18.34°القدس
18.1°رام الله
17.19°الخليل
22.2°غزة
18.34° القدس
رام الله18.1°
الخليل17.19°
غزة22.2°
الإثنين 15 يونيو 2026
3.92جنيه إسترليني
4.12دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.38يورو
2.92دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.92
دينار أردني4.12
جنيه مصري0.06
يورو3.38
دولار أمريكي2.92

تقارير "فلسطين الآن"..

"معجزة المشاهدة فوق الركام وبين الخيام".. كيف يلاحق أبناء غزة شغف المونديال وسط ظلمة الحرب؟

خاص-فلسطين الآن

تتجه أنظار العالم اليوم نحو الملاعب الحديثة لمتابعة انطلاق منافسات كأس العالم 2026 وسط أجواء مليئة بالفرح والبهجة الرياضية. وفي المقابل، يعيش سكان قطاع غزة تفاصيل مغايرة تماماً تهيمن عليها تداعيات الحرب المستمرة وقسوة النزوح والدمار اليومي. لقد تحولت البطولة العالمية من مناسبة للمتعة إلى تحدٍ معقد يعكس حجم المعاناة والحرمان التي يمر بها آلاف الشبان والعائلات في القطاع.

ورغم هذه الظروف القاسية، تمثل كرة القدم متنفساً حيوياً وعشقاً قديماً يسري في عروق أبناء غزة الذين يبحثون عن بارقة أمل وسط الركام. إلا أن الواقع الحالي فرض قيوداً خانقة جعلت من مجرد مشاهدة مباراة واحدة أمراً أشبه بالمعجزة. ويأتي هذا الصعوبة في ظل أزمات متراكمة تشمل الارتفاع الجنوني في تكاليف المعيشة والفقر الشديد الذي يعصف بشتى أشكال الحياة اليومية.

وتبرز أزمة الانقطاع المتواصل لتيار الكهرباء وشبكات الاتصالات كعائق أساسي يحرم المواطنين من مواكبة هذا الحدث الكروي الأبرز عالمياً. ويزيد الأمر تعقيداً الارتفاع الكبير في أسعار تكاليف تشغيل المولدات الكهربائية وشراء بطاقات البث الرياضي الرقمي. هذه التكلفة الباهظة تفوق بشكل كامل القدرة المالية للعائلات التي تكافح لتأمين قوت يومها واحتياجاتها الأساسية للبقاء على قيد الحياة.

وتتجلى في غزة صورة فريدة من الصمود الإنساني حيث يحاول المشجعون التغلب على الحصار الرياضي بشتى الطرق المتاحة والمبتكرة. ويجتمع الشبان حول شاشات صغيرة تعمل على بطاريات متهالكة أو يبحثون عن إشارات بث ضعيفة فوق تلال الركام والخيام. إنها حكاية شغف فلسطيني لا ينكسر، يبحث عن مساحة صغيرة للفرح وسط ركام الحرب وتفاصيل النزوح القاسية.

غصة في قلوب الرياضيين..

ويعبر الكابتن محمود سلمي، لاعب نادي بيت حانون الأهلي ولاعب النادي الأهلي المصري سابقاً، عن حزنه العميق لما آلت إليه الأوضاع الرياضية في قطاع غزة جراء الحرب المستمرة. ويوضح سلمي أن البنية التحتية الرياضية دُمرت بالكامل، حيث تحولت الملاعب الخضراء التي احتضنت أحلام اللاعبين إلى ركام أو مراكز إيواء للنازحين. هذا الدمار لم يسلب اللاعبين أماكن تدريبهم فحسب، بل أوقف عجلة النشاط الرياضي وشل الحركة الكروية بشكل تام.

ويرى النجم السابق للأهلي المصري في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن غياب غزة عن التفاعل الطبيعي مع كأس العالم 2026 يمثل غصة في قلوب الرياضيين بصفة خاصة. فاللاعبون في غزة كانوا يترقبون هذه البطولة لتعلم المهارات ومتابعة النجوم، لكنهم اليوم يبحثون عن الأمان وعن لقمة العيش لعائلاتهم. ويشير إلى أن طموحات الشبان الرياضيين تلاشت وسط ركام المنازل المدمرة والنزوح المتكرر من منطقة إلى أخرى.

ويؤكد سلمي أن اللاعب الفلسطيني يمتلك عزيمة صلبة رغم قسوة الظروف الحالية وضياع المواسم الرياضية المتتالية. ورغم عدم وجود ملاعب أو تدريبات، يحاول الرياضيون الحفاظ على لياقتهم بالحد الأدنى وبوسائل بدائية جداً داخل مخيمات اللجوء. ويشدد على أن الأمل ما زال حياً في نفوسهم للعودة مجدداً إلى المستطيل الأخضر وتمثيل فلسطين في المحافل الدولية.

