30.04°القدس
29.82°رام الله
28.96°الخليل
32.2°غزة
30.04° القدس
رام الله29.82°
الخليل28.96°
غزة32.2°
الأحد 16 اغسطس 2026
4جنيه إسترليني
4.17دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.42يورو
2.96دولار أمريكي
جنيه إسترليني4
دينار أردني4.17
جنيه مصري0.06
يورو3.42
دولار أمريكي2.96

تقارير "فلسطين الآن"..

أجسادٌ جاهزةٌ ومعابرُ مغلقة.. مبتورو غزة في مواجهة مقصلة الحظرِ الصهيوني للأطراف الصناعية

خاص-فلسطين الآن

يدخل آلاف الجرحى من مبتوري الأطراف في قطاع غزة فصلاً جديداً ومؤلماً من فصول المعاناة الإنسانية والجسدية، حيث يواجهون واقعاً مريرياً تفرضه عليهم سلطات الاحتلال الصهيوني عبر إحكام حصارها الخانق ومنع إدخال المواد الخام والمستلزمات الطبية اللازمة لتصنيع الأطراف الصناعية، هذا المنع المتعمد يحول بين هؤلاء الضحايا وبين فرصة الاندماج مجدداً في حياتهم الجديدة التي فرضتها عليهم الإصابة، ليجدوا أنفسهم في دوامة انتظار إضافية لا أفق زمني لها، رغم خضوع الكثيرين منهم لبرامج التأهيل الجسدي الطويلة وباتت أجسادهم مهيأة تماماً لاستقبال الطرف التعويضي.

وتتفاقم الظروف الصحية والنفسية القاسية التي تعصف بمبتوري الأطراف داخل خيام اللجوء ومراكز النزوح المتهالكة، في ظل غياب أدنى مقومات الرعاية الطبية الفائقة والنفاد الكامل للأدوية التخصصية والمستلزمات الجراحية من المستشفيات، إذ يخوض الجرحى معارك يومية صامتة ضد الأوجاع العصبية الحادة والصدمات النفسية الناتجة عن فقدان أطرافهم، وسط حرمان ممنهج يفرضه الاحتلال يمنعهم من السفر لاستكمال رحلاتهم العلاجية في الخارج، مما يحول تضحياتهم وصمودهم الأسطوري إلى معاناة مستمرة وتحدٍ دائم للبقاء على قيد الحياة بكرامة.

إن تعمد العدو الصهيوني حظر دخول المواد الأساسية المخصصة لتأهيل المعاقين والجرحى، مثل السيليكون والكربون والمواد اللوجستية الهندسية، يمثل جريمة عقاب جماعي تهدف إلى تعطيل الأجيال الفلسطينية الناشئة وقتل طموحها بالانخراط في المجتمع، ورغم هذا الخنق الممنهج والتدمير الكامل للصروح الطبية الكبرى وفي مقدمتها مستشفى حمد للأطراف الصناعية، فإن الإرادة الفلسطينية تتجلى في محاولات الطواقم الفنية المحلية والمهندسين لاستحداث بدائل بدائية لتخفيف معاناة الضحايا، متمسكين بالأمل في كسر الطوق الظالم ونيل حقوقهم الإنسانية الكاملة.

ويقف المجتمع الدولي والمنظمات الأممية الحقوقية موقف المتفرج العاجز أمام هذه المحرقة اللوجستية التي تستهدف فئة الجرحى والمبتورين، دون ممارسة ضغوط حقيقية على حكومة الاحتلال لفتح المعابر الحيوية وتسهيل تدفق المساعدات الطبية التخصصية، وتبقى آمال هؤلاء الجرحى معلقة على ما تسفر عنه المحادثات السياسية الجارية برعاية الوسطاء لفرض الانسحاب العسكري الصهيوني الكامل وتفعيل اللجان الوطنية لإعادة الإعمار والتعافي، لإنهاء عذابات آلاف العائلات المكلومة التي باتت تعتمد بشكل كلي على المساعدات الشحيحة.

صمود فوق كرسي متحرك..

ويروي الشاب يوسف النجار، البالغ من العمر 24 عاماً، قصة صموده فوق كرسي متحرك داخل خيمته بوسط قطاع غزة، بعد أن بترت قدمه اليمنى إثر قصف جوي صهيوني استهدف منزل عائلته.

