26.68°القدس
26.44°رام الله
25.66°الخليل
29.34°غزة
26.68° القدس
رام الله26.44°
الخليل25.66°
غزة29.34°
الجمعة 21 اغسطس 2026
4.08جنيه إسترليني
4.23دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.5يورو
3دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.08
دينار أردني4.23
جنيه مصري0.06
يورو3.5
دولار أمريكي3
اسماعيل الريماوي

اسماعيل الريماوي

سوريا الجديدة تحت النار... إسرائيل تضع خطوطها الحمراء أمام دمشق وأنقرة

لم يكن قصف مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، فجر 18 أغسطس/آب 2026، مجرد غارة إسرائيلية جديدة اعتيادية على منشأة سورية، بل يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز الهدف العسكري المباشر إلى الصراع على مستقبل سوريا، وحدود الدور التركي فيها، وشكل المؤسسة العسكرية السورية التي تريد إسرائيل أن ترى دمشق تبنيها، فقد نفذت إسرائيل ثماني غارات استهدفت مدرج المطار ومناطق تخزين، من دون تسجيل إصابات، في هجوم هو الأول من نوعه على منشأة حكومية سورية منذ مارس/آذار الماضي.

أهمية الضربة لا تأتي فقط من طبيعة الهدف، وإنما من موقعه، فمطار أبو الظهور يقع في شمال غرب سوريا، بعيداً عن الحدود الإسرائيلية، لكنه قريب نسبياً من الحدود التركية، ولذلك فإن اختيار هذه القاعدة تحديداً يختلف عن نمط الضربات الإسرائيلية السابقة التي تركزت في جنوب سوريا أو على منشآت مرتبطة بإيران او غيرها، هنا تدخل تركيا بصورة مباشرة في الحسابات الإسرائيلية، وهو ما تؤكده التغطية الإعلامية الإسرائيلية نفسها؛ فقد عرضت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» الرواية الرسمية التي قدمها مكتب بنيامين نتنياهو، ومفادها أن دمشق كانت على وشك السماح بانتشار قوات تركية في القاعدة، وأن إسرائيل حذرت مسبقاً من أن مثل هذا الانتشار يمثل تهديداً لأمنها.

وهذه الرواية تكشف جوهر المشكلة من وجهة النظر الإسرائيلية: تركيا لم تعد مجرد دولة مجاورة لسوريا، وإنما أصبحت قوة مؤثرة في إعادة بناء الدولة السورية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، ولذلك فإن إسرائيل لا تنظر إلى الوجود التركي في سوريا باعتباره شأناً سورياً–تركياً خالصاً، بل باعتباره تطوراً يمكن أن يغير ميزان القوى الإقليمي.

وتزداد دلالة الضربة بسبب توقيتها، فقد تحدثت مصادر سورية عن زيارة وفد عسكري تركي للموقع قبل ساعات من القصف، وهو ما يجعل توقيت الغارات أكثر حساسية، حتى وإن لم تؤكد أنقرة رسمياً وجود قوات تركية في القاعدة، وبذلك يبدو أن إسرائيل أرادت، في الحد الأدنى، إرسال رسالة إلى أنقرة بأن إعادة بناء البنية العسكرية السورية بدعم تركي لن تتم بعيداً عن عينها أو من دون حساب ردها.

لكن اختزال الضربة في مواجهة إسرائيلية–تركية سيكون أيضاً قراءة ناقصة، فهناك رسالة موازية موجهة إلى دمشق: إعادة بناء الجيش السوري وسلاح الجو ليست مسألة متروكة بالكامل للقرار السوري، فالمطار كان خارج الخدمة لسنوات طويلة، واستهداف مدرجه ومنشآت التخزين في اللحظة التي بدأت فيها سوريا استعادة بعض بنيتها العسكرية يبعث برسالة واضحة مفادها أن إسرائيل تريد منع أي إعادة بناء عسكري سوري يمكن أن يتحول مستقبلاً إلى قدرة استراتيجية مستقلة، وتشير تحليلات إلى أن الضربة قد تكون رسالة لمنع إعادة بناء سلاح الجو السوري تحديداً.

وهنا تظهر واحدة من أهم مفارقات المشهد السوري الجديد، فتركيا تقول إنها تريد دعم استقرار سوريا وإعادة بناء مؤسساتها، بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية، بينما ترى إسرائيل في هذا المسار احتمالاً لقيام دولة سورية أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها، خصوصاً إذا حصلت على دعم تركي، ولذلك فإن ما يجري ليس صراعاً على مطار واحد، وإنما صراع على شكل الدولة السورية المقبلة ومن يملك حق التأثير في قوتها العسكرية.

من هذه الزاوية، تبدو سياسة إسرائيل في سوريا أقرب إلى عقيدة «المنع المبكر»: عدم انتظار تحول المنشأة إلى قاعدة عسكرية مكتملة أو انتظار إعادة بناء منظومة جوية سورية، بل ضربها قبل أن تصبح

ورقة قوة، وهذا ما يجعل الضربة مختلفة عن عملية عسكرية تقليدية؛ فهي لا تستهدف تهديداً قائماً بالضرورة بقدر ما تستهدف احتمالاً مستقبلياً تعتبره إسرائيل غير مقبول.

أما الرسالة إلى تركيا فهي أكثر وضوحاً، فالضربة تقول لأنقرة إن إسرائيل لن تقبل بسهولة بإنشاء بنية عسكرية تركية واسعة داخل سوريا، خصوصاً في المناطق الشمالية، وقد تناولت وسائل إعلام إسرائيلية الضربة باعتبارها رسالة مباشرة إلى الأتراك، فيما تحدثت تقارير أخرى عن أن العملية تأتي في سياق التنافس المتزايد بين البلدين على النفوذ داخل سوريا.

