نشرت مجلة "ذي أتلانتك" حوارًا ناقش فيه الصحفي تشارلي وورزل الناشط التكنولوجي كوري دكتورو رؤيته النقدية حول الذكاء الاصطناعي، محذرًا من الانجراف وراء الضجيج المحيط به، متناولًا العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة، وكيف يمكن أن تتحول أدوات الذكاء الاصطناعي من وسائل مساعدة إلى أدوات استغلال.
وقالت المجلة، إن كوري دكتورو يكرر دائمًا عبارة: "أهم ما في الأداة ليس ما تفعله، بل لمن تفعله وما الذي تفعله بهم". وقد ناقش كوري طفرة الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الوعود والأحلام بالنمو اللامحدود غير قابلة للاستمرار، كما استفاض في أطروحته الشهيرة حول "التدهور الممنهج" (Enshittification): وهي نقد للذكاء الاصطناعي يرتكز على مسألة السلطة، وما إذا كنا نستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي أم أنها تستخدمنا.
وأكدت المجلة أن الحوار ليس ضد التكنولوجيا بحد ذاتها، مثل التعلم الآلي أو الذكاء الاصطناعي التوليدي، بل ضد الأيديولوجيا الكامنة وراءها: كيف تُبنى وتُطبق. ويمتلك دكتورو، بصفته كاتبًا وروائيًا وصحفيًا وناشطًا، رؤية نقدية فريدة تمكّنه من إدراك كيف تُستخدم هذه التقنيات بطرق تضر بالإنسان، وفي الوقت نفسه تخيّل مستقبل مختلف.
وأفادت المجلة أن مصطلح "التدهور الممنهج" الذي صاغه دكتورو أصبح تعبيرًا شائعًا لوصف كيف تبدأ الشركات والمنصات بوعود التمكين، ثم ما تلبث أن تضعف خدماتها وتستنزف مستخدميها بعد السيطرة على السوق. وأشارت إلى أن هذه الديناميكيات تنطبق أيضًا على طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية، التي يقودها نفس الفاعلين الذين هيمنوا على عصر المنصات.
وقالت المجلة إن دكتورو أصدر كتابًا جديدًا بعنوان "دليل القنطور العكسي للحياة بعد الذكاء الاصطناعي"، والذي يحمل عنوانًا فرعيًا لافتًا: "كيف نفكر في الذكاء الاصطناعي قبل فوات الأوان". ويركز فيه على أسئلة جوهرية: لماذا يبدو أن الكثير من الأمور تزداد سوءًا وتصبح أكثر إرهاقًا في عصر التقدم التكنولوجي المكثف؟ ومن المستفيد الحقيقي من أدوات الذكاء الاصطناعي؟ وما هي فئات العاملين التي تستخدمها فعليًّا؟ وهل هناك فقاعة في الذكاء الاصطناعي، وماذا لو انفجرت؟
وبسؤاله عن استخداماته للذكاء الاصطناعي والاستخدام الأكثر شيوعًا له؛ أوضح دكتورو أنه يستخدم الذكاء الاصطناعي في حياته اليومية بشكل محدود، مثل اكتشاف الأخطاء الإملائية في مدونته المستقلة، مشيرًا إلى أنه يستخدم نموذجًا من "أولاما" على جهازه الشخصي لاكتشاف الأخطاء الإملائية والنحوية، وهو ما أثبت فعالية كبيرة في رصد الهفوات التي لا يلتقطها محرر النصوص التقليدي.
ووصف دكتورو هذه التقنية بأنها "سحرية إلى حد ما"، إذ تمكنت من تنبيهه إلى خطأ في تسمية مفهوم علمي حين كتب "فرضية التشبع" بدلًا من "نظرية التشبع"، مستندة إلى الرابط الذي أدرجه من ويكيبيديا. واعتبر ذلك مثالًا على القيمة العملية لهذه الأدوات حين تُستخدم بشكل محدود وهادف.
