وثقت حركة "السلام الآن" في تقرير جديد سلسلة إجراءات اتخذتها حكومة الاحتلال الإسرائيلي خلال العام الماضي، قالت إنها تعزز "الضم الفعلي" للضفة الغربية، عبر توسيع صلاحيات "الإدارة المدنية" الإسرائيلية داخل المنطقتين (أ) و(ب)، وتجميد أموال السلطة الفلسطينية، والاستيلاء على أراض وإنشاء بؤر استيطانية جديدة.
وبحسب التقرير، لا تتحرك حكومة الاحتلال نحو إعلان رسمي بضم الضفة، لكنها تنفذ على الأرض خطوات متراكمة تنقل مزيدا من الصلاحيات المدنية إلى أجهزة الاحتلال وتضعف قدرة السلطة الفلسطينية على إدارة المناطق الخاضعة لها بموجب اتفاقيات أوسلو.
واعتبرت "السلام الآن" أن هذه الإجراءات ليست وقائع منفصلة، بل جزء من سياسة منظمة تهدف إلى تقويض السلطة الفلسطينية وتهيئة الظروف لتوسيع المشروع الاستيطاني في عمق الضفة الغربية.
وفي المقابل، رحب وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بما ورد في التقرير، واعتبره "شهادة إنجاز للحكومة"، مؤكدا أن ما تسميه الحركة "تقويضا لأوسلو" تراه الحكومة "تصحيحا" لما وصفه بـ"ظلم ثلاثين عاما"، قبل أن يقول صراحة: "هذه مجرد البداية".
اتفاقيات أوسلو تتحول إلى إطار للسيطرة
تقسم اتفاقية أوسلو الثانية، الموقعة في أيلول/سبتمبر 1995، الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: (أ) و(ب)، وتشكلان معا نحو 40 بالمئة من مساحة الضفة، والمنطقة (ج) التي تمثل نحو 60 بالمئة وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
وكان من المفترض أن يكون هذا التقسيم مؤقتا إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي، إلا أن الترتيبات الانتقالية لا تزال قائمة حتى اليوم.
وبحسب "السلام الآن"، فإن جيش الاحتلال بدأ منذ الانتفاضة الثانية تنفيذ عمليات داخل المنطقة (أ)، رغم أنها تخضع نظريا للسيطرة الأمنية الفلسطينية، إلا أن هذا التدخل شهد خلال العام الماضي توسعا لافتا، ولم يعد مقتصرا على الجانب العسكري، بل امتد إلى صلاحيات مدنية حقيقية.
وتقول الحركة إن حكومة الاحتلال تتعامل مع المنطقتين (أ) و(ب) باعتبارهما ساحة مفتوحة لتوسيع نفوذها، في خطوة ترى أنها تمثل انتهاكا واضحا للترتيبات التي قامت عليها اتفاقيات أوسلو.
أموال السلطة الفلسطينية في مرمى الاحتلال
ويشير التقرير إلى أن إحدى أبرز الأدوات المستخدمة لإضعاف السلطة الفلسطينية تتمثل في تجميد أموال التخليص الجمركي.
وتشمل هذه الأموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة الفلسطينية على الواردات والوقود والسجائر عند المعابر، وفقا لبروتوكول باريس الاقتصادي الموقع في إطار الاتفاقيات الانتقالية.
وتقدر قيمة هذه الأموال بنحو 11 مليار شيكل سنويا، وكانت تاريخيا تشكل أكثر من 60 بالمئة من إيرادات السلطة الفلسطينية.
وبحسب "السلام الآن"، لم تحول حكومة الاحتلال الحالية سوى نحو نصف الأموال المستحقة للسلطة الفلسطينية خلال السنوات الثلاث حتى عام 2025، بينما توقفت التحويلات بشكل كامل منذ حزيران/يونيو 2025.
وترى الحركة أن سياسة حجب هذه الأموال لا تمثل مجرد خلاف مالي، بل تستخدم كأداة للضغط على السلطة وإضعاف قدرتها على إدارة المناطق الخاضعة لها.
الاحتلال يوسع تدخله تحت غطاء البيئة والآثار
في شباط/فبراير 2026، قرر المجلس الوزاري السياسي الأمني الإسرائيلي السماح لما يعرف بـ"الإدارة المدنية" بمراقبة قضايا البيئة والمياه والآثار في المنطقتين (أ) و(ب)، بحجة منع المخاطر البيئية وحماية المواقع التراثية.
لكن "السلام الآن" تحذر من اتساع نطاق هذه الصلاحيات، مشيرة إلى أن تعريف "الضرر البيئي" يمكن تفسيره بصورة واسعة، بما يسمح بالتدخل في عدد كبير من المنشآت والمشاريع الفلسطينية.
أما في المجال الأثري، فتقول الحركة إن انتشار المواقع التاريخية في مختلف أنحاء الضفة يفتح الباب أمام تدخل إسرائيلي واسع في عمليات البناء والتطوير الفلسطينية.
وترى "السلام الآن" أن منح الاحتلال مثل هذه الصلاحيات في مناطق يفترض أنها خاضعة للسلطة الفلسطينية يشكل جزءا من عملية تدريجية لنقل الصلاحيات المدنية إلى الجانب الإسرائيلي.
أوامر استيلاء داخل المنطقة (أ) لخدمة المستوطنات
ويورد التقرير مثالا لافتا على هذا التوسع، يتعلق بإصدار قائد القيادة المركزية في جيش الاحتلال، اللواء آفي بالوت، في تموز/يوليو 2026، 15 أمرا للاستيلاء على أراض داخل المنطقة (أ).