ويصف كيف خاض غمار مرحلة التأهيل الطبي والتمارين القاسية لعدة أشهر تحت إشراف طواقم العلاج الطبيعي البدائية، حتى أبلغوه رسمياً بأن عضلات فخذه وموضع البتر باتا جاهزين تماماً لاستقبال الطرف الصناعي والوقوف مجدداً، لكن الفرحة لم تكتمل بسبب إغلاق المعابر ونفاد المواد الخام اللازمة للتصنيع.

ويشير النجار في حديثه لـ"فلسطين الآن"، إلى أن أصعب ما يواجهه اليوم ليس فقدان الطرف بحد ذاته، بل لوعة الانتظار الطويل والشعور بالعجز وهو يرى نفسه قادراً على المشي لولا تعنت الاحتلال وحظره للمواد الطبية والهندسية، مضيفاً أن الأوجاع الوهمية أو ما يعرف بطيف الطرف المبتور تلازمه طوال الليل والنهار كصدمات كهربائية تمزق جسده، في وقت تفتقر فيه عيادات القطاع المسحوق لأبسط الأدوية المخففة للآلام العصبية جراء تدمير المستودعات الطبية الرئيسية.

ويؤكد الشاب الجريح أن البقاء داخل الخيام يضاعف من معاناة المعاقين حركياً، حيث تمنع الرمال المتطايرة والطقس القاسي حركته الحرة وتجعله رهيناً لمساعدة الآخرين في أدق تفاصيل حياته اليومية.

 ويبدي أسفه الشديد من التخاذل الدولي والصمت المطبق تجاه قضية الجرحى، معتبراً أن منع الأطراف الصناعية وسيلة قتل غير مباشرة تهدف إلى كسر معنويات الشباب الفلسطيني الذي يرفض الانكسار أو التنازل عن حقه في العيش بحرية فوق أرضه.

ويناشد يوسف كافة الاتحادات الرياضية والجهات الإنسانية حول العالم بالالتفات إلى معاناة رياضيي وجرحى غزة، والضغط لفتح معبر كرم أبو سالم وكافة المنافذ لتمكينهم من السفر أو إدخال مستلزمات الأطراف التعويضية. ويختم النحديث بتأكيد ثباته وعزيمته قائلاً إن صواريخ الاحتلال بترت لحمه وعظامه لكنها عجزت عن بتر إرادته، وأنه لن يستسلم لواقع الإعاقة وسينتظر الفرج ليعود حراً طليقاً يخدم أبناء شعبه ويسهم في معركة البناء والتحرير.

مرارة العيش في بيئة غير مهيأة.. 

بدورها تتحدث الفتاة هبة الخالدي، ذات العشرين ربيعاً، بنبرة ملؤها التحدي والكبرياء رغماً عن الدموع المحبوسة في عينيها، مستذكرة اللحظات المروعة التي فقدت فيها ساقها اليسرى جراء غارة صهيونية غادرة طالت جامعتها ومستقبلها الأكاديمي.

وتبين هبة أنها أنهت كافة مراحل الإعداد النفسي والبدني لتلقي الطرف الصناعي، وأصبحت مؤهلة مائة بالمائة للنهوض من جديد ومتابعة تعليمها، إلا أن جدار الحصار الإسرائيلي الصارم يقف كعائق ومقصلة تحرمها من خطوتها الأولى نحو استعادة حياتها الطبيعية.

وتصف الفتاة النازحة لـ"فلسطين الآن"، مرارة العيش في بيئة غير مهيأة إطلاقاً لذوي الاحتياجات الخاصة، حيث تفتقر خيمتها الصغيرة لأدنى مقومات الخصوصية أو التسهيلات الحركية، مما يفرض عليها ضغطاً نفسياً هائلاً يوازي ألم الإصابة ذاتها.

وتوضح أن غياب العلاجات والمكملات الغذائية الضرورية لتقوية العظام المتبقية يهدد بحدوث مضاعفات صحية خطيرة قد تعيدها إلى نقطة الصفر، لافتة إلى أن الاحتلال يتعمد إدخال الجرحى في هذه المعاناة البطيئة لتعميق الكارثة الإنسانية.

وتشير هبة إلى أن أحلامها بالعودة إلى مقاعد الدراسة وسيرها بين زميلاتها باتت معلقة بقرار سياسي أو انفراجة في أدراج المفاوضات الجارية، منددة بسياسة المنع الصهيونية التي تصنف مواد الأطراف الصناعية كـ "مواد مزدوجة الاستخدام" لحرمان الضحايا من الحركة.