ويختتم سلمي حديثه بالإشارة إلى أن كرة القدم في غزة ليست مجرد لعبة بل هي رسالة حياة وصمود للعالم أجمع. ويوجه نداءً إلى المؤسسات الرياضية الدولية لالتفات إلى معاناة الرياضي الفلسطيني الذي حُرم من أبسط حقوقه في اللعب والمشاهدة. ويرى أن التفاف الجماهير حول شاشات التلفاز الصغيرة في المخيمات يؤكد أن الشغف باللعبة لن يموت مهما بلغت التضحيات.

عزلة قسرية غير مسبوقة..

بدوره أكد الإعلامي مصطفى صيام، الأمين العام للاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي، أن المونديال الحالي يأتي في وقت يعيش فيه الإعلاميون والجمهور الرياضي في غزة عزلة قسرية غير مسبوقة. ويوضح صيام أن التدمير الممنهج لشبكات الاتصالات والإنترنت يعيق بشكل كبير نقل الصورة الحقيقية لشغف الشارع الغزي بالرياضة. كما أن هذا الانقطاع يحرم الصحفيين من القيام بواجبهم المهني في التغطية ومواكبة الأحداث الرياضية العالمية.

ويشير الأمين العام في حديثه لـ"فلسطين الآن"، إلى الصعوبات الباهظة التي تواجه المؤسسات الإعلامية والساحات العامة في توفير وسائل عرض مباريات كأس العالم للمواطنين. فالارتفاع الكبير في أسعار حقوق البث، إلى جانب عدم توفر الوقود لتشغيل المولدات، جعل من الصعب إقامة تجمعات عرض مجانية كما كان يحدث في البطولات السابقة. هذا الوضع حرم آلاف العائلات النازحة من فرصة بسيطة للترويح عن أنفسهم ومتابعة شغفهم الكروي.

ويرى صيام أن الرسالة التي يبرزها الإعلام الرياضي الفلسطيني اليوم هي إظهار حجم التحدي والصمود الذي يسطره المواطن في غزة. فرغم القصف والدمار، يخترق المشجعون كل الحواجز للحصول على معلومة أو نتيجة مباراة عبر الراديو أو وسائل بدائية. ويعتبر هذا السلوك دليلاً قاطعاً على أن الشعب الفلسطيني متمسك بالحياة وبكل تفاصيلها الجميلة والرياضية رغم محاولات الإبادة والدمار.

وينوه صيام إلى دور الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي في محاولة تسليط الضوء على الشهداء من الرياضيين والإعلاميين الذين ارتقوا خلال الحرب. ويعتبر أن توثيق هذه الجرائم يتزامن مع انطلاق المونديال ليرى العالم الفارق بين ملاعب تحتفل بالمليارات وملاعب فلسطينية تنزف دماً. ويأمل أن تساهم هذه الجهود في الضغط على المنظومة الرياضية الدولية لإنصاف الرياضة الفلسطينية وحمايتها.

ذكريات سابقة..

بدوره وصف أحد المشجعين الرياضيين من داخل خيام النزوح في قطاع غزة معاناته اليومية لمتابعة مباريات كأس العالم الحالية. ويقول المشجع إن يومه ينقضي في البحث عن الماء وحطب التدفئة، مما يجعل التفكير في مشاهدة مباراة كرة قدم ترفاً يصعب الوصول إليه. ورغم ذلك، يبقى الشوق لمعرفة نتائج المنتخبات العربية والعالمية حاضراً في قلوب الشبان الذين يجمعون الأخبار من أفواه بعضهم البعض.

ويتحدث المشجع بحسرة لمراسل "فلسطين الآن"، عن ذكريات المونديال السابق وكيف كانت المقاهي والشوارع في غزة تضج بالحياة والهتافات للمنتخبات المفضلة. أما اليوم، فقد تحولت تلك الأماكن إلى تلال من الركام والرماد، واستبدلت الشاشات الكبيرة بشاشات هواتف صغيرة تفرغ بطارياتها سريعاً دون وجود مصدر للشحن. ويضيف أن تكلفة شراء بطاقة بث أو تذكرة لدخول مكان يعرض المباريات تعادل مصروف عائلته لعدة أيام.

ويشير إلى الاعتماد الكبير على الراديو الصغير العامل بالبطاريات كمتنفس وحيد لمعرفة ما يدور في ملاعب كأس العالم 2026. ويجتمع عشرات الشبان حول جهاز واحد يستمعون بإنصات شديد لصوت المعلق، ويتخيلون الهجمات والأهداف في عقولهم لعدم قدرتهم على رؤيتها. هذه الحالة تعكس عمق التمسك بهوايتهم المفضلة كوسيلة للهروب المؤقت من واقع الخوف وأصوات الانفجارات.

ويؤكد المشجع في ختام حديثه أن أمنيتهم الأساسية اليوم هي توقف الحرب وعودتهم إلى بيوتهم بأمان وسلام. ويرى أن متابعة كأس العالم من فوق الركام هي رسالة واضحة للعالم بأن أهل غزة يحبون الحياة ويسعون للفرح كباقي شعوب الأرض. ويحلم بأن يأتي المونديال القادم وقد أعيد بناء غزة وعادت ملاعبها وشوارعها تنبض بالحياة وتشجع بحرية دون خوف.

المصدر: فلسطين الآن