وهذا يعني أن سوريا قد تتحول تدريجياً إلى ساحة احتكاك غير مباشر بين قوتين إقليميتين كبيرتين: تركيا وإسرائيل، فأنقرة تريد أن تكون لاعباً رئيسياً في صياغة سوريا الجديدة، بينما تريد إسرائيل منع ظهور قوة إقليمية منافسة على حدودها الشمالية الشرقية، خصوصاً إذا ارتبطت هذه القوة بإعادة بناء الجيش السوري.

واللافت أيضاً أن الولايات المتحدة وجدت نفسها في موقف محرج، فواشنطن تعمل على إنشاء آلية لتفادي الاحتكاك بين إسرائيل وسوريا وتركيا، في حين وصف مبعوثها توم باراك الضربة بأنها «تصعيد غير ضروري»، وهذا يعني أن إسرائيل اختارت تنفيذ العملية رغم وجود مسار دبلوماسي أميركي يفترض أن يضبط التوتر بين الأطراف الثلاثة.

وهنا يبرز سؤال أكبر: هل تريد إسرائيل فقط حماية أمنها، أم أنها تحاول فرض قواعد جديدة في سوريا؟

إذا كانت المسألة تتعلق بمنع قاعدة عسكرية تركية محددة، فإنها قد تنتهي بتفاهمات بين أنقرة ودمشق وتل أبيب، أما إذا كان الهدف الأوسع هو منع تركيا من ترسيخ نفوذها، ومنع سوريا من إعادة بناء جيشها في الوقت نفسه، فإننا نكون أمام مرحلة مختلفة تماماً؛ مرحلة تحاول فيها إسرائيل رسم الحدود العسكرية لسوريا الجديدة من خارجها.

الأخطر أن هذا المنطق يضع السيادة السورية أمام اختبار حقيقي، فإذا أصبح من حق إسرائيل تحديد أي مطار يمكن لسوريا إعادة تشغيله، وأي قاعدة يمكن إعادة تأهيلها، وأي تعاون عسكري مع دولة أخرى يمكن السماح به، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة بضربة جوية فقط، بل تصبح مرتبطة بالسؤال الأساسي: من يقرر مستقبل الأمن السوري؟ دمشق أم تل أبيب؟

أما تركيا، فقد رفضت الرواية الإسرائيلية بشدة، ووصفت الادعاءات المتعلقة بوجودها العسكري بأنها غير قابلة للتبرير، مؤكدة دعمها لاستقرار سوريا، كما اعتبرت أنقرة الضربة عملاً غير قانوني ومحاولة لتبرير سياسة إسرائيلية توسعية ومزعزعة للاستقرار.

وبالتالي، فإن الرد التركي سيكون العامل الأهم في تحديد مسار المرحلة المقبلة، تركيا لا تبدو راغبة في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل ضرب منشأة سورية ترتبط بمشروع إعادة بناء الدولة التي تدعمها، ومن هنا قد تلجأ أنقرة إلى زيادة دعمها السياسي والعسكري لدمشق، وتوسيع قنوات التنسيق معها، وربما العمل مع واشنطن لمنع إسرائيل من فرض أمر واقع جديد.

أما دمشق، فتجد نفسها أمام معادلة صعبة: فهي تحتاج إلى الدعم التركي، لكنها لا تريد أن تتحول سوريا إلى ساحة صراع تركي–إسرائيلي، وفي الوقت ذاته تحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها العسكرية كي تستعيد جزءاً من سيادتها وقدرتها على حماية أراضيها.

لهذا فإن قصف أبو الظهور قد يكون بداية مرحلة جديدة في سوريا، عنوانها ليس فقط الصراع على الأرض، وإنما الصراع على من يملك حق تشكيل القوة السورية ومستقبلها العسكري.

لقد انتهى عصر كانت فيه إسرائيل تبرر ضرباتها في سوريا أساساً بمنع نقل السلاح الإيراني إلى حزب الله ، واليوم يظهر عنوان جديد أكثر تعقيداً: منع إعادة بناء القدرات العسكرية السورية، ومنع تحول تركيا إلى القوة الخارجية الأكثر نفوذاً في سوريا.

وفي المحصلة، فإن مطار أبو الظهور قد يكون مجرد بداية، فإذا استمرت إسرائيل في استهداف المنشآت السورية التي يجري تأهيلها، أو إذا قررت تركيا تحويل دعمها لدمشق إلى حضور عسكري أكثر وضوحاً، فإن سوريا ستصبح أمام معادلة خطيرة: دولة تحاول إعادة بناء نفسها، وإسرائيل تريد منعها من استعادة قوتها، وتركيا تريد أن تكون شريكها الرئيسي في إعادة البناء.

ومن هنا فإن السؤال لم يعد: لماذا قصفت إسرائيل مطار أبو الظهور؟

السؤال الأهم هو: هل بدأت إسرائيل وتركيا صراع النفوذ على سوريا الجديدة؟

إذا كان الجواب نعم، فإن ضربة أبو الظهور لن تكون مجرد غارة جوية، بل قد تكون أول إنذار علني بأن المعركة على مستقبل سوريا دخلت مرحلة جديدة؛ مرحلة تتصارع فيها المشاريع الإقليمية فوق أرض سورية، بينما تحاول دمشق أن تستعيد قرارها وسيادتها وسط هذه التجاذبات.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن