رغم الخلافات الاسرائيلية الداخلية، لكن بالكاد لا يختلف إسرائيليان على أن حكومة اليمين تتحمل مسؤولية الإضرار بالعلاقات الخارجية للدولة، سواء بسبب تصريحات الوزراء، أو السماح للإرهاب في الضفة الغربية، وإطالة أمد الحرب في غزة، وكل ذلك قبل الحرب مع إيران.
الخبير الاقتصادي في مجال التكنولوجيا المالية، والمتخصص في الرياضيات والتمويل، أوري تال تينا، أكد أنه "في عامي 2024 و2025، تدهورت مكانة إسرائيل الدولية: فقد ساءت علاقاتها مع معظم دول العالم الغربي وبعض الدول العربية والإسلامية، سواء على مستوى الحكومات أو على مستوى الرأي العام، وتجلّى الضرر الذي لحق بمكانتها الدولية في اشتباكات مع المؤسسات الدولية، وتزايد الانتقادات من الدول الغربية، ودعوات للمقاطعة الأكاديمية والثقافية".
الإرهاب اليهودي
وأضاف تال تينا في مقال نشره موقع "زمان إسرائيل"، أن "إسرائيل تجد نفسها في وضعٍ من العزلة الدولية، وسط حديث عن تداعياتها الاقتصادية الفعلية، لأن مكانتها الدولية تضررت منذ عام ٢٠٢٤، فقد اعترفت دولٌ بدولة فلسطينية، وافتُتحت دعاوى قضائية ضد إسرائيل في المحاكم الدولية في لاهاي، وتصاعدت الدعوات لفرض عقوبات ومقاطعة، وبدأت الدول الأوروبية باتخاذ خطوات محدودة ضد الشركات والمنتجات المرتبطة بالمستوطنات".
وأشار تال تينا إلى أنه "في المجال الأكاديمي، ازدادت مبادرات المقاطعة، والدعوات لقطع التعاون مع المؤسسات الإسرائيلية، وحذرت الجامعات الإسرائيلية من تزايد الضرر الذي يلحق بمكانتها الدولية، وصعوبات في إقامة شراكات بحثية، مما يجعل من الأدق وصف الوضع الحالي بأنه تآكل حاد لهذه المكانة، وهنا تتحمل الحكومة مسؤولية الإضرار بها، حيث يرتبط جزء كبير من الانتقادات الدولية الموجهة لها بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وسياستها تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية، والمستوطنات".
وأكد أن "هذه القضايا رافقت إسرائيل لعقود، لكنها تعتمد على سياسة الحكومة التي اتخذت سلسلة خطوات يُنظر إليها على نطاق واسع، بما في ذلك من قبل حلفائها والعديد من المنظمات الدولية، على أنها تحركات غير لائقة، وتنتهك القانون الدولي، ويشمل ذلك تسريعًا ملحوظًا ببناء المستوطنات، والموافقة بأثر رجعي على البؤر الاستيطانية التي أُنشئت سابقًا في انتهاك للقانون الإسرائيلي، وتدريب عناصرها؛ إذ يُعدّ بناء المستوطنات نفسها غير قانوني وفقًا للقانون الدولي".
حكومة اليمين
وأوضح تال تينا أنه "في الوقت نفسه، تم توسيع صلاحيات الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية، وهي خطوة تُعمّق سيطرة إسرائيل على الأراضي، وتُبعد إمكانية التوصل لتسوية سياسية مستقبلية، فلا تكاد أي دولة في العالم، بما فيها الولايات المتحدة في عهد ترامبن توافق على إدامة الوضع الراهن، حيث يعيش بعض الفلسطينيين في الضفة الغربية تحت سيطرة عسكرية إسرائيلية، بينما يتكدس آخرون في كانتونات صغيرة ذات حكم ذاتي محدود، ولا توافق أي دولة على تعميم هذه الظروف على معظم أراضي الضفة الغربية".
وأكد أن "مواقف معظم دول العالم، وجميع المنظمات الدولية المهنية والإنسانية، ترى في توسيع المستوطنات، وتفتيت الفضاء الفلسطيني، وانعدام أي أفق سياسي، من شأنه يؤدي لواقع تصبح فيه المناطق الفلسطينية جيوبًا معزولة عن بعضها، مما يدفع بعض الدبلوماسيين ونشطاء حقوق الإنسان والأكاديميين حول العالم لتشبيه هذه السياسة بنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، الذي حصر السود في جيوب صغيرة تتمتع بالحكم الذاتي، تُعرف باسم "البانتوستانات".
