30.01°القدس
29.77°رام الله
28.86°الخليل
32.47°غزة
30.01° القدس
رام الله29.77°
الخليل28.86°
غزة32.47°
الأربعاء 29 يوليو 2026
4.07جنيه إسترليني
4.32دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.48يورو
3.06دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.07
دينار أردني4.32
جنيه مصري0.06
يورو3.48
دولار أمريكي3.06

مقال في MEE: لماذا ربط صفقة النووي السعودية بـ"إسرائيل" خطأ استراتيجي؟

يتجه مستقبل العلاقات الأمريكية السعودية إلى اختبار جديد مع تصاعد الجدل حول ربط التعاون النووي المدني بين البلدين بمسار التطبيع مع "إسرائيل"، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تعيد رسم موازين النفوذ في الشرق الأوسط، وتفتح الباب أمام تحولات في شبكة التحالفات الإقليمية والدولية.

ويثير هذا الربط تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي في المنطقة، في ظل تمسك الرياض بموقفها المعلن من القضية الفلسطينية، وتنامي البدائل الدولية المتاحة أمامها، بما قد يجعل استخدام الاتفاق النووي أداةً للضغط السياسي محفوفاً بمخاطر استراتيجية.

وفيما يلي النص الكامل لمقال الأكاديمي والمحامي السعودي، أحمد التويجري، الذي نشره موقع "ميدل إيست أي".

جعلت المملكة العربية السعودية من إقامة دولة فلسطينية شرطاً غير قابل للتفاوض مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل ... وما من شك في أن مطالبة الرياض بالتراجع عن ذلك مقابل صفقة النووي قد يفضي إلى إضعاف النفوذ الأمريكي

قد لا يعتمد مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية على التصريحات الكبرى بقدر ما يعتمد على قدرة واشنطن على التمييز بين المصالح الاستراتيجية والتطلعات السياسية.

فيما لو اشترطت الولايات المتحدة أن يكون إبرام اتفاق نووي مدني مع المملكة العربية السعودية مقابل دخول المملكة حالاً في اتفاقيات أبراهام، فسيكون ذلك بمثابة إقحام غايتين للسياسة مختلفتين بشكل أساسي في اختبار دبلوماسي واحد.

قد يبدو للبعض أن مثل هذا النهج يزيد من النفوذ الأمريكي. ولكن من الناحية العملية يرجح أن يؤدي ذلك إلى تقليص نفوذ الولايات المتحدة وفي نفس الوقت إلى التعجيل بنشوء شرق أوسط أكثر تعددية قطبية.

القضية ليس عما إذا كانت التطبيع بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل سوف يخدم المصالح الإقليمية. ثمة طروحات مقنعة بأنه قد يحقق ذلك في نهاية المطاف. وإنما السؤال هو ما إذا كان بإمكان واشنطن، واقعياً، أن تتوقع من الرياض التخلي عن موقف عبّرت عنه بثبات ملحوظ لأكثر من عقدين من الزمن، ومفاده أن التطبيع الرسمي يجب أن يتبع - لا أن يسبق - مساراً ذا مصداقية نحو إقامة دولة فلسطينية.

كثيراً ما يُساء فهم موقف المملكة العربية السعودية باعتباره تكتيكاً للمساومة. ومن الأفضل أن نفهمه باعتباره عقيدة استراتيجية.

لم تزل المملكة هي الراعي الرئيس لمبادرة السلام العربية لعام 2002، والتي عرضت على إسرائيل تطبيعاً شاملاً مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة وإقامة دولة فلسطينية.

منذ اندلاع حرب غزة والمسؤولون السعوديون يعيدون التأكيد على بقاء هذا الإطار أساساً لسياستهم. يشير اتساق هذه التصريحات إلى أنها التزامات استراتيجية دائمة، وليست مواقف تفاوضية مؤقتة.

