29.48°القدس
29.24°رام الله
28.36°الخليل
30.48°غزة
29.48° القدس
رام الله29.24°
الخليل28.36°
غزة30.48°
الثلاثاء 25 اغسطس 2026
4.09جنيه إسترليني
4.23دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.5يورو
3دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.09
دينار أردني4.23
جنيه مصري0.06
يورو3.5
دولار أمريكي3
اسماعيل الريماوي

اسماعيل الريماوي

حين يصبح الحكم ملكية خاصة: ثلاثون عاماً من التفرد ثم الخوف من الصندوق

لسنوات طويلة، عاش الفلسطينيون واقعاً سياسياً اتسم بالتفرد واحتكار القرار وتداخل السلطة والحزب، حتى أصبح الحديث عن الشراكة السياسية والديمقراطية الحقيقية أقرب إلى شعار منه إلى ممارسة فعلية.

لكن المفارقة اليوم أن من أمضى أكثر من ثلاثة عقود في إدارة المشهد السياسي منفرداً، وتوزيع مواقع النفوذ والوظائف والمناصب، بدأ يتحدث عن «الإقصاء» و«الاستفراد» عندما شعر أن قوى وشخصيات مختلفة تتكتل لخوض الانتخابات ومنافسة السلطة القائمة.

فهل أصبح التنافس الديمقراطي إقصاءً؟ وهل أصبح تشكيل قائمة انتخابية تضم قوى وفصائل وشخصيات معارضة جريمة سياسية، بينما يُعتبر احتكار القرار لعقود أمراً طبيعياً؟

إذا أردنا فعلاً فتح دفتر الحساب، فعلينا أن نسأل: من استحوذ على مؤسسات السلطة؟ ومن سيطر على مفاصل الإدارة والأجهزة الأمنية والوزارات والسفارات؟ ومن كان صاحب النفوذ الأكبر في التعيينات والترقيات والمواقع العامة؟ وكيف تحولت المحاصصة السياسية والانتماء التنظيمي، في نظر قطاعات واسعة من الفلسطينيين، إلى معيار مؤثر في الوصول إلى الوظيفة والموقع؟

لقد ارتبطت بنية السلطة على مدى سنوات طويلة بحضور طاغٍ لفصيل واحد فقط ، بينما بقيت المشاركة السياسية للفصائل الأخرى محدودة أو شبه غائبة في كثير من مؤسسات الحكم.

حتى الانتخابات المحلية لم تكن دائماً بمنأى عن هذا الواقع؛ فقد جرت استحقاقات انتخابية في ظروف حالت فيها الانقسامات السياسية أو قيود السلطة دون مشاركة جميع القوى، فيما شهدت بعض المجالس المحلية التعيين بدلاً من الانتخاب.

كل ذلك استمر لعقود، ثم عندما بدأت تظهر احتمالات لتشكيل تحالفات وقوائم انتخابية منافسة، ارتفعت نبرة التحذير والتباكي من «الاستفراد» و«الإقصاء».

وهنا يحق للمواطن الفلسطيني أن يسأل بصراحة: من الذي أقصى من؟ ومن الذي احتكر من؟

المشكلة ليست في أن تتنافس فتح أو حماس أو أي فصيل آخر، فالصندوق يجب أن يكون هو الحكم ، المشكلة أن يتحول الخوف من خسارة الانتخابات إلى محاولة لمنع المنافسين من الوصول إلى الصندوق، أو إلى وضع شروط تجعل الانتخابات مصممة مسبقاً على مقاس طرف واحد.

الديمقراطية لا تعني أن تفوز جهة معينة لأنها حكمت طويلاً، ولا تعني أن تبقى المناصب والكراسي حكراً على من سبق أن امتلكها، الديمقراطية تعني أن يذهب الفلسطيني إلى صندوق الاقتراع، ويختار من يراه قادراً على تمثيله، ثم تقبل جميع الأطراف النتيجة، أياً كانت.

فإذا كانت القيادة واثقة من شعبيتها، فلماذا الخوف من المنافسة؟ وإذا كانت الإنجازات خلال العقود الماضية كافية لإقناع الناس، فلماذا الخشية من قائمة انتخابية جديدة؟

فلسطين ليست ملكاً لحركة، ولا لحزب، ولا لفصيل، ولا لقيادة بعينها. فلسطين ملك لشعبه فقط .

والسلطة ليست إرثاً سياسياً، والمناصب ليست ملكيات شخصية، والوظيفة العامة ليست مكافأة تنظيمية، والانتخابات ليست وسيلة لتجديد شرعية جاهزة سلفاً.

بعد أكثر من ثلاثين عاماً، ربما آن الأوان لأن يُفتح دفتر الحساب الحقيقي: ماذا قدمت السلطة للشعب؟ ماذا حققت؟ ماذا أخفقت؟ أين ذهبت الأموال؟ لماذا تراجع الإيمان بالمؤسسات؟ ولماذا يشعر المواطن أن النخبة السياسية تعيش في عالم مختلف عن عالمه، بينما هو يواجه الاحتلال والاستيطان والغلاء والبطالة والحواجز والأزمات اليومية؟

المطلوب ليس تغيير الوجوه فقط، وإنما تغيير القاعدة السياسية نفسها: لا أحد فوق الصندوق، ولا أحد يملك فلسطين وحده.

فإذا كان الشعب هو مصدر الشرعية، فليُترك له أن يقرر.

وعندها فقط سنعرف من يملك ثقة الفلسطينيين، ومن كان يملك فقط مفاتيح السلطة.

أما أن تُرفع راية الديمقراطية عندما تكون النتيجة مضمونة، ثم يُرفع شعار «الإقصاء والاستفراد» عندما تلوح إمكانية الخسارة، فهذه ليست ديمقراطية، بل خوف من الديمقراطية.

والسؤال الذي سيبقى مطروحاً: هل تكفيهم أكثر من ثلاثة عقود من السلطة والمناصب والنفوذ، أم أن فلسطين تحولت في نظر البعض إلى مزرعة سياسية خاصة لا يحق للشعب أن يختار من يديرها؟

المصدر / المصدر: فلسطين الآن