وأضاف الخبير أن "هذه السياسة التي يروج لها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش تُلحق ضرراً بالغاً بالعلاقات الدولية لإسرائيل، وتؤدي لمقاطعة واسعة النطاق، مما سيُجبرها على الاختيار بين تغيير سياستها، أو تحمل ضربة اقتصادية قاسية، وبجانب الخطوات العملية على أرض الواقع، كان لتصريحات الوزراء وكبار المسؤولين الحكوميين أثرٌ أيضاً، فخلال فترة حكم الحكومة، صدرت تصريحات تدعم ضم أجزاء من الضفة الغربية، بجانب تصريحات أخرى حول توسيع المستوطنات، ومنع أي أفق سياسي مستقبلي للاستقلال الفلسطيني".
وأوضح تال تينا أن "بعض التصريحات الموجهة للشعب الفلسطيني أثارت انتقادات حادة من الحكومات الغربية، وساهمت في تفاقم الخلافات الدبلوماسية المتعلقة بالسياسة الإسرائيلية، ومن المهم التأكيد على أنه حتى لو لم ترَ الحكومة الإسرائيلية أي أفق لإقامة دولة فلسطينية، بسبب العمليات الفلسطينية وهجوم السابع من أكتوبر، فإن رغبتها في الحصول على اعتراف دولي تستلزم منها إتاحة المجال لإمكانية اتخاذ خطوات سياسية".
الحرب على غزة
وأكد أنه "عندما يُعلن وزراء إسرائيليون سياسة تُلحق الضرر بالشعب الفلسطيني، دون المبررات اللازمة لحماية أمن إسرائيل، ودون توفير أفق سياسي، فإنهم يُساعدون الجهات الدولية التي تدعو لمقاطعة إسرائيل، وبذلك تُساهم هذه التصريحات بعزلتها دوليًا، وتُسهّل الدعوات للمقاطعة، وتُضر بمصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية، وبلغت هذه التصريحات الضارة مستويات قياسية خلال حكومة نتنياهو، بسبب تركيبة الائتلاف الحاكم الذي يضم أحزاب اليمين المتطرف بقيادة سموتريتش وبن غفير، الذين لا يولون أهميةً لوضع إسرائيل السياسي في العالم، بل تُلحق الضرر بها".
وأردف تال تينا أنه "من الظواهر الأخرى التي أثرت على مكانة إسرائيل في العالم، الزيادة الحادة في عدد حالات العنف التي يرتكبها المتطرفون اليهود الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، بما في ذلك الهجمات والحرق العمد وتخريب الممتلكات وحتى عمليات القتل التعسفي، وخلال فترة حكم الحكومة الحالية، قُتل عشرات الفلسطينيين بنيران المتطرفين اليهود في الضفة الغربية، وعلى وجه الخصوص، في الأشهر الأخيرة، بدأت ظاهرة قيام المستوطنين في البؤر الاستيطانية بإطلاق النار على الفلسطينيين داخل قراهم".
وأكد أن "الحكومة لم تتخذ خطوات حاسمة لمكافحة هذا العنف، بل يزعم المختصون أن بن غفير أضعف الشرطة في القضاء على هذه الظاهرة، وأن وزير الأمن يسرائيل كاتس حال دون إلحاق الضرر بالجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب اليهودي بقراره عدم السماح بالاعتقالات الإدارية للإسرائيليين المشتبه في تورطهم في إيذاء الفلسطينيين، وتُلحق الصور التي تُنشر حول العالم أسبوعيًا تقريبًا، وتُظهر منازل وسيارات محترقة في قرى فلسطينية في الضفة الغربية نتيجة للإرهاب اليهودي، ضررًا بالغًا بالمكانة السياسية لإسرائيل".
وأشار أن "الحكومة التي لم تمنع تنظيم آلاف المتطرفين الذين يمارسون الإرهاب ضد الفلسطينيين، تتحمل مسؤولية تصاعد الانتقادات الموجهة لإسرائيل في العالم، وأدت لفرض عقوبات شخصية من الاتحاد الأوروبي ودول أخرى على عناصر يُشتبه في تورطها بمثل هذا العنف، بمن فيهم بن غفير وسموتريتش أنفسهما، ساهمت عدة عوامل بتصعيد الانتقادات الدولية الموجهة لإسرائيل، منها توسيع المستوطنات، والتصريحات السياسية التي اعتُبرت معارضة لحل الدولتين، وانتقادات عدم التعامل مع عنف المتطرفين اليهود".
وأضاف تال تينا أنه "رغم أن أغلبية دول العالم تؤيد حق إسرائيل في الأمن والدفاع عن النفس، لكنها في الوقت نفسه تُبدي تحفظات متزايدة بشأن سياسة الحكومة في الضفة الغربية، مما صعّب جهودها الدبلوماسية، وعمّق شعورها بالعزلة السياسية".
