لم يعد البحث عن فرصة عمل في قطاع غزة يعني إرسال سيرة ذاتية أو انتظار إعلان توظيف، بل أصبح يعني البحث عن أي وسيلة تؤمن لقمة العيش، حتى وإن كانت العودة إلى مهنٍ ظنّ أصحابها أنها اندثرت إلى غير رجعة.
فمع استمرار الحرب، وتوقف عجلة الاقتصاد، وإغلاق غالبية المنشآت التجارية والصناعية، وجد آلاف الغزيين أنفسهم مضطرين إلى استعادة مهن تقليدية كانت قد تراجعت بفعل التطور التكنولوجي وتغير أنماط الحياة، لتتحول اليوم إلى مصدر دخل في ظل ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد البقاء".
من الحداثة إلى البساطة
في أحد الأسواق الشعبية، يجلس رجل خمسيني أمام أدوات بسيطة لإصلاح الأحذية. قبل الحرب كان يعمل في تجارة الملابس، لكن بعد فقدان محله الكبير لم يجد أمامه سوى العودة إلى مهنة تعلمها من والده قبل أكثر من ثلاثين عامًا.
يقول الحاج أبو عاهد في حديثه لـ"فلسطين الآن": "لم أتخيل يومًا أنني سأعود لإصلاح الأحذية، لكن الناس اليوم لا تستطيع شراء الجديد، وأصبحت تُصلح ما تملك مهما كان قديمًا".
ولم تعد هذه الصورة استثناءً، بل أصبحت مشهدًا متكررًا في مختلف مناطق القطاع، حيث انتشرت مهن مثل إصلاح الأدوات المنزلية، وخياطة الملابس، وتصليح الحقائب، وصناعة الأفران الطينية، وبيع الحطب، وإعادة استخدام المواد المستهلكة.
الحرب تغيّر شكل السوق
فرضت الحرب واقعًا اقتصاديًا مختلفًا، فشُح البضائع وارتفاع أسعارها وانخفاض القدرة الشرائية دفع المواطنين إلى التمسك بما لديهم، والبحث عن بدائل أقل تكلفة.
وأصبح إصلاح الأدوات خيارًا أولًا بدل استبدالها، فيما ازداد الاعتماد على المنتجات اليدوية والحلول التقليدية التي كانت قد اختفت تدريجيًا قبل الحرب.
كما عاد كثير من المواطنين إلى استخدام الحطب للطهي بعد نقص غاز الطهي، ما خلق مصدر رزق جديدًا للعاملين في جمع الحطب وتجهيزه وبيعه.
وفي الوقت ذاته، توسعت عمليات إعادة تدوير بعض المخلفات، سواء المعادن أو الأخشاب أو البلاستيك، لاستخدامها في أغراض منزلية أو بيعها كمصدر دخل.
"أي عمل أصبح نعمة"..
ويقول أحد المواطنين الذي اضطر إلى ترك عمله السابق في قطاع الخدمات: "كنت أعمل موظفًا وأعيل أسرتي بشكل طبيعي، أما اليوم فأبيع ما أستطيع إصلاحه في السوق. لم نعد نفكر في نوع العمل، المهم أن نوفر الطعام لأطفالنا".
ويضيف أن كثيرًا من الشباب اتجهوا إلى أعمال يدوية لم يكونوا يفكرون بها سابقًا، لأن الخيارات الأخرى أصبحت شبه معدومة.
خياطة بدلاً من الشراء
داخل خيمة للنزوح، تجلس سيدة أمام ماكينة خياطة قديمة، تقوم بإصلاح الملابس للعائلات النازحة مقابل مبلغ بسيط.
تقول إن الناس لم تعد قادرة على شراء ملابس جديدة، لذلك أصبح إصلاح الملابس وتعديلها ضرورة يومية، مضيفة أن المهنة التي تعلمتها منذ سنوات أصبحت اليوم مصدر دخل الأسرة الوحيد.
اقتصاد فرضته الضرورة
ويرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما يحدث في غزة يمثل تحولًا نحو "اقتصاد البقاء"، حيث تتراجع الأنشطة الاقتصادية الحديثة لصالح أعمال تعتمد على المهارات اليدوية وإعادة الاستخدام.
ويشير أبو قمر خلال حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن هذا التحول لم يكن مجرد تبدل في النشاط الاقتصادي، بل مسّ جوهر الحياة اليومية للناس. آلاف الغزيين تركوا مهنا وحرفا قضوا سنوات في بنائها، لينخرطوا في أعمال مؤقتة وبسيطة لا توفر استقرارًا ولا تكفل حياة كريمة. "الأرقام صادمة: بطالة تجاوزت 83%، وفقر فاق 90%، وانكماش في الناتج المحلي بأكثر من 70% خلال أشهر معدودة، مع انعدام الصادرات".
ويؤكد أبو قمر برغم أن اقتصاد البقاء يوفر للناس وسيلة للنجاة في لحظة الانهيار، إلا أنه اقتصاد هش يفتقر إلى قاعدة إنتاجية وقدرة على النمو، ما يجعله عاجزا عن انتشال غزة من أزمتها. واستمرار هذا الوضع يهدد بتآكل المهارات وانهيار ما تبقى من القطاع الخاص وتحويل المجتمع إلى دائرة مغلقة من الاعتماد على المساعدات. "فالعودة إلى الاقتصاد المنظم تتطلب إعادة إعمار البنية التحتية وفتح المعابر وإطلاق برامج تشغيل عاجلة مع إرادة سياسية تنهي أسباب الأزمة من جذورها".
ويختم حديثه أن المهن التقليدية أصبحت تلبي احتياجات السوق في ظل نقص السلع، لكنها لا توفر دخلًا مستقرًا، بل تساعد فقط على الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
قدرة على التكيف..
من جانبه، يوضح المختص الاجتماعي محمد العرقان أن المجتمع الفلسطيني اعتاد تاريخيًا على التكيف مع الأزمات، لكن الحرب الحالية دفعت المواطنين إلى إعادة اكتشاف مهارات كانت شبه منسية.
ويضيف لـ"فلسطين الآن" أن العودة إلى هذه المهن لا تعكس رغبة الناس في تغيير نمط حياتهم، بل تعكس قدرتهم على التكيف مع واقع اقتصادي شديد القسوة، ومحاولة الحفاظ على كرامتهم عبر العمل مهما كانت طبيعته.
فلم تعد قيمة المهنة تقاس بحجم أرباحها، بل بقدرتها على توفير وجبة طعام أو شراء احتياجات أساسية للأسرة.
وختم حديثه أنه في أسواق غزة، يمكن ملاحظة انتشار ورش صغيرة لإصلاح الأدوات، وباعة للحطب، وحرفيين يعيدون ترميم الأثاث والأجهزة والملابس، في مشهد يعكس كيف أعادت الحرب تشكيل سوق العمل، وأحيت مهنًا كانت على وشكلها.
ففي غزة، لم تقتصر آثار الحرب على الدمار والنزوح، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، وأعادت صياغة مفهوم العمل نفسه. وبينما تتوقف مهن وتختفي أخرى، تعود الحرف التقليدية إلى الواجهة، ليس لأنها أصبحت أكثر ربحًا، بل لأنها أصبحت وسيلة للبقاء، في واقع يفرض على الإنسان أن يبحث عن الرزق بكل ما يملك من مهارة وإرادة.
