نادرا ما تحولت السياسة الخارجية الأميركية تجاه إيران، إلى هذا الحد، من سياسة قائمة على تفكير إستراتيجي تشارك في صياغته مؤسسات عديدة، إلى مجرد تعبير عن «هذيان سياسي» رئاسي قائم على شعارات فارغة المحتوى، وعلى التضليل والخداع. وهي بذلك لا تقدم قيمة مضافة إلى المصالح الأميركية أو مصالح حلفائها الإقليميين، بل تلحق بهما ضرراً بالغاً.
لا يُستخدم تعبير «الهذيان السياسي» هنا لتشخيص الحالة النفسية للرئيس ترامب، وإنما لوصف خطاب يخلط بين الرغبة والواقع، ويعلن الانتصار قبل تحقيق الأهداف، ويتراجع عن مواقفه خلال أيام، ويحول القوة العسكرية إلى شعارات لا ترتبط بخطة سياسية قابلة للتنفيذ.
بدأت المشكلة عندما لم يعد هذا الخطاب مجرد استعراض إعلامي، بل أصبح الإطار الذي تُدار من خلاله الحرب والمفاوضات. فمنذ بداية الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، في 28 شباط الماضي، أتحفنا الرئيس ترامب بجملة من التصريحات والمواقف السياسية التي تشكل، في مجموعها، ما يمكن تسميته «هذياناً سياسياً»؛ لأنها لا تعبر عن الواقع الذي تصفه، وإنما عن أحلام تدور في مخيلته.
من هذه التصريحات، مثلاً، قوله بعد أسبوع على الحرب: إنه «يجب أن يشارك في عملية اختيار المرشد الأعلى لإيران»، وإن اختيار مجتبى، نجل خامنئي، مرشداً أعلى، إن حدث، لن يكون مقبولاً لديه. وفي اليوم التالي، صرح بأنه «لن يكون هناك أي اتفاق مع إيران باستثناء الاستسلام غير المشروط»، وأن ذلك سيعقبه «اختيار زعيم إيراني مقبول» من قبله.
وفي نهاية آذار، قال: إنه غَيّر بالفعل النظام الإيراني؛ لأنه تمكن من قتل زعماء البلد السياسيين وقادته العسكريين من الصفوف الأول والثاني وحتى الثالث، وإنه يتفاوض الآن مع «نظام جديد أكثر عقلانية». ترامب هنا لا يتحدث عن تسوية سياسية مع دولة، بل يتصرف كما لو كان يمتلك حق تعيين قيادتها.
وكان ترامب قد صرح أيضاً بأنه يريد «أن يأخذ نفط إيران»، ربما لبيعه أو «تقاسمه» مع إيران، كما يفعل في فنزويلا. ولا تختلف هذه التصريحات عن تصوره لمضيق هرمز. فقد قال ترامب، في 8 نيسان الماضي، عندما سأله مراسل شبكة ABC الإخبارية إن كان سيسمح لإيران بفرض رسوم على العبور من المضيق: «نحن نفكر في القيام بذلك كمشروع مشترك. إنها طريقة لتأمينه، وكذلك لحمايته من كثير من الأطراف الأخرى. إنه أمر رائع».
وفي اليوم التالي، ذكرت شبكة «يورونيوز» أن ترامب اقترح «مشروعاً مشتركاً مع طهران لفرض نظام للدفع مقابل المرور». لكنه عاد وطالب بأن يكون المضيق «مفتوحاً دون أي رسوم تفرضها إيران»، قبل أن يعلن، في 13 تموز الماضي، أنه سيفرض رسوماً نسبتها 20 في المئة من قيمة البضائع التي تعبر المضيق. ثم تراجع بعد يوم واحد، قائلاً: إن «دول الخليج لن تدفع هذه النسبة مباشرة إلى واشنطن، لكنها ستقوم باستثمارات مباشرة في الولايات المتحدة لقاء حماية أميركا للمضيق».
خطاب الرجل هنا لا يقدم الحرب باعتبارها وسيلة لإزالة تهديد أمني، وإنما باعتبارها أداة لانتزاع الموارد وإعادة توزيعها بإرادة المنتصر.