وبحسب الحركة، تهدف الأوامر إلى إنشاء طريق يربط بين مستوطنتين جديدتين، هما "عيمق دوتان"، المقامة بالقرب من بلدة فلسطينية، و"نوا"، الواقعة شمال مستوطنة قباطية في شمال الضفة الغربية.
وتقول "السلام الآن" إن هذه الخطوة تمثل سابقة مهمة، باعتبار أن أوامر الاستيلاء العسكري على الأراضي داخل المنطقة (أ) استخدمت هذه المرة لخدمة غرض استيطاني مدني، وليس كإجراء أمني مؤقت.
وترى الحركة أن هذا التطور يعكس انتقالا من التدخل العسكري في مناطق السلطة إلى استخدام أدوات الاحتلال القانونية والإدارية لخدمة المشروع الاستيطاني.
23 بؤرة استيطانية بمناطق السلطة
ولا يقتصر المسار الإسرائيلي على نقل الصلاحيات، إذ يوثق التقرير إنشاء ما لا يقل عن 23 بؤرة استيطانية في المنطقة (ب) خلال العامين ونصف العام الماضيين.
ويشير التقرير إلى تسجيل سبع بؤر جديدة حتى نهاية عام 2024، في تطور يقول إنه لم يحدث بهذه الصورة منذ توقيع اتفاقيات أوسلو.
وبحسب "السلام الآن"، فإن إخلاء بعض هذه البؤر من جانب "الإدارة المدنية" لم يمنع عودة المستوطنين إليها، بل جرى في بعض الحالات توسيعها وتحويلها إلى مواقع أكثر ثباتا، شملت منشآت خرسانية ومعابد يهودية.
ويرافق ذلك، وفق التقرير، شق طرق جديدة، والسيطرة على مصادر المياه، ودفع الرعاة الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم.
كما وثقت الحركة عشرات الحالات التي هجرت فيها عائلات فلسطينية من منازلها بسبب عنف المستوطنين والضغوط المتواصلة، في المنطقتين (ب) و(ج)، مشيرة إلى أن مستوطنين انتقلوا في بعض الحالات إلى المنازل التي تركها الفلسطينيون.
الاستيطان يترافق مع التضييق
ويشير التقرير كذلك إلى ظاهرة أخرى تتمثل في مصادرة شاحنات جمع النفايات الفلسطينية العاملة في المنطقة (ب)، بحجة نقلها النفايات إلى مواقع غير مرخصة.
وتقول "السلام الآن" إن هذه الإجراءات، إلى جانب السيطرة على مصادر المياه والطرق والأراضي، تساهم في تقليص قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم اليومية، وتوسع اعتمادهم على قرارات وأجهزة الاحتلال.
وترى الحركة أن تراكم هذه الخطوات يؤدي عمليا إلى تفكيك مظاهر الإدارة الفلسطينية في المناطق التي يفترض أن تكون خاضعة لها بموجب اتفاقيات أوسلو.
الخليل.. سحب صلاحيات التخطيط والبناء
وفي حزيران/يونيو 2026، اتخذ المجلس الأعلى للتخطيط التابع لـ"الإدارة المدنية" قرارا بسحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل بصورة كاملة فيما يتعلق بالمستوطنات وعدد من المواقع الدينية في قلب المدينة.
ويعتبر التقرير هذه الخطوة جزءا من مسار أوسع لنقل الصلاحيات المدنية من المؤسسات الفلسطينية إلى أجهزة الاحتلال.
وبحسب "السلام الآن"، فإن الحكومة الإسرائيلية لا تعلن رسميا إلغاء اتفاقيات أوسلو، كما لا تطرح تشريعا مباشرا لضم الضفة الغربية أو إسقاط السلطة الفلسطينية، لكنها تنفذ على الأرض سلسلة من الإجراءات التي تؤدي إلى النتيجة نفسها بصورة تدريجية.
وتشمل هذه الإجراءات توسيع صلاحيات "الإدارة المدنية"، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية، وإجراء حفريات، وإنشاء البؤر الاستيطانية، والسيطرة على الأراضي والموارد.
وتخلص الحركة إلى أن هذه الخطوات مجتمعة تشكل عملية "ضم فعلي" للضفة الغربية من دون إعلان رسمي.
سموتريتش: "تصحيح ثلاثين عاما من الفوضى"
لم يأت رد سموتريتش على التقرير في صورة نفي للوقائع التي أوردها، بل حمل تأييدا صريحا للمسار الذي تنتقده "السلام الآن".
وقال سموتريتش إن التقرير يمثل "شهادة إنجاز للحكومة الإسرائيلية"، معتبرا أن ما تسميه الحركة "تقويض أوسلو" هو، من وجهة نظره، "تصحيح لظلم ثلاثين عاما من الفوضى". وأضاف: "ما يسمونه ضما فعليا، نسميه إقامة قطاع الأمن الإسرائيلي".
وأكد سموتريتش اعتزازه بما وصفها بـ"ثورة الاستيطان" التي يقودها لمنع قيام دولة فلسطينية، قائلا: "أنا فخور بثورة الاستيطان التي قدتها لمنع قيام دولة فلسطينية إرهابية في قلب البلاد".
وختم بالقول: "هذه مجرد البداية".
وبذلك، يكشف السجال بين "السلام الآن" وسموتريتش عن جوهر الخلاف بشأن مستقبل الضفة الغربية: فبينما ترى الحركة أن الحكومة الإسرائيلية تنفذ عملية ضم تدريجية تقوض اتفاقيات أوسلو وتضعف السلطة الفلسطينية، تقدم الحكومة، عبر تصريحات سموتريتش، هذه الإجراءات باعتبارها جزءا من مشروع استيطاني وسياسي معلن لمنع قيام دولة فلسطينية.