لكن دكتورو يرى أن الذكاء الاصطناعي مجرد إضافة أو "ملحق" لبرامج معالجة النصوص، وليس سببًا لتضخيم التوقعات أو ضخ استثمارات هائلة. وانتقد بشدة الضجيج المحيط بالتقنية، مشيرًا إلى أن استخدامها لا يبرر الحديث عن إنفاق تريليونات الدولارات أو استبدال الكُتّاب بالآلات.
وبسؤاله عن مفهومي "القنطور" و"القنطور العكسي" المذكورين في كتابه، أفاد دكتورو بأن مفهوم "القنطور" في نظرية الأتمتة، يعني الإنسان الذي تساعده الآلة، مقابل "القنطور العكسي" الذي يُسخَّر لخدمة الآلة. وأوضح أن هذا الأخير يمثل حالة يُجبر فيها الإنسان على سد الثغرات التي تعجز عنها الآلة، ليصبح هو الحلقة الأضعف في منظومة الإنتاج.
وأشار دكتورو إلى أن المثال الأبرز على ذلك حاليًا هو سائقي أمازون، الذين يخضعون لرقابة مكثفة من الكاميرات وأجهزة الاستشعار داخل سيارات التوصيل. وأكد أن هذه الأنظمة تفرض عليهم جداول صارمة، وتقيّد حركتهم حتى في تفاصيل صغيرة مثل اتجاه النظر أو طريقة السير، مما يجعلهم أسرى لمنظومة آلية لا تراعي ظروفهم الإنسانية.
وقد كشفت تقارير حديثة عن السيارات التي تستخدمها أمازون تُبرمج فيها أنظمة التكييف لتتوقف تلقائيًا بعد ثوانٍ أو دقائق إذا غادر السائق مقعده، ما اضطر بعضهم إلى التحايل على النظام لتأمين ظروف عمل آمنة فيض الصيف. واعتبر دكتورو أن هذه الأمثلة تجسد كيف تُصمم الأدوات خصيصًا لإنتاج "القنطور العكسي"، أي الإنسان المستنزف لخدمة الآلة.
وربط دكتورو هذه الظاهرة بفقاعات التكنولوجيا المتكررة، مثل العملات الرقمية والميتافيرس، لكنه شدد على أن فقاعة الذكاء الاصطناعي أكبر بكثير. وأوضح أن حجم الإنفاق العالمي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ارتفع من 700 مليار دولار إلى 1.4 تريليون دولار، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الاستثمارات التقنية.
واعتبر دكتورو هذا الإنفاق الهائل انعكاسًا لأزمة الشركات الكبرى التي وصلت إلى مرحلة التشبع في أسواقها، فتلجأ إلى خلق فقاعات جديدة لإقناع المستثمرين بأنها ما زالت قادرة على النمو. تجعل هذه الديناميكيات الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد تقدم علمي، بل أداة لإدامة هيمنة الشركات على حساب العاملين والمستخدمين.
ووصف دكتورو حجم الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي بأنه "مفزع"، مشيرًا إلى أن العالم لم يشهد من قبل حرق هذا القدر من الأموال في أي مشروع. وأضاف أن هذا الإنفاق يجعل فقاعات تاريخية مثل "فقاعة التوليب" أو "بحار الجنوب" تبدو أكثر عقلانية مقارنة بما يحدث اليوم.
ويؤكد دكتورو أن الفقاعات التكنولوجية تنشأ عندما تصل الشركات إلى مرحلة التشبع في أسواقها، فتتحول من شركات نمو إلى شركات ناضجة، وهو ما يؤدي إلى انخفاض قيمة أسهمها، مشيرًا إلى أن هذا التحول يضر بالإدارة التنفيذية التي تعتمد على الأسهم كجزء من ثروتها، ويجعل من الصعب الاستمرار في النمو عبر إصدار الأسهم، فيضطرون إلى البحث عن وسائل أخرى مثل القروض أو الاستثمارات النقدية. تجعل هذه الديناميكيات الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد تقدم علمي، بل أداة لإدامة هيمنة الشركات على حساب العاملين والمستخدمين.
