27.72°القدس
27.57°رام الله
26.66°الخليل
29.44°غزة
27.72° القدس
رام الله27.57°
الخليل26.66°
غزة29.44°
الثلاثاء 25 اغسطس 2026
4.09جنيه إسترليني
4.23دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.5يورو
3دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.09
دينار أردني4.23
جنيه مصري0.06
يورو3.5
دولار أمريكي3

ست أوراق ميتة في صندوق الاقتراع

كتب/ عيسى قراقع

بتاريخ 11.8.2026 وبتوقيت فلسطين، أفرج عن الأسير احمد عبد الكريم السيقلي، سكان خانيونس من سجون الاحتلال بعد عامين قضاهما وسط الجحيم، لم يجد أطفاله الستة أحياء، وجدهم في شهادات الوفاة، قضوا في قصف اسرائيلي استهدف منزلهم يوم 18كانون الاول 2023، ليواجه ما هو أصعب من السجن: الفقد الواسع في القلب، وفي مقبرة كبيرة اسمها غزة.

عندما علق المجرم ابن غفير صور غزة المدمرة على جدران السجون قال للأسرى: لم يعد لكم مكان ولا عائلة ولا وطن، أنتم وأولادكم تحت الركام، هنا تحت التعذيب والتجويع والاخفاء، وهناك تحت وابل النيران والغارات ومحو إنسانية الإنسان، وقد حاول الأب السجين أن يتعرف على بيته في الصور، وان يجد ملامح حياة أو حتى أشلاء، لم يجد ما يدل على ان أحدا ينتظره سوى الأنقاض.

لقد نجا من السجن فوجد نفسه أسيرا مرة أخرى، لم يجد أطفاله وأحبابه، لم يسمع صوتهم وحكاياتهم، عاد إلى مدينة من خراب ومقابر وجثث مبعثرة وضائعة، لا دموع حتى للوداع، وكيف للذاكرة أن تستيقظ وكل شيء ينجرف إلى النسيان؟

احمد عبد الكريم واحد من آلاف الاسرى الذين لم يصدقوا أنهم بقوا على قيد الحياة، السجون حجرات للموت وحظائر للإعدام، الأب مات ألف مرة في الزنزانة ضربا وقهرا واذلالا ومرضا، وأولاده يقتلون في أبشع إبادة دموية سحقت آلاف العائلات، ويسأل احمد هل فعلا خرجت من السجن ام لا زلت احترق في هذا الصمت الموحش في عالم ضميره من فحم؟

خرج احمد هيكلاً عظميا وفي يده بابٌ مفتوح واحلام، وفي قلبه سنوات قاسية من الانتظار، وظنّ أن أول ما سيفعله هو أن يبحث عن وجوه أطفاله، أن يسمع ضجيجهم، أن يضمّهم واحداً واحداً، وأن يعوّضهم عن سنوات الغياب التي سرقها السجن من عمرهم وعمره، لكنه لم يجد غزة، ولا أطفاله في البيت، وجدهم في شهادات الوفاة، ارقام في سجل الموتى والمجازر المستمرة، صدى واسمنت وطائرات ولحم وعظم ودماء، صرخات لم تنقطع، جثث لم تجف، قيود أخرى في الروح، الجلاد يلاحقه بالهراوة والقنبلة والصاروخ والسكين والليل الثقيل، لا خيار أمامه سوى أن يظل فلسطينيا حتى الموت وحتى يصدا القيد.

ست شهادات لستة أطفال قتلهم القصف، ينضمون إلى نشيد السماء، المشانق في السجون، المشانق في العقول وعلى الشرفات وفي الطرقات، اين السياسة والخيول وصهيل المفردات الصاخبة؟ يسأل احمد وهو يموت على مهل دون انين مسموع، يزرع وردا على القبر دون تراب ولا ماء.

يحمل احمد شهادات وفاة ابنائه الستة ويتوجه إلى تجار الشعارات واللغة السميكة وزبائن الشاشات: تركتموني في السجن لأخرج من مذبحة إلى مذبحة، لا حماية ولا عدالة ولا صرخة، لا بحر هنا ولا سفينة، خيمة فوق الرياح، موت على موت أراه، كل الجمل الثورية سقطت، مات الأولاد، لكن هل يموت الوطن الذي حملناه فوق الرفات؟

انا حر في جسدي مأسورا إلى الأبد، انتهت مدة السجن لكن لم تنته الجريمة، الحرية ليست هي الأبواب التي تفتح، بل هي أن تجد من تحب في فضاء الامنيات، الحرية شمس عالية لا تحجب بالحديد ولا تغطى في كفن، تحرك مفتاح السجن قليلا فأصبح الموت يملك مفتاح قلبي وياسرني الزمن.

