في الوقت الذي تتخوف فيه دولة الاحتلال من تنامي النفوذ التركي في المنطقة، تواصل تل أبيب نسج تحالفاتها الإقليمية لمواجهة ما تعتبره تهديدا متصاعدا، دون ضمان نجاحها في ذلك.
وفي هذا السياق، ذكر خبير الشؤون الاستراتيجية، البروفيسور عوزي رابي، أن "صفقة الـ 3.5 مليار يورو بين إسرائيل واليونان ليست مجرد شراء أسلحة، بل اتفاقية تربط تل أبيب وأثينا بتحالف استراتيجي طويل الأمد، وترسّخ مكانة إسرائيل كمصدر لمفهوم دفاع متكامل في الشرق الأوسط، للوهلة الأولى، وتشمل هذه الصفقة الضخمة أنظمة دفاع جوي ورادارات وصواريخ وأنظمة قيادة وتحكم، لكن القصة الحقيقية لا تكمن في القيمة المالية، ولا في عدد البطاريات التي سيتم تسليمها، بل في كونها صفقة تُغيّر خريطة الأمن في شرق المتوسط".
وأضاف في مقال نشره موقع "واللا"، أن "اليونان تسعى لإنشاء نظام دفاع جوي متعدد الطبقات يُطلق عليه اسم "درع أخيل"، بهدف التصدي للتهديدات التي تُميّز ساحة المعركة الحديثة: الصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، والطائرات المسيّرة، والطائرات المقاتلة، ولتحقيق هذه الغاية، اختارت أنظمة إسرائيلية متطورة، وعلى رأسها منظومة "مقلاع ديفيد" من شركة رافائيل، بجانب أنظمة "باراك إم إكس" و"سبايدر" والرادارات وأنظمة القيادة والسيطرة التي ستربط جميع طبقات الدفاع في منظومة واحدة متكاملة".
وأوضح أن "الأمر لا يتعلق بشراء سلاح واحد، بل ببناء مفهوم دفاعي شامل، لأن السنوات الأخيرة شهدت كيف أن الحروب في أوكرانيا وإسرائيل والشرق الأوسط أحدثت تغييرا جذرياً في التهديد الجوي، ولم تعد الدول تتعامل مع الطائرات المقاتلة فقط، بل باتت مطالبة بالتعامل في آن واحد مع وابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة والطائرات بدون طيار، القادمة من ارتفاعات ومدى واتجاهات مختلفة".
وأشار إلى أن "أنظمة الدفاع التي بُنيت قبل عقود من الزمن أُعِدَّت لمواكبة هذا الواقع، حيث تدرك اليونان أن التحدي لم يعد يكمن في اقتناء نظام آخر، بل في إنشاء منظومة متكاملة تعمل فيها جميع أجهزة الاستشعار والرادارات والصواريخ الاعتراضية كنظام واحد متكامل، وهذه هي تحديداً الخبرة التي طورتها إسرائيل على مر السنين في التعامل مع التهديدات من جبهات متعددة في وقت واحد".
وأكد أن "شراكة إسرائيل واليونان لا تبدأ بالصواريخ، ولا تنتهي بها، فخلال العقد الماضي، أصبحتا مع قبرص شركاء استراتيجيين في شرق المتوسط، لاسيما في مجال الطاقة، وأدى تطوير احتياطيات الغاز والتعاون البحري، والمناقشات حول ربط البنى التحتية إلى خلق مساحة من المصالح المشتركة، وبالنسبة لهذه الدول الثلاث، لم يعد البحر المتوسط مجرد ممر ملاحي، بل تمر عبره خطوط الأنابيب وكابلات الاتصالات والموانئ ومنشآت الطاقة، واستثمارات بمليارات الدولارات، ومع نمو هذه الأصول، تزداد الحاجة لحمايتها".
وأضاف أنه "من هذا المنطلق، يُعدّ "درع أخيل" ركيزة أخرى في بناء محور المتوسط، فهو لا يحمي أجواء اليونان فحسب، بل يعزز استقرار منطقة تتكامل فيها الأمن والطاقة والتجارة والبنية التحتية، وعندما يكون للدول مصالح اقتصادية طويلة الأجل، فإنها تحتاج أيضًا إلى ثقة أمنية طويلة الأجل، لذلك، فإن الأهمية الأوسع لهذه الاتفاقية استراتيجية، فعندما تشتري دولة ما طائرات، يمكن استبدالها في غضون عقد أو عقدين، أما عندما تبني نظام دفاعها الجوي بالكامل على تكنولوجيا دولة أخرى، فإنها تُنشئ علاقة تدوم لعقود".
وأوضح أن "الصفقة تشمل إجراءات الصيانة، وتحديثات البرامج، وتدريب المشغلين، ودمج الأنظمة الجديدة، وتبادل المعرفة، مما تخلق اعتمادًا متبادلًا لا ينتهي بتوقيع العقد، ولهذا السبب، تتجاوز هذه الصفقة كونها مجرد صفقة أسلحة، فهي تربط إسرائيل واليونان على المستويات العملياتية والصناعية والاستراتيجية لسنوات قادمة، ومن منظور أثينا، فهي أيضًا أكثر من مجرد رد على تهديد عسكري، إذ تسعى لترسيخ مكانتها كركيزة للاستقرار في شرق المتوسط، وحماية منطقة ذات أهمية اقتصادية وجيوسياسية متزايدة".
وأشار إلى أنه "من المنظور الإسرائيلي، يتمثل ذلك بتعزيز مكانتها كشريك استراتيجي لدول المنطقة، ليس فقط بفضل قوتها العسكرية، بل أيضًا بفضل الخبرة العملياتية والتكنولوجية التي راكمتها، ولعل هذا هو التغيير الأهم، فإسرائيل لم تعد تصدّر أنظمة الأسلحة فحسب، بل تصدّر الخبرة العملياتية ومفهومًا دفاعيًا نابعًا من واقع التهديدات المستمرة، والدول لا تشتري مجرد صواريخ اعتراضية، بل تشتري الدروس المستفادة من سنوات من التعامل مع الصواريخ والقذائف والطائرات المسيّرة والهجمات المشتركة".
وختم بالقول إنه "في السنوات القادمة، قد لا تُذكر صفقة "درع أخيل" في المقام الأول لنطاقها المالي، بل ستُذكر كلحظة تحوّل فيها التعاون بين إسرائيل واليونان من مرحلة التدريبات المشتركة، والشراكة في مجال الطاقة، وبيع أنظمة محددة، إلى مرحلة بناء منظومة دفاع وطني متكاملة تعتمد على التكنولوجيا الإسرائيلية".
تشكل هذه الصفقة التسلحية خطوة جديدة في صب المزيد من الزيت على نار التصعيد القائم في المنطقة، وكأن دولة الاحتلال تستدعي مزيدا من الحروب والصراعات، من خلال تحريض اليونان على تركيا، واستفزاز الأخيرة لاستدراجها لمواجهة عسكرية.