ودفعت هذه الديناميكيات الشركات إلى خلق روايات جديدة لتبرير النمو، بدءًا من محاولات مثل "غوغل بلس" لمنافسة فيسبوك، وصولًا إلى مشاريع وهمية مثل "ويب 3" و"العملات الرقمية" و"الميتافيرس". مما جعل الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد تقدم علمي، بل أداة لإدامة هيمنة الشركات على حساب العاملين والمستخدمين.
وربط دكتورو هذه الفقاعة بالأيديولوجيا التي تحكم علاقة الرأسمال بالتكنولوجيا، موضحًا أن أرباب العمل دائمًا ما يسعون إلى استبدال العمال بالآلات، ليس فقط لتقليل التكاليف، بل أيضًا لتجاوز شعورهم بالاعتماد على قوة العمل، موضحًا أن الذكاء الاصطناعي يمنحهم وهم السيطرة، مما يعزز شعورهم بالتحكم حتى وإن كان زائفًا.
وشبّه دكتورو طريقة تعامل أرباب العمل مع الذكاء الاصطناعي بما يحدث في غرف الكتابة السينمائية؛ حيث يمكنهم إعطاء أوامر للروبوتات كما لو كانوا يوجهون فريقًا من الكُتّاب، لكن دون مواجهة اعتراضات أو نقاشات. وأكد أن هذا يفسر انجذاب الرؤساء والأثرياء لهذه الأدوات، لأنها تمنحهم شعورًا بالقدرة على التنفيذ دون مقاومة بشرية.
وأوضحت المجلة أن هذه النزعة تتقاطع مع عقلية المليارديرات الذين يعيشون في عالم انعزالي، حيث ينظرون إلى الآخرين ككائنات أقل واقعية. وأشار دكتورو إلى أن هذا التفكير يفسر حماسهم لمفاهيم مثل "الإيثار الفعّال" الذي يبرر إلحاق الأذى بالناس اليوم مقابل وعود مستقبلية بعيدة تخص أجيالًا افتراضية.
وتنعكس هذه الرؤية في مشاريع مثل محاولة مارك زوكربيرغ بناء "وسائل تواصل بلا تواصل"، حيث تُستبدل العلاقات الإنسانية الحقيقية بروبوتات محادثة، تمامًا كما يُستبدل العمال بالآلات والكتّاب بالبرمجيات. واعتبر دكتورو هذه النزعة تمثل جوهر فكرة "القنطور العكسي"، أي الإنسان المستنزف لخدمة الآلة.
وحذر دكتورو من أن هذه الفقاعة قد تنتهي كما انتهت فقاعات سابقة، مشيرًا إلى أن المحللين الذين يروّجون اليوم لأرقام خيالية حول الذكاء الاصطناعي هم أنفسهم الذين توقعوا أن 95 بالمئة من البشر سيستخدمون الميتافيرس بحلول 2025. وأكد أن هذه التوقعات تعكس درجة عالية من السذاجة، حيث لا يهم نجاح الاستثمار بقدر ما يهم إيجاد من يشتري "الحقيبة" قبل أن تنهار.
وعند سؤاله حول "فقاعة الذكاء الاصطناعي" وتقاطع النقاش حولها اليوم مع ظهور أدوات جديدة مثل وكلاء البرمجة، ومع إعلان شركات مثل "أنثروبيك" عن أرباح قياسية، ردّ دكتورو بأن أي شركة لتكون مربحة حقًا يجب أن تحقق إيرادات تفوق قيمة أصولها المتناقصة، بما في ذلك الإنفاق الرأسمالي على تطوير المنتجات الجديدة، وأن تغطي تكاليف التشغيل. وأكد أن عليها أن تكسب المزيد مع كل عميل جديد، وأن يحقق استخدام العملاء للمنتج زيادة في الأرباح لا انخفاضًا.