وترى أن هذا التغول الفاشي يتطلب وقفة وطنية ودولية جادة لإنقاذ آلاف الفتيات والأطفال الذين تحولت أجسادهم الغضة إلى شواهد حية على وحشية العدوان وعجز المنظومة الأممية عن حمايتهم.

وتختم هبة الخالدي حديثها بتوجيه رسالة قوية ومباشرة لكل القائمين على ملف المفاوضات والوسطاء بضرورة جعل ملف الجرحى ومبتوري الأطراف ركيزة أساسية وشعبية في أي اتفاق قادم، فالكرامة الإنسانية لا تتجزأ.

وتؤكد بعزيمة صلبة أنها لن تسمح لكرسيها المتحرك أن يكون نهاية المطاف، بل ستواصل تحدي الحصار المطبق بكل ما أوتيت من قوة وإيمان، منتظرة اللحظة التي تركب فيها طرفها وتخطو بثبات لتثبت للعدو أن غزة تصنع الحياة من قلب الموت.

حصيلة دامية بالأرقام..

وتوثق أحدث التقارير الإحصائية والبيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية وهيئة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، إلى جانب السجلات الرسمية لوزارة الصحة الفلسطينية، كارثة صحية وإنسانية غير مسبوقة تصنف غزة كواحدة من أعلى المناطق تسجيلاً لحالات بتر الأطراف في التاريخ الحديث. وتظهر المعطيات الموثقة أن قطاع غزة سجل نحو 5 آلاف حالة بتر أطراف كاملة خلال معركة الإبادة الجماعية المتواصلة، مما يضع المنظومة الطبية والخدماتية المنهكة أمام تحدٍ لوجستي واجتماعي خانق يمتد لعقود قادمة.

وتكشف البيانات الدولية عن توزيع ديمغرافي صادم ومفجع لحالات البتر بين فئات المجتمع الغزي؛ حيث بلغت نسبة الأطفال من بين إجمالي هؤلاء الضحايا المبتورين نحو 19% بواقع قرابة 950 طفلاً مزقت الصواريخ أجسادهم الطاهرة، في حين شكلت النساء ما نسبته 11%، وكبار السن 12% من الحصيلة الإجمالية. وتوضح الإحصائيات أن الرجال البالغين يمثلون النسبة الأكبر بواقع 58%، مما يعكس استهدافاً صهيونياً مباشراً ومقصوداً لتدمير القوة البشرية العاملة والمعيلة للأسر في القطاع وتحويلها إلى فئات مستهلكة تئن تحت وطأة العوز والتعطيل الحركي.

وإلى جانب حالات البتر المكتملة، تدق المنظمات الدولية ناقوس الخطر بشأن وجود نحو 12 ألف مصاب فلسطيني يعانون من كسور معقدة وشديدة الخطورة تشمل تهتكاً كاملاً في العظام والأنشطة الحيوية والعضلات جراء استخدام الاحتلال لأسلحة محرمة دولياً ذات قدرة تدميرية هائلة. ويواجه هؤلاء المصابون بالكسور المعقدة شبح ومضاعفات صحية كارثية قد تؤدي حتماً إلى ارتفاع مطرد في حالات فقدان الأطراف والبتر القسري خلال المرحلة المقبلة، نتيجة النقص الحاد والمزمن في المستلزمات الطبية وأدوات الجراحة التخصصية، والنفاد التام لمثبتات العظام، بالتوازي مع النزيف الحاد في الكوادر الصحية المتخصصة جراء القتل والاعتقال.

وتشدد تقارير المؤسسات الدولية على أن استمرار سلطات الاحتلال في منع سفر هؤلاء الجرحى وحظر دخول المواد الخام والتقنيات اللازمة لورش تصنيع الأطراف يمثل حكماً بالإعدام المدني والجسدي على آلاف المواطنين، محذرة من تداعيات نفسية واجتماعية وخيمة ستلقي بظلالها على النسيج المجتمعي لمليوني فلسطيني في حال استمر الحصار المغلق. وتطالب المنظمات بضرورة إقرار بروتوكول إنساني عاجل وملزم يضمن تدفق المعدات الطبية التعويضية والمحروقات اللازمة لتشغيل مراكز التأهيل المتبقية، لمنع تدحرج الكارثة الصحية وإنقاذ جيل كامل من خطر العجز الدائم.

المصدر: فلسطين الآن