17.23°القدس
16.99°رام الله
16.08°الخليل
20.66°غزة
17.23° القدس
رام الله16.99°
الخليل16.08°
غزة20.66°
الأربعاء 20 مايو 2026
3.92جنيه إسترليني
4.13دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.4يورو
2.93دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.92
دينار أردني4.13
جنيه مصري0.06
يورو3.4
دولار أمريكي2.93

تقارير "فلسطين الآن"..

بعد فشل لقاءات القاهرة.. جمود التفاوض ينقل فتيل الأزمة إلى جحيم الميدان بغزة

خاص-فلسطين الآن

يشهد قطاع غزة تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً هو الأعنف والأكثر خطورة منذ التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار الشامل في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وارتفعت وتيرة الغارات الجوية العنيفة وعمليات الاغتيال الممنهجة التي نفذتها طائرات الاحتلال خلال الأسبوع الأخير، لتضع الاتفاق الهش على حافة الانهيار الكامل، وسط مؤشرات ميدانية توحي برغبة حكومة الاحتلال الفاشية في فرض وقائع دموية جديدة تفكك بها التزامات التهدئة وتحاصر الحاضنة الشعبية للمقاومة.

ويتزامن هذا التدهور الميداني المتسارع مع انسداد كامل في الأفق السياسي، إثر فشل سلسلة الاجتماعات المكثفة التي احتضنتها العاصمة المصرية القاهرة خلال الشهر الماضي، والتي جمعت قيادة حركة حماس والفصائل الفلسطينية بالمبعوث السامي وممثل "مجلس السلام الدولي" نيكولاي ميلادينوف.

ولم تفضِ هذه اللقاءات الماراثونية إلى أي نتائج ملموسة بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق السلام، بل تحولت أروقة التفاوض إلى ساحة ضغط ومقايضة دولية فجة تهدف إلى انتزاع مكتسبات عسكرية عجز الاحتلال عن تحقيقها في الميدان.

وتتمسك حركة حماس وبقية الفصائل الفلسطينية بموقف وطني موحد وصارم، يرفض الخوض في أي تفاصيل أو قضايا استراتيجية كبرى قبل التزام الاحتلال الإسرائيلي الكامل وغير المشروط بتنفيذ كافة بنود المرحلة الأولى.

وتطالب المقاومة بفتح المعابر بشكل كامل، ورفع الحصار، وتسهيل دخول المساعدات الإغاثية والطبية وإعادة الإعمار، إلى جانب وقف الخروقات العسكرية اليومية؛ معتبرة أن محاولة القفز عن هذه المستحقات الإنسانية والوطنية تمثل التفافاً مكشوفاً على جوهر الاتفاق.

في المقابل، يبدي كيان الاحتلال تعنتاً مطلقاً برفضه فتح المعابر أو الالتزام بموجبات المرحلة الأولى، مدعوماً بـ"ورقة ملادينوف" المقترحة، حيث يشترط البدء الفوري بنزع سلاح حماس والفصائل وتفكيك ترساناتها العسكرية وشبكات أنفاقها كبوابة إلزامية لأي حديث عن التهدئة أو إعادة الإعمار. هذا الاشتراط الصهيوني، الذي تعتبره المقاومة إملاءات ومقايضة بائسة لقوت المواطنين واحتياجاتهم الإنسانية، فجّر صاعق التفاوض ونقل فتيل الأزمة مجدداً إلى جحيم الميدان.

الهروب من التزامات التهدئة..

ويرى المختص في الشأن الصهيوني، عماد أبو عواد، أن حكومة الاحتلال تجد نفسها في مأزق حقيقي عقب توقيع اتفاق 10 أكتوبر 2025؛ إذ إن الالتزام بفتح المعابر وإنهاء الحصار يعري سرديتها الأمنية أمام مجتمعها الداخلي. لذا، تعمد المؤسسة العسكرية الصهيونية إلى تكثيف الغارات والاغتيالات بهدف جر القطاع لمواجهة واسعة تفجر الاتفاق كلياً، وتتحلل عبرها من الضغوط الممارسة عليها لتنفيذ المرحلة الأولى.