يُعرّضنا تجاهل هذه الحقيقة للوقوع في سوء فهم لتطور السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية في عهد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. فعلى مدى العقد الماضي، أبدت الرياض استعداداً غير مسبوق لإعادة صياغة نموذجها الاقتصادي، وتنويع شراكاتها الدولية، والسعي نحو خفض التصعيد الإقليمي.

فقد أعادت العلاقات الدبلوماسية مع إيران ووسعت آفاق العمل مع كل من الصين والهند. أما داخل البلاد، فقد سعت نحو تحقيق تحول طموح من خلال رؤية 2030.

ومع ذلك لم تترجم البراغماتية إلى مرونة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. بل على العكس من ذلك، بدا القادة السعوديون كما لو كانوا يرون في دعم إقامة دولة فلسطينية مكوناً أساسياً لا غنى عنه للشرعية إقليمياً وللمصداقية السياسية محلياً.

حدود النفوذ الأمريكي

من وجهة نظر واشنطن، يحقق إبرام اتفاقية نووية مدنية غايات استراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية.

من شأن مثل هذا الاتفاق أن يضفي طابعاً مؤسسياً على التعاون التكنولوجي طويل الأمد، وأن يعزز ضمانات الحد من الانتشار النووي، وأن يعزز النفوذ الأميركي في مجال تطوير البنية التحتية النووية المدنية في المملكة العربية السعودية.

لهذه الغايات قيمة جوهرية بغض النظر عن وتيرة التطبيع العربي الإسرائيلي.

وبالفعل، قد تكون التكاليف الاستراتيجية المترتبة على التخلي عن مثل هذا التعاون أعظم مما يفترض العديد من صناع السياسات. كما أنه من غير المرجح أن يختفي اهتمام المملكة العربية السعودية بتطوير قدرات نووية مدنية بسبب تعثر المفاوضات مع واشنطن.

بل إن النتيجة الأكثر احتمالاً هي توجه الرياض نحو تنويع شراكاتها، والسعي للحصول على التكنولوجيا والاستثمارات والخبرات من موردين بدلاء. ولذلك فإن السؤال الذي يواجه واشنطن في بيئة تشهد تزايداً في التنافس الدولي لن يكون ما إذا كانت المملكة العربية السعودية ستسعى للحصول على التنمية النووية، وإنما ما مدى مركزية الدور الذي ستلعبه الولايات المتحدة في صقل تلك العملية.

تعكس هذه المعضلة تحولاً في السياسة الدولية. خلال معظم فترة ما بعد الحرب الباردة، كان بوسع الولايات المتحدة أن تفترض أن شركاءها لم يكن لديهم سوى القليل من البدائل الاستراتيجية القابلة للتطبيق. وقد أصبح من الصعب على نحو متزايد الحفاظ على هذا الافتراض.

لقد خلق الوجود الاقتصادي الصيني الآخذ في الاتساع عبر الخليج، والمشاركة الإقليمية المستمرة لروسيا، والنشاط الدبلوماسي المتزايد للقوى المتوسطة، بيئة جيوسياسية أكثر تنافسية. لا ريب أن النفوذ الأميركي يبقى كبيراً، ولكنه لم يعد حصرياً.

وبالنظر لهذه التحولات، فإن استخدام المشروطية يستحق إعادة النظر بعناية. لطالما كانت الدبلوماسية المشروطة، ولفترة طويلة، أداة للسياسة الخارجية الأمريكية. ولقد نجحت عندما اعتبرت الشروط المطلوبة ممكنة التحقيق ومتوافقة على نطاق واسع مع حسابات الدولة المتلقية. ولكن ذلك يكون أقل فعالية إلى حد كبير عندما يُطلب من الحكومات التراجع علانية عن المواقف المعلنة والتي تعتبرها مركزية لمصالحها الوطنية أو شرعيتها السياسية.

