رأت الصحفية الأمريكية ناتاشا لينارد، في مقال نشره موقع "ذا إنترسبت"، أن انسحاب الفنانين المشاركين في جولة المغني البريطاني إد شيران، تضامنًا مع مغني الراب ماكلمور ومواقفه المؤيدة للفلسطينيين، قد يشكل مؤشرًا على تحول في تعامل الوسط الفني والثقافة السائدة مع التعبير عن التضامن مع فلسطين.
وجاء المقال على خلفية استبعاد ماكلمور من الجزء الأمريكي المتبقي من جولة شيران، بعد تصريحات أدلى بها خلال حفلات في نيوجيرسي عبّر فيها عن دعمه للفلسطينيين ودعا إلى "فلسطين حرة". وقالت شركة تنظيم الجولة إن عددًا من الملاعب أبلغها بأنه لن يُسمح لماكلمور بالأداء، فيما أوضح شيران لاحقًا أن قرار استبعاده اتخذته الشركة المنظمة وليس هو.
واعتبرت لينارد أن القضية أظهرت حجم الضغوط التي يمكن أن يتعرض لها الفنانون عند التعبير عن مواقف سياسية مرتبطة بالحرب على غزة، مشيرة إلى أن ماكلمور دأب خلال السنوات الماضية على انتقاد السياسات الإسرائيلية والتعبير عن دعمه للفلسطينيين.
وفي أعقاب استبعاد ماكلمور، أعلن أربعة فنانين وفرق مشاركين في الجولة انسحابهم، وهم المغني الأمريكي فينياس، والمغني الإيرلندي آرون رو، والفرقة الدنماركية "لوكاس غراهام"، إضافة إلى فرقة "بيوغا" المرافقة لشيران. وأعلن الفنانون مواقف داعمة للفلسطينيين، فيما قال فينياس إنه قرر الانسحاب لأنه لا يريد الاستمرار في الجولة في ظل ما اعتبره إسكاتًا للأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين.
ورأت الكاتبة أن ردود الفعل على استبعاد ماكلمور قد تمثل، من وجهة نظرها، بداية تغير في الثقافة الشعبية، بعدما أصبح بعض الفنانين أكثر استعدادًا لتحمل تبعات إعلان مواقف مؤيدة للفلسطينيين.
وقالت إن التعبير عن رفض الحرب الإسرائيلية على غزة أو انتقاد الاحتلال ظل، بالنسبة إلى كثير من المشاهير، مرتبطًا بكلفة مهنية واقتصادية، معتبرة أن ما جرى في جولة شيران قد يدفع إلى إعادة النظر في هذه المعادلة، بحيث يصبح الصمت أو تجنب المواقف السياسية أكثر كلفة بالنسبة إلى بعض الفنانين.
وربطت لينارد ذلك بفلسفة المقاطعة الاقتصادية، التي قالت إنها تقوم على فرض تكلفة مادية على المشاركة في دعم أنظمة أو سياسات تعتبرها قمعية، مشيرة إلى حركة "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" (BDS) التي تستهدف، بحسب تعريفها الرسمي، شركات ومؤسسات تقول الحركة إنها تؤدي دورًا مباشرًا في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
وأشارت إلى أن شيران ليس هدفًا لحركة BDS، لكنها اعتبرت أن الجدل حوله وماكلمور يوضح، بحسب رأيها، الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الضغوط الاقتصادية والمهنية إلى عامل مؤثر في خيارات الفنانين.
وفي هذا السياق، نقلت عن الكوميدي سامي عبيد قوله على منصة "إكس" إن كثيرًا من الفنانين المشهورين يتجنبون الحديث عن الحرب على غزة خشية خسارة المال، معتبرًا أن مواجهة ذلك تقتضي جعل الصمت "أقل ربحية".