ويوضح أبو عواد في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن طرح شرط "نزع السلاح" في هذا التوقيت بالذات، واعتماده ركيزة أولى في "ورقة ميلادينوف"، هو تكتيك إسرائيلي خبيث لوضع شروط تعجيزية تدرك تل أبيب سلفاً أن المقاومة لن تقبل بها مطلقاً، مبيناً أن الكيان يسعى من خلال هذا التعنت إلى تحميل الجانب الفلسطيني مسؤولية فشل جهود الوسطاء، مبرراً أمام حلفائه الغربيين استمرار العمليات العسكرية وفرض الحصار الخانق.

وتشير القراءة المتعمقة لداخل الكيان إلى أن رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، يربط مستقبله السياسي ببقاء حالة التوتر والاضطراب قائمة؛ حيث يخشى أن تؤدي أي تهدئة مستدامة ومستقرة إلى فتح ملفات الإخفاق العسكري والأمني وملاحقته قضائياً. لذلك، يمثل هذا التصعيد اللامتناهي أداة حاسمة لإشغال الرأي العام الصهيوني وتصدير الأزمات البنيوية العميقة التي يعيشها مجتمع الاحتلال نحو غزة.

ويختم المختص في الشأن الإسرائيلي حديثه بالإشارة إلى أن القصف الجوي المكثف يندرج ضمن استراتيجية الكيان التقليدية لـ "كي الوعي الفلسطيني"، ومحاولة دفع الحاضنة الشعبية للامتعاض من المقاومة عبر ربط الإعمار والملف الإنساني بتسليم السلاح. غير أن هذا المخطط يصطدم دوماً بوعي الشارع الغزي الذي يدرك أن سلاح مقاومتة هو الدرع الوحيد الحامي لوجوده أمام الفاشية الصهيونية المتصاعدة.

انحياز دولي يفخخ الاتفاق..

ويؤكد المحلل السياسي، ثابت العمور، أن اللقاءات التي شهدتها القاهرة مع المبعوث الدولي نيكولاي ملادينوف كشفت عن تساوق خطير وصريح للمنظومة الدولية مع الرؤية والاشتراطات الإسرائيلية. وبدلاً من أن يمارس "مجلس السلام" دوراً نزيهاً لإلزام الاحتلال ببنود اتفاق أكتوبر، تحول إلى منصة لفرض الإملاءات والمقايضة الإنسانية الفجة، وهو ما تسبب في تفخيخ المسار الدبلوماسي ووصوله إلى هذا الانسداد الخطير.

ويشدد العمور في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن موقف حماس والفصائل في القاهرة كان مبدئياً واستراتيجياً؛ فالقبول بمناقشة ملف السلاح أو تفكيك بنية المقاومة العسكرية هو بمثابة انتحار سياسي ووطني. مبيناً أن المقاومة تنطلق من قاعدة صلبة مفادها أن السلاح ليس موضعاً للمقايضة أو النقاش، وأنه أداة مشروعة لردع العدوان، وأن الاستجابة لموجبات غزة الإنسانية هي حق مكتسب لشعبنا وليس منة من الاحتلال أو رهن شروط دولية.

وينوه المحلل إلى أن هذا الجمود السياسي والتعنت الصهيوني المدعوم أمريكياً ودولياً سينعكس سلباً على استقرار المنطقة بأسرها؛ إذ إن استمرار قصف غزة والاغتيالات يبعث برسائل واضحة بأن الكيان لا يؤمن بالحلول الدبلوماسية. هذا الأمر يدفع المنطقة نحو حافة انفجار إقليمي شامل، حيث لن تقف قوى المقاومة في فلسطين والمنطقة مكتوفة الأيدي أمام استفراد الاحتلال بقطاع غزة ومحاولة خنق أهله إنسانياً وعسكرياً.

وفي ختام تحليله، يرى أن غزة تقف اليوم أمام سيناريوهين: إما رضوخ الوسطاء للمنطق الفلسطيني الرافض للابتزاز والضغط على الاحتلال لتنفيذ المرحلة الأولى فوراً، أو التدحرج السريع نحو جولة مواجهة عسكرية واسعة تطيح بكل التفاهمات السابقة وتدشن مرحلة ميدانية جديدة. ويظل الرهان الحقيقي معقوداً على قدرة المقاومة في الميدان على فرض معادلات ردع تجبر الاحتلال على الانصياع للحقوق الفلسطينية المشروعة.

المصدر: فلسطين الآن