ما أكثر السجون التي تقود طرقاتها إلى أضرحة، وما أكثر الكلام الذي لم يستمع إلى غزة وامواجها الجارحة، خلف كل شهادة وفاة اسم وسرير ودفتر وحذاء ومدرسة، صمت مدوي يحيط بالمشهد وبالأجساد المتقطعة، فمن يدلني على اغنية من رمل وحبق، لأستعيد ما تبقى من ذكريات بيتي الذي احترق؟

سأذهب إلى صندوق الاقتراع في الانتخابات القادمة، يقول احمد، معي ستة أوراق، وست اسئلة معلقة، معي ستة أرواح تعود من موتها ويأسها، ولتكن جنازة وقيامة، الشهداء قد يكونوا قد شطبوا من السجل المدني لكنهم ليسوا مشطوبين من السجل الوطني والذاكرة، الشهداء والأسرى قد يكونوا شطبوا من البنك الدولي والدول المانحة، بالقنابل والضغوطات والتنازلات وبخريف النفوس الخائفة، لكنهم عادوا من الغبار ومن سورة الفاتحة، سيشاركون في الانتخابات، الشهداء موجودون في اسماء الشوارع، وفي جدران المخيمات، في ذاكرة الأمهات، وفي الآيات المباركات، في صورهم المعلقة في البيوت وعلى أشجار الصلوات، وعلينا أن نجمع اصوات الموتى من المدافن والصور، ونعتق الاسرى من النسيان لتملأ هذا الفراغ، ونحول قضيتهم إلى برنامج للأحياء، ونولد ثانية من كل موت سبق .

الشهداء دائما هم من يحررون الأحياء، فهل ينتخب الأحياء الشهداء والأسرى ويحررون الأمل؟ ويمشي احمد والى جانبه أولاده في الطريق الطويل من غزة حتى جنين، لتتضح المسافة بين قتيل وقتيل، غزة والضفة توأمان من بطن أرض يلمعها الضوء والبرتقال وعسل النخيل.

ابنائي الشهداء الستة سيصوتون، حتى يصبح الصندوق طريقا لاستعادة الإرادة والشرف النبيل، وحتى لا ينفصل الصندوق عن هدف الحرية بين خانيونس والخليل، لهم اصوات وارض وام واب وكواشين ميلاد، لهم ما لم تدركه الإبادة من حواس وافكار، من أجل الماضي والحاضر والمستقبل، من أجل الاسرى وغزة والقدس والوحدة والسيادة ورائحة المكان، من أجل روحي الحزينة، من أجل غد لا ينتهي إلى حطام، من أجل الكرامة التي تستحق هذا الثمن.

ست أوراق تحمل في معناها آلاف الأصوات المكتومة ستدخل صندوق الاقتراع، هدير الشهداء والمعذبين، لا تحتاج إلى مرسوم او تعديل، الدم سيصوت ليخلق الحياة، هكذا يقول الناس البسطاء، لا خضوع لاشتراطات الدول الكبرى التي تسعى إلى تحويل الدم إلى ماء، وتحويل الموت إلى مشاريع لإصلاح وتأهيل حركات التحرر الوطني داخل ماكينة أرقام.

الأنقاض والمقابر والزنازين والفقراء والمشطوبون، الباعة والعمال والصادقون، اللاجئون والنازحون والمشردون، المقيدون والمنهكون على الحواجز والمعدومون، الخائفون والجوعى، سيدخلون إلى صناديق الاقتراع، قائمة واحدة من رفح حتى مسافر يطا، ومن سجن مجدو حتى سجن نفحة، جسد واحد ودمعة واحدة، الوطن ليس ملكا عقاريا لأحد ولا جدولا احصائيا، الوطن هو الذين رحلوا والذين بقوا، السجان يخرج وتدخل الحرية، الموت يذهب وتأتي الحياة.

ست أوراق ميتة كفيلة أن تمنع تحويل الانتخابات إلى عملية لاستبعاد الذين لا يستطيعون الكلام، حقوق الاسرى والشهداء هي اهم معيار للانتخابات التي تجري تحت إطلاق النار، ست أوراق ميتة كفيلة أن تمنع بعض الأحياء من تزوير التاريخ باسم الموتى، أو تحويل صورهم إلى مجرد دعاية وملصق في برنامج انتخابي.

ست أوراق ميتة من غزة حتى قرية قصرة، جغرافيا مسيجة، منازل مدمرة، احلام مؤجلة، انتخابات مقيدة، لكني أرى رياحا تهب وألف ألف عاصفة.

المصدر: فلسطين الآن