ورأت لينارد أن موقف شيران المعلن بشأن عدم استخدام حفلاته منصة سياسية يعكس ما وصفته بمحاولة الحفاظ على صورة الفنان المحايد. وكان شيران قد قال إنه لا يعتبر نفسه متواطئًا، وإن لديه آراء شخصية بشأن الصراع، لكنه لا يستخدم منصته المهنية في السياسة لأن جمهوره يضم أشخاصًا من خلفيات مختلفة، بينهم أطفال.
وقارنت الكاتبة بين هذا الموقف وحفل أحياه شيران عام 2022 لجمع التبرعات لأوكرانيا عقب الغزو الروسي، معتبرة أن ذلك يثير تساؤلات بشأن حدود الفصل الذي يضعه بين الفن والسياسة.
كما أشارت إلى انتقادات وجهتها شخصيات عامة لشيران، من بينها الفنانة المعروفة باسم "مس راشيل"، التي قارنت بين مشاركته في فعالية لجمع التبرعات لأوكرانيا وصمته بشأن مقتل أطفال فلسطينيين.
وفي المقابل، شددت لينارد على أن تصريحات ماكلمور المؤيدة للفلسطينيين لا تعني، من وجهة نظرها، معاداة السامية، مشيرة إلى دعواته المتكررة إلى "فلسطين حرة" وانتقاده للحرب الإسرائيلية على غزة. كما استشهدت بتصريحات سابقة له قال فيها إن انتقاد إسرائيل ومعارضة الإبادة الجماعية لا يعنيان، بحسب رأيه، انتقاد اليهود.
وتناولت الكاتبة كذلك الانتقادات التي وجهها روبرت كرافت، مالك ملعب "جيلِت" وشخصية بارزة في دعم إسرائيل، إلى تصريحات ماكلمور، إضافة إلى مواقف جماعات مؤيدة لإسرائيل. واعتبرت لينارد أن ربط انتقاد إسرائيل بمعاداة السامية يساهم في، بحسب تعبيرها، تقييد الخطاب المناهض للسياسات الإسرائيلية.
كما انتقدت تصريحات إعلامية شبّهت شعار "فلسطين حرة" بشعارات نازية، معتبرة أن مثل هذه المقارنات تخلط بين معاداة السامية وانتقاد إسرائيل أو الصهيونية، بحسب رؤيتها.
وأشارت إلى مفارقة مشاركة مغني الراب كانييه ويست، الذي واجه انتقادات واسعة بسبب تصريحات معادية للسامية، في حفلات أقيمت في ملاعب كانت قد رفضت استضافة ماكلمور، معتبرة أن ذلك يكشف، من وجهة نظرها، ازدواجية في التعامل مع الخطاب السياسي داخل صناعة الموسيقى.
الرهانات الأوسع
ورأت لينارد أن الجدل حول جولة شيران لا ينبغي فصله عن التطورات الأوسع المرتبطة بحرية التعبير عن المواقف المؤيدة للفلسطينيين، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن انسحاب الفنانين من الجولة لا يمثل، بحد ذاته، انتصارًا، في ظل استمرار الحرب في غزة وتصاعد العنف في الضفة الغربية.
واعتبرت أن حجم الاهتمام بخلاف فني لا يقارن بحجم التطورات العسكرية والسياسية على الأرض، لكنها رأت أن القضية تظل مهمة لأنها تكشف، بحسب تحليلها، مدى ارتباط صناعة الترفيه بالنفوذ الاقتصادي والسياسي.
وخلصت لينارد إلى أن انسحاب الفنانين من جولة شيران تضامنًا مع ماكلمور قد يكون مؤشرًا إلى تراجع قدرة الضغوط المناهضة للتضامن مع الفلسطينيين على فرض الصمت داخل الوسط الفني، معتبرة أن الجمع بين صورة الفنان "غير السياسي" والصمت عن الحرب أصبح أكثر صعوبة في ظل اتساع الجدل حول مسؤولية المشاهير تجاه القضايا السياسية والإنسانية.