وأضاف أن ذلك يتطلب استراتيجية تسعير وسوق ذات "اقتصاديات وحدات" متينة، حيث تكون معدلات الاستهلاك والإهلاك متوازنة مع القدرة على تجديد رأس المال، وهو ما لا يتوافر حاليًا في معظم نماذج أعمال الذكاء الاصطناعي.
وبسؤاله عن الطلب المتزايد حاليًا على الذكاء الاصطناعي، وكيفية تفسيره للرواية التي تروج لها الصناعة في ظل وجود تبنٍّ حقيقي وملموس لهذه التقنية، أوضح دكتورو أن وجود طلب مرتفع هو أمر بديهي عندما تُقدم خدمات قيمة بأسعار بخسة، وهو أمر أشبه ببيع ورقة المائة دولار بدولار واحد، مشيرًا إلى صدمة المستخدمين وتراجع إقبالهم بمجرد محاولة الشركات رفع الأسعار قليلاً. ورغم ذلك؛ لم يشكك إطلاقاً في فائدة النماذج اللغوية، مؤكدًا أن أفضل المبرمجين يستمتعون فعلياً بالعمل معها.
وأشار دكتورو إلى وجود تباين كبير في تجارب المبرمجين، فمن يمتلكون حرية التحكم في أدواتهم يستخدمون التقنية بفعالية ورضا تام. وفي المقابل، يعيش آخرون تجربة محبطة بعد تسريح زملائهم، حيث تحولت وظيفتهم إلى مجرد "تصحيح لأخطاء الروبوت"، مما أسفر عن إنتاج برمجيات في غاية الرداءة.
ويفسر دكتورو هذا التناقض بين التجربتين، مبينًا أن الأثر الحقيقي لأي تكنولوجيا لا يكمن في وظيفتها فحسب، بل الأهم هو: من يتحكم بها ومن تقع عليه آثارها؟ ويؤكد أن منح الأشخاص حرية استخدام الأدوات بالطريقة التي تناسبهم يقود لنتائج أفضل بكثير من إملاء طرق العمل عليهم، وهو ما يفسر فشل أساليب الإدارة التقييدية.
وبسؤاله عن الأضرار الناجمة عن فرض هذا النوع من الذكاء الاصطناعي على المستخدمين، ومفهوم "ثغرة التهرب من المسؤولية" وكيف يلعب "شات جي بي تي" دورًا في ذلك، أوضح دكتورو أن هذا المصطلح، الذي صاغه المحلل دان ديفيز، يشير إلى خلق نظام أو كيان يُتخذ كشماعة لإلقاء اللوم عليه عند وقوع أخطاء متوقعة سلفاً، بحيث تتهرب الشركة من مسؤوليتها عند تضرر الناس وتُحمل العبء لتلك "الثغرة".
وذكر دكتورو أن الخطوط الجوية الكندية استخدمت روبوت محادثة لتولي خدمة العملاء. وقد أوقع الروبوت مسافرًا - كان متجهًا لحضور جنازة جدته - في فخ معلومات خاطئة حول إمكانية استرداد جزء من قيمة التذكرة. وعند مطالبته بحقه؛ تنصلت الشركة من كلام الروبوت، مما اضطره لخوض نزاع قانوني طويل انتهى بحصوله على حكم قضائي بالتعويض.
وأضاف دكتورو أنه من منظور الشركة، لا يهم خطأ الروبوت طالما لم يتسبب في خسائر تفوق المكاسب. بل إن هناك حافزًا خفيًّا لتقديم نصائح سيئة تكبد العملاء خسائر مادية، مستغلة في ذلك شبه احتكارها للسوق وعلمها بأن العملاء سيضطرون لاستخدام رحلاتها في النهاية.