الانقلاب القانوني
وأشار الخبير إلى أن "الانقلاب القانوني أثّر على مكانة إسرائيل في العالم، وأضرّ بسمعتها الدولية، لأنه أثار معارضة شديدة من أحزاب وشخصيات اقتصادية وقانونية وسياسية حول العالم، ممن خشوا على استقلال القضاء، واستقرار المؤسسات، كما أعرب مسؤولون كبار في الحكومات الأمريكية والأوروبية عن قلقهم من أن قوانين الانقلاب قد تُلحق الضرر باستقلال القضاء، ونظام الضوابط والتوازنات في النظام الديمقراطي، وطالما تمتعت إسرائيل بصورتها الليبرالية، بنظام قضائي مستقل وقوي، مما عزز علاقاتها الخارجية".
وأكد تال تينا أن "منتقدي إسرائيل وخارجها يرون أن إضعاف استقلال القضاء قد يضر بأحد أهم مقوماتها في الساحة الدولية، وهي قدرتها على تقديم نفسها كدولة يحكمها القانون، وتخضع لإشراف قضائي فعال، كما أن موافقة القضاء الإسرائيلي على إنشاء المستوطنات في الضفة الغربية، واقتصاره على إصدار أوامر إخلاء البؤر الاستيطانية المبنية على أراضٍ فلسطينية خاصة في حالات استثنائية فقط، صعّب على منتقدي سياسة الاستيطان الدعوة لمقاطعة دولية لإسرائيل".
وأضاف أن "تقديرات بعض معاهد البحوث وخبراء السياسة الخارجية تشير إلى أن الضرر الذي لحق بصورة إسرائيل صعّب على الدول الصديقة الدفاع عنها في مختلف المحافل الدولية، ومن شأن الإضرار بهذه الصورة أن يُضعف الدعم الشعبي والسياسي، وإذا ما أُعيد انتخاب الحكومة الحالية لولاية ثانية، فمن المرجح أن تستمر في الترويج لهذه التحركات، مما سيكون له أثر سلبي كبير على مكانة إسرائيل الدولية".
التبعات الاقتصادية
ولفت الكاتب إلى أن "الحرب على غزة أثّر على مكانة إسرائيل في العالم، بعد أن حظيت في أشهرها الأولى بدعم من الحكومات الغربية، بجانب معارضة شديدة من بعض الدول والناشطين المتطرفين، ومع مرور الوقت، واجهت الحرب انتقادات حادة حتى بين مؤيديها، وأدت في نهاية المطاف لضغوط دبلوماسية، لأنه مع استمرار الحرب، تآكلت شرعية الحرب تدريجيًا، بسبب طول أمد القتال، والتكلفة الإنسانية الباهظة في غزة، والعدد الكبير من القتلى المدنيين، وتدمير البنية التحتية، والأزمة الإنسانية المستمرة".
وأكد أنه "مع استمرار الحرب، وغياب خطة واضحة لما بعدها، ازداد الضغط الدولي، وتراجع الدعم، وتصاعدت الانتقادات، مما أضرّ بعلاقات إسرائيل الخارجية، ولعبت حكومة نتنياهو دورًا هامًا في إطالة أمد الحرب، نظرًا لرفضها المستمر قبول مقترحات إنهائها مقابل إطلاق سراح الرهائن، ورفضها تقديم أو قبول خطة سياسية واقعية لما بعد الحرب".
وأوضح أن "تضرر مكانة إسرائيل العالمية تركت آثارها على وضعها الاقتصادي، لأنه بين 2023-2025، سجل نمواً شبه معدوم للفرد، ومن أدنى المعدلات في العالم المتقدم، وحصل تباطؤ حاد في النمو، وفي 2024، سُجل نمو ضعيف، وشهد سوق رأس المال والاستثمارات الأجنبية انخفاضاً حاداً في 2023، وركوداً في 2024، ثم ارتفاعاً ملحوظاً في 2025، كما خُفِّض التصنيف الائتماني لإسرائيل في 2024، ولم يرتفع مجدداً حتى الآن، كما يُعدّ عجز الموازنة مرتفعاً، وارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير".
وختم بالقول إن "أي تراجع إضافي في مكانة إسرائيل الدولية قد يؤثر سلباً على الاقتصاد بزيادة علاوة المخاطر، وانخفاض جاذبية الاستثمارات طويلة الأجل، والإضرار بالتعاون الأكاديمي والتكنولوجي، وبالتالي فإن استمرار السياسة الحالية قد يُفاقم عزلتها الدولية، إلى مستوى يُلحق ضرراً اقتصادياً جسيماً بإسرائيل".
يكشف هذا الاستعراض الإسرائيلي لتبعات العزلة الدولية التي تواجهها عن تدهور مطرد في مكانتها، وفي ضوء عدم حصول تراجع في سياسة الاحتلال الإجرامية تجاه الفلسطينيين، فإن معدل التدهور والعزلة سيشهدان تسارعاً غير مسبوق.