ثم جاءت التداعيات الإنسانية للصراع في غزة لتزيد من تعقيد هذه الصورة، حيث غدا الرأي العام في كل أرجاء العالم العربي أكثر اهتماماً بالمعاناة الفلسطينية وأكثر ارتياباً بالمبادرات الدبلوماسية التي يُرى أنها تهمش الحقوق السياسية الفلسطينية.

بغض النظر عن الكيفية التي توازن بها الحكومات الرأي العام في مواجهة الاعتبارات الاستراتيجية، لا يمكن لأي تقييم جاد للدبلوماسية الإقليمية أن يتجاهل البيئة السياسية التي يخلقها الصراع.

التطبيع بشروط سعودية

لا شيء من هذا يعني أن التطبيع بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل بات مستحيلاً. بل على العكس من ذلك، كثيراً ما أشار القادة السعوديون إلى أنهم مستمرون في رؤية التطبيع ضمن إطار تسوية سياسية شاملة.

إلا أن التسلسل مهم للغاية. يتناقض المنطق الذي طالما تبناه صناع السياسة السعوديون مع التوقع بأن تقدم الرياض على التطبيع أولاً بينما يتم تأجيل التحرك نحو إقامة الدولة الفلسطينية.

بالنسبة لواشنطن، يتمحور الدرس حول طبيعة النفوذ في نظام دولي أكثر تعددية. فالنفوذ لا ينبع فقط من القوة العسكرية أو النفوذ الاقتصادي، بل من القدرة على مواءمة الشراكات الاستراتيجية مع المصالح الدائمة للحلفاء.

قد تفرز السياسات التي تتجاهل تلك المصالح استعراضاً رمزياً للعزيمة، ولكنها نادراً ما تفضي إلى نتائج دبلوماسية دائمة.

لطالما استفادت الولايات المتحدة من الشراكة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية بفضل تعرف البلدين على مساحات من المصلحة المتبادلة رغم الاختلافات السياسية الكبيرة. يتطلب الحفاظ على تلك الشراكة في القرن الحادي والعشرين نفس الواقعية الاستراتيجية التي ضمنت بقاءها في القرن العشرين.

لا يتمثل التحدي الذي يواجه صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة في تعظيم الضغوط، بل في تعظيم الميزة الاستراتيجية. لم يعد هذان الهدفان مترادفين في شرق أوسط مترابط ومتنوع اقتصاديا وتنافسي جيوسياسيا.

حافظت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية على واحدة من الشراكات الإستراتيجية الأكثر أهمية في الشرق الأوسط لأكثر من ثمانية عقود. وقد نجت هذه العلاقة من الحروب، وأزمات النفط، والإرهاب، والتغيير السياسي العميق، لأنها ارتكزت بشكل عام على المصالح الاستراتيجية المشتركة بدلاً من التوافق الأيديولوجي.

ينبغي تقييم أي اتفاق نووي مدني بناءً على مزاياه الخاصة، ومن ذلك مساهمته في أمن الطاقة، والتعاون التكنولوجي، والتنمية الاقتصادية، والحد من انتشار الأسلحة النووية.

ينطوي ربط ذلك بقضية لطالما عبرت فيها المملكة العربية السعودية عن موقف غير قابل للتفاوض على خطر التضحية بالتعاون العملي من أجل نفوذ سياسي لا يمكن تحقيقه.

تنجح الدبلوماسية حينما تعترف بالحقائق السياسية بدلاً من محاولات التخلص منها. وبناء عليه فإن المهمة التي تواجه واشنطن لا تكمن في إجبار المملكة العربية السعودية على التخلي عن مبادئها المعلنة، وإنما في خلق الظروف التي يصبح فيها السلام الإقليمي والتعاون الاستراتيجي قابلين للتحقق.

من غير المرجح أن يفضي ربط أحدهما بالاستسلام الفوري للآخر إلى تحقيق أي من الهدفين.

المصدر: فلسطين الآن