وتابع دكتورو أن الشركات التي تتمتع بنفوذ سوقي وتدرك قلة حيلة عملائها، تستغل الذكاء الاصطناعي للتهرب من أخطاء محسوبة مسبقاً، وتضعه كبديل زائف لموظف بشري لم يكن مكلفاً من الأساس بتقديم خدمة حقيقية وجيدة.
وبسؤاله عن ظاهرة "عمى الأتمتة"، وكيف يتحول البشر إلى مجرد أداة روتينية لمراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي، في امتداد منطقي لاستحواذ روبوتات المحادثة على مراكز خدمة العملاء؛ أشار دكتورو إلى أنه في نقاط التفتيش التابعة لإدارة أمن النقل بالمطارات، يتدرب موظفو الأمن يومياً وبكثافة على اكتشاف زجاجات المياه، حتى أصبحوا الأبرع عالمياً في هذا الشأن. وفي المقابل، فإن عدد من يحاولون تمرير أسلحة أو متفجرات عمداً يكاد يقترب من الصفر.
وأضاف دكتورو أنه رغم أهمية أمن المطارات للتعامل مع تلك الحالات النادرة، إلا أن غياب الممارسة الفعلية في اكتشاف الأسلحة والمواد الخطرة المُخبأة يُفقد الموظفين يقظتهم حيالها؛ فهم يفقدون مهارة البحث عن الخطر الحقيقي بسبب اعتيادهم وتدريبهم المستمر على رصد الأشياء العادية كزجاجات المياه التي يحملها الجميع.
وبسؤاله عما إذا كان إبقاء البشر ضمن دورة العمل لمجرد مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى تفاقم ظاهرة "عمى الأتمتة"، أوضح دكتورو أن ذلك سيحدث حتمًا، خاصة مع تسريع وتيرة العمل لاستنزاف طاقة الموظفين. فإذا طُلب من الموظف تقييم قرارات الذكاء الاصطناعي بأقصى سرعة، وكانت تلك القرارات صحيحة غالبًا، فسيتحول عمله إلى مجرد نقر آلي على زر "موافق"، مؤكدًا أن قلة نادرة من البشر تمتلك القدرة العصبية للحفاظ على يقظتها لاكتشاف الأخطاء تحت هذا الضغط.
وذكر دكتورو مثالاً طبياً لتوضيح الفارق بين استخدامين للتقنية؛ الأول مثالي، ويتمثل في استثمار المستشفيات في ذكاء اصطناعي بتكلفة إضافية ليقوم بدور المساعد لأطباء الأشعة، حيث ينبههم للتدقيق في صور معينة قد تحوي أوراماً خفية، مما يقلل العبء عليهم ويقضي على خطر "عمى الأتمتة" تماماً.
وأضاف دكتورو أن السيناريو التجاري الواقعي يسير في اتجاه معاكس؛ حيث يتم تسريح 90 بالمئة من أطباء الأشعة، ويُجبر الباقون على المصادقة السريعة على تقارير الذكاء الاصطناعي لخفض النفقات. وفي هذه الحالة المليئة بالضغط، عندما يخطئ النظام، سيفشل الطبيب البشري في ملاحظة الخطأ مما قد يودي بحياة المرضى، وحينها ستُلقى المسؤولية كاملة على الطبيب كشماعة للأخطاء، وليس على الذكاء الاصطناعي.
وبسؤاله عن مطالبته للعمال بضرورة "ثقب فقاعة الذكاء الاصطناعي" قبل أن تخرج عن السيطرة، وما إذا كان انفجار هذه الفقاعة الآن سيؤدي إلى عواقب وخيمة، أوضح دكتورو أن انفجار فقاعة بقيمة 1.4 تريليون دولار سيكون سيئاً بالفعل، لكن الانتظار حتى تبلغ 2 تريليون دولار سيكون أسوأ بكثير. وإن المشكلة ليست في إيجاد طرق لجعل الذكاء الاصطناعي مربحاً، بل في كيفية الاستعداد للتعامل مع حقيقة كونه فقاعة ومع عواقب انفجارها، من خلال فهم أسبابها ومحاسبة المتسببين فيها، والأهم من ذلك: سن تشريعات تنظيمية صارمة.