أما بخصوص ترسانة إيران العسكرية، فقد صرح ترامب أكثر من مرة بأنه تمكّن من القضاء على قدراتها النووية، وأن اليورانيوم المخصب الذي تمتلكه تحوّل إلى «غبار نووي» مدفون في أعماق الأرض. وقال أيضاً: إنه «دمر كامل البحرية الإيرانية». وزعم أنه دمر ترسانة إيران الصاروخية، قائلاً: إن «معظم الصواريخ الإيرانية قد اختفت، وإن نحو 82 في المئة من منصات الإطلاق قد دُمرت».
وهنا نتساءل: إذا كانت القدرات النووية والبحرية والصاروخية الإيرانية قد دُمرت فعلاً، فلماذا ما زالت واشنطن مضطرة لقصف مواقع الصواريخ والدفاعات الساحلية، وإعادة فرض الحصار، ومحاولة تأمين الملاحة في المضيق؟
ولم يتوقف هذا الهذيان السياسي عند إعلان انتصارات لم تتحقق، بل امتد إلى التهديد بتدمير إيران نفسها. فقد صرح ترامب بأنه سيدمر «الحضارة الإيرانية» إن لم تستسلم إيران، وإنه سيعيدها إلى «العصر الحجري»، وسيقوم بتدمير بنيتها التحتية، بما في ذلك الجسور ومحطات توليد الطاقة الكهربائية.
ما عجز عنه ترامب تحقيقه خلال أربعين يوماً من القصف لن يحققه بإلقاء المزيد من القنابل
إن التهديد بذلك يثير شبهات جدية تتعلق بانتهاك القانون الدولي الإنساني؛ فتوجيه هجمات متعمدة إلى أعيان مدنية يُعد جريمة حرب، ما لم تتحول تلك الأعيان إلى أهداف عسكرية وفق الشروط التي يحددها القانون.
وعندما تصبح المبالغة والتناقض والشخصنة أدوات لصنع القرار، لا يعود أثرها مقتصراً على الخطاب الإعلامي، بل يمتد إلى إدارة الحرب والتفاوض. لذلك كان طبيعياً أن تتعامل واشنطن مع مذكرة التفاهم، لا باعتبارها تبادلاً متزامناً للالتزامات، بل باعتبارها وسيلة للحصول على ما تريده أولاً، وتأجيل ما يتوجب عليها تقديمه.
لقد حاولت طهران، في مذكرة التفاهم، أن تجعل كل خطوة من جانبها مشروطة بخطوة مقابلة من جانب واشنطن. فعلى سبيل المثال، تفتح إيران المضيق، وفي المقابل تتوقف الحرب على لبنان، وتُحترم سيادته، ويُفرج عن جزء من الأموال الإيرانية المحتجزة، ويُرفع الحظر المفروض على صادراتها النفطية.
لكن ترامب المتذاكي تعامل مع المذكرة باعتبارها مخرجاً تكتيكياً من الحرب، لا التزاماً سياسياً متبادلاً. لقد أراد منها أمرين: فتح مضيق هرمز، والخروج من حرب تبين له أنها خاسرة. لكنه، في الوقت نفسه، لم يرغب في دفع استحقاقاتها.
أما إيران، التي تعي طبيعة ترامب، فلم يكن بإمكانها أن تسمح له بالتذاكي عليها؛ لأن استمرار فرض العقوبات الاقتصادية عليها، بعد الدمار الذي لحق بها، سينتج أزمات اجتماعية وسياسية. وهي، بالتالي، مجبرة على القيام بكل ما في وسعها لإجبار ترامب على التوصل إلى اتفاق سياسي والالتزام به.
لذلك، لن تتراجع إيران عن السيطرة على المضيق إلا في إطار اتفاق شامل تضمن فيه أمنها، ورفع العقوبات عنها، واستعادة أموالها المحتجزة. وهي تدرك أن السيطرة على المضيق لا تحتاج إلى أسطول بحري قوي، بل إلى امتلاك القدرة على تهديد الملاحة التجارية فيه وجعل استمرارها مكلفاً وغير آمن.
إن عودة ترامب إلى الحرب على إيران ليست سوى استمرار لسياسة الهذيان التي حكمت هذه الحرب منذ بدايتها، وهي لن تؤدي، بطبيعة الحال، إلى ما يرجوه. فما عجز عن تحقيقه خلال أربعين يوماً من القصف لن يحققه بإلقاء المزيد من القنابل؛ لأن العجز ليس عسكرياً فقط، بل هو عجز عن صياغة نهاية سياسية للحرب تستطيع إيران والمنطقة والولايات المتحدة التعايش معها.
