلف من ثلاث غرف في دير البلح. ويقول لـ"الترالسطين": "الواحد بالبداية يفرح باللَّمّة، لكن بعدين يصير يحسب للأكل وللمي ألف حساب. الشغلة مش بس أكل وشرب، هذا بيت مفتوح وله متطلباته".

كانت التوترات تنفجر بسبب أبسط التفاصيل: "كانت تصير مشاكل على المي، على الأكل، على الحمام، على الجلي، وعلى الطحين".

أبناؤه الذين هم في سن الزواج فقدوا أي مساحة خاصة. لم يعد النوم ثابتًا؛ بعض أفراد العائلة كانوا ينتظرون حتى ينام الآخرون ليفترشوا أماكنهم داخل الصالة الضيقة. حتى أبناء عابد طلبوا منه أن يفرض إيجارًا على زوج خالتهم، لكنه رفض. يقول عابد: "مش صح آخذ أجار من عديلي وهو خاسر ولاده وبيته... لكن بالنهاية خصوصيتنا راحت".

وحين حاول عابد إيجاد حل، وغطّى الطابق غير المكتمل بالنايلون لتنفصل العائلة الثانية في الأعلى، لم يُحسن الآخرون تلقّي الفكرة. "هم تعاملوا مع الموضوع على إنه طرد، مش محاولة نكسب كلنا شوية حرية"، يقول عابد. ويضيف بمرارة أن الأمر انتهى بقطيعة بين الأختين، ولم تعد العلاقة كما كانت.

عبء النساء في البيوت المزدحمة

لكن الثقل الأكبر داخل البيوت المكتظة كان يقع على النساء، اللواتي وجدن أنفسهن مسؤولات عن إدارة حياة عشرات الأشخاص داخل مساحات ضيقة ومتهالكة.

تسنيم النجار، التي استقبلت في بيت زوجها ثلاثة من أشقائه مع زوجاتهم وأطفالهم، تصف يومها بالقول: "من الصبح لآخر الليل وإحنا بين طبخ وغسيل وتنظيف وترتيب فرش. كنا نطبخ لكميات كبيرة جدًا، وكل يوم في مشكلة جديدة؛ مرة على الغاز، ومرة على الدور، ومرة على الأطفال".

ومع وجود رجال من عائلات متعددة داخل المنزل، اختفت حتى أبسط المساحات النسائية. "حتى خلع الحجاب داخل البيت ما عاد سهل". كانت النساء ينتظرن أوقاتًا محددة ليتحركن بحرية أو يجلسن وحدهن لبعض الوقت. وتضيف تسنيم: "أصعب شيء إنه ما عاد في مساحة الواحد يهدأ فيها أو يبكي فيها لحاله".

حين تُخرّب الحرب علاقات الأقارب

أحمد الناقة، النازح من رفح إلى النصيرات بعد اجتياح المدينة، عاش مع عائلتين من أبناء عمومته داخل منزل واحد. حاول الجميع تنظيم الأمور منذ البداية. "اتفقنا إن الرجال يظلوا أغلب الوقت برة، والنسوان يدبروا شؤون البيت، يقول الناقة لـ"الترا فلسطين".

لكن محاولة تجنب الاحتكاك لم تنجح طويلًا: "الضيقة والحرب والقلة بتخلي الكل يتفشّش بالكل". في أوقات المجاعة ونقص الغذاء، ازداد الوضع سوءًا.  يقول الناقة: "كل حفنة طحين كانت محسوبة".

تعهّد الناقة بتوفير طعام التكية مقابل أن يتكفل صاحب المنزل بالمياه، لكن حتى هذه التسويات لم تمنع الانهيار التدريجي للعلاقة. ويقول: "الحرب خربت علاقات القرايب. يخلف عليه اللي استقبلنا تسع شهور ببيته، لكن ما في بعد حياة الواحد يكون لوحده". في النهاية، خرج أحمد الناقة من البيت إلى خيمة، بحثًا عن مساحة تخص عائلته وحدها.

أما إسلام جمال، التي عادت مع شقيقتها إلى منزل والدهما المتضرر في خان يونس، فكانت تظن أن غياب الرجال بعد استشهادهم سيجعل التعايش أسهل، لكن الواقع جاء مختلفًا. "نسيت بالنهاية إنه كل وحدة إلها خصوصيتها وطريقتها في تدبير حياتها".

اختلاف الوضع المادي بين الأختين أوجد حساسيات انعكست حتى على الأطفال. وتقول: "أنا عندي مصدر دخل جيد وهي لا، وهذا عمل مشاكل وحساسية بين ولادنا". وتضيف: "كل حد كان معتبر حاله هو الصح، وحكيه لازم يمشي". بعد عام كامل، قررت إسلام مغادرة المنزل واستئجار بيت مستقل رغم الظروف الصعبة.

المصدر: فلسطين الآن