وأشار دكتورو إلى أن سلسلة الفقاعات الاقتصادية الحالية تعود جذورها إلى إلغاء قوانين مهمة مثل قانون "جلاس ستيجال"، الذي وُضع بعد الكساد الكبير للفصل بين البنوك الاستثمارية والتجارية، بالإضافة إلى التراخي في تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار، مما أدى إلى تغول الشركات الكبرى.
وأعرب دكتورو عن إحباطه من "فقدان الذاكرة الجماعي"؛ حيث ينسى المجتمع الإجراءات التي حَمته في الماضي، ويُفاجأ بالأزمات عند التخلي عنها، مستسلماً لمقولة "لا يوجد بديل".
وأكد أن ذات الأشخاص الذين دافعوا عن إلغاء تلك القوانين التنظيمية هم من ينفخون في فقاعة الذكاء الاصطناعي اليوم، ويرفضون في الوقت نفسه تحمل مسؤولية الكوارث الاقتصادية التي تسببت فيها سياساتهم الاحتكارية.
وذكر دكتورو أننا نمتلك الخيار عند انفجار هذه الفقاعة: فإما أن نتعلم من دروس الماضي ونعيد هيكلة الأسواق ونفرض رقابة وتشريعات حازمة لمنع تكرار الأزمة، كما حدث في الثلاثينيات وإما أن نلجأ لسياسات التقشف مرة أخرى، وهو مسار خطير قد يدفع الناس نحو التطرف والفاشية، محذرًا من أن الخيار بين أيدينا؛ فإما انهيار يتبعه صعود للاستبداد، أو انهيار يتبعه تنظيم عقلاني ومحاسبة صارمة للأخطاء ومقترفيها.
وبسؤاله عن شكل المعارضة الحقيقية في الوقت الراهن لهذه النوعية من الذكاء الاصطناعي وللشركات المطورة لها، وما الذي ينبغي على النشطاء أو السياسيين فعله لاستغلال هذه اللحظة، أفاد دكتورو أن الكثيرين عند توجيههم الانتقادات للذكاء الاصطناعي، يُسلّمون بصحة ادعاءات الشركات دون تمحيص. فإلى جانب التحذير من أضرار مراكز البيانات على البيئة والمياه واستهلاك الطاقة وافتقارها للديمقراطية، يجب التذكير بأن هذه الشركات قد تعلن إفلاسها قبل حتى أن تبدأ التشغيل، وأنه لا ينبغي التسليم بأن هذا التوسع الهش سيستمر للأبد.
وأشار دكتورو إلى أنه عند انتقاد الذكاء الاصطناعي بشكل عام، ورغم فداحة سعي تلك الشركات لإفلاس المبدعين عبر تدريب نماذجها على أعمالهم، يجب ألا نعترف أبداً بأن مخرجات هذه النماذج ترقى لمستوى الإبداع البشري أو أنها قدمت شيئاً جيداً بالفعل.
وذكر دكتورو أنه يجب تذكير المستثمرين المخدوعين بالعروض المبهرة لتوليد النصوص والصور والفيديو، بأن التكلفة الإجمالية لأجور جميع العمال المهددين بالاستبدال عالمياً، تقل عن تكلفة المشروبات الخفيفة (الكمبوتشا) المستهلكة خلال دورة تدريب واحدة لنموذج مثل "ميدجيرني".
وتابع دكتورو قائلًا أن تسريح جميع الرسامين التوضيحيين في العالم واستبدالهم بمخرجات رديئة لن يحقق أرباحاً للشركات، بل هو مشروع خاسر. فبمجرد التوقف عن حرق الأموال وفرض أسعار حقيقية للخدمة، سيظل توظيف هؤلاء الرسامين - الذين يعانون أصلاً من تدني الأجور في الصناعات الإبداعية - خياراً أرخص بكثير.
وبسؤاله عما إذا كان من الممكن أن تستمر فقاعة الذكاء الاصطناعي وهذا الوضع غير المنطقي إلى الأبد، وكيف يمكن للمجتمع والسوق التعود على العيش في هذه "الديستوبيا اللاعقلانية" وتجاهل حتمية الانهيار، قال دكتورو إن التساؤل عما إذا كان شيء لا يمكنه الاستمرار للأبد قادراً على ألا يتوقف أبداً، إجابته تكمن في الواقع المادي. فاستمرار هذه الفقاعة يتطلب ضخ أموال حقيقية لعمال في تايوان يقضون ساعات طويلة في غرف معقمة لتصنيع الرقائق الدقيقة، وهؤلاء العمال يحتاجون لموارد حقيقية ليعيشوا، كما أن هذه الصناعة تستهلك طاقة هائلة لا يمكن المساومة عليها.
ولفت دكتورو إلى أن هناك حداً أقصى لسوء الإدارة الذي يمكن ترقيعه عبر خلق الأموال والتحفيز الاقتصادي دون وجود سياسة صناعية تلبي احتياجات الناس الأساسية، وأن الفشل سيظهر للعيان حتماً.
وتابع دكتورو مستشهداً بـ "قانون شتاين" الذي ينص على أن ما لا يمكنه الاستمرار للأبد سيتوقف في النهاية. إن هناك حدوداً مادية قاسية تقف عائقاً أمام استنزاف الكوكب وتكريس موارد هائلة لبناء معالجات الرسوميات، وهي حدود لا يمكن التغلب عليها بمجرد "الإيمان" بها، بل تفرض استجابة مادية حتمية وملموسة.
وبسؤاله عن كيفية كسر حلقة "التدهور الممنهج للخدمات" وغضب المستهلكين التاريخي السائد حالياً، في ظل إحباط الناس من تدهور جودة المعيشة اليومية وتغول نفوذ المليارديرات، أوضح دكتورو أن الغضب الذي يعبر عنه الناس الآن - والذي توثقه استطلاعات الرأي التاريخية لغضب المستهلكين - هو نتيجة طبيعية لهذا التدهور المستمر الذي نراه في كل مكان، من محلات البقالة إلى الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
ولا يكمن المخرج من هذه الدائرة في الاستسلام للوضع الراهن أو انتظار معجزة من المليارديرات، بل يتطلب حركة منظمة وتدخلاً تشريعياً حازماً لكسر احتكار الشركات الكبرى واستعادة حقوق المستهلكين والعمال على حد سواء، بدلاً من تلميع صورة المحتكرين ووصفهم بالمبتكرين.
وقال دكتورو مستشهداً بكتاب "رأس المال" لتوماس بيكيتي، إن تراكم الثروة الحتمي في أيدي الأقلية (الأوليغارشية) يزعزع الاستقرار ويقود تاريخياً إلى الفوضى والانهيار كما حدث في الثورة الفرنسية والحروب العالمية.
وأكد دكتورو أن بعض السياسيين يطمحون أيضاً لاستبدال الموظفين الحكوميين بروبوتات محادثة لتمرير قراراتهم دون رقابة، ضارباً المثل بمساعي ترامب عبر مشروع "دوج" لتفكيك الجهاز الإداري، وهو ما قد يصيب الدولة بالشلل التام.
واختتم دكتورو حديثه بالتحذير من أن عدم مواجهة حكم القلة ديمقراطياً سيؤدي لانهياره بعنف تحت وطأة الأزمات المعيشية، مؤكداً أن نفوذ المليارديرات هو العقبة الأساسية أمام حل قضايا المناخ والاستبداد، ولا بديل عن تحجيمه لاستعادة الاستقرار.
