إلى أين وصلنا؟
أن يخرج مسؤولٌ في حكومة الاحتلال أمام العالم، علناً ومن دون خجل، ليدعو إلى قتل عشرات البشر في غزة كل ليلة، ويتحدث عن أناسٍ وكأنهم «لا يستحقون الحياة»، فهذه ليست مجرد عبارةٍ سياسية يمكن أن تمرّ كغيرها من التصريحات. إنها لحظةٌ تكشف إلى أيِّ حدٍّ يمكن أن ينحدر الخطاب السياسي حين تُنتزع من الإنسان إنسانيته، ويُختزل وجوده إلى رقمٍ في حصيلة الموت.
أيُّ عقلٍ يقبل أن يصبح قتل البشر رقماً في حديث مسؤول؟ وأيُّ ضميرٍ إنسانيٍّ يستطيع أن يسمع مثل هذا الخطاب ثم يواصل الصمت؟
الحياة ليست امتيازاً تمنحه الحكومات، ولا حقّاً يقرره جيشٌ أو مسؤول. وكرامة الإنسان وحياته ليستا ورقةً على طاولة التفاوض، ولا مسألةً تخضع لموازين القوة. فالطفل في غزة، كما الطفل في أيِّ مكانٍ في العالم، وُلد ليعيش، لا ليصبح رقماً في قائمة الضحايا.
وهنا يتجاوز السؤال حدود غزة نفسها، ليصل إلى جوهر ما تبقّى من معنى للسلام:
كيف نتحدث عن السلام، بينما يُسمح بخطابٍ ينزع عن الفلسطيني حقَّه في الحياة؟
أيُّ سلامٍ يمكن أن يُبنى فوق الخوف والقتل؟ وأيُّ مفاوضاتٍ يمكن أن تنجح حين يصبح الحديث عن قتل المدنيين جزءاً من الخطاب السياسي، وحين يتحول الموت إلى وسيلةٍ لإدارة الصراع وفرض الوقائع؟
السلام الحقيقي لا يبدأ من طاولة المفاوضات وحدها، بل من الاعتراف بالإنسان أولاً، وبحقِّه في الحياة والكرامة والأمان. قد نختلف في السياسة والحدود والأمن والمصالح، وقد تتباين الرؤى حول سبل إنهاء الصراع، لكن هناك حقيقةً لا ينبغي أن تكون موضع خلاف: حرمة الحياة البشرية ليست قضيةً سياسية.
أهل غزة ليسوا أرقاماً في نشرات الأخبار، ولا صوراً عابرةً على شاشات العالم. هم أطفالٌ ونساءٌ ورجال، لهم أسماءٌ وبيوتٌ وذكرياتٌ وأحلامٌ وحياةٌ كان ينبغي أن تستمر.
وفي هذا المشهد، لا تقع المسؤولية على من يطلق خطاب الكراهية والتحريض وحده، بل تمتد أيضاً إلى عالمٍ يخاطر بأن يعتاد سماعه. فحين تصبح الدعوة إلى قتل البشر لغةً مألوفةً في الخطاب السياسي، وحين تمرّ مأساة المدنيين أمام أعين العالم وكأنها خبرٌ عابر، فإن الخطر لا يعود محصوراً في غزة، بل يصيب المعنى الذي قامت عليه فكرة القانون والعدالة وحقوق الإنسان.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسانية ليس أن ترى الموت فحسب، بل أن تعتاده؛ أن يصبح مشهد الطفل المقتول أقل إثارةً للدهشة من مشهدٍ سياسي جديد، وأن تتحول معاناة العائلات إلى أرقامٍ تتراجع قيمتها كلما طال أمد الحرب.
غزة لا تحتاج إلى مزيدٍ من البيانات التي تُدان فيها المأساة ثم تُطوى صفحاتها، بقدر ما تحتاج إلى عدالةٍ تحمي الإنسان، وإلى حمايةٍ حقيقية للمدنيين، وإلى عالمٍ لا يزن الدماء بميزان السياسة، ولا يفرّق بين حياةٍ وحياة.
لقد دفعت غزة ثمناً يفوق قدرة الكلمات على وصفه. أمهاتٌ يدفنَ أبناءهن، وآباءٌ يبحثون بين الركام عن أثرٍ لمن أحبوا، وأطفالٌ يكبرون على أصوات القصف بدلاً من أصوات المدارس واللعب. عائلاتٌ تنتظر من العالم شيئاً بسيطاً، لكنه يبدو اليوم بعيداً: كلمةً واضحة تقول إن حياتهم ليست أقل قيمةً من حياة أيِّ إنسانٍ آخر.
وقد تنتهي الحرب يوماً، لكن الذين رحلوا لن يعودوا. والبيوت التي هُدمت لن تستعيد دفء أهلها بسهولة، والقلوب التي فقدت أبناءها ستظل تحمل غيابهم إلى آخر العمر.
وفي مدينةٍ أنهكها الموت، يبقى السؤال معلّقاً في وجه العالم، لا بوصفه سؤالاً سياسياً فحسب، بل بوصفه اختباراً للضمير:
عن أيِّ سلامٍ نتحدّث، إذا كان الإنسان لا يزال يُقتل لأنه فلسطيني؟
غزة لا تطلب أن يُنظر إليها بعين الشفقة، بل بعين الإنسانية.
ولا تطلب امتيازاً لا يُمنح لغيرها، بل حقّاً بسيطاً ينبغي أن يكون مشتركاً بين جميع البشر: أن يعيش أطفالها، وأن يأمن أهلها، وأن يكون للإنسان فيها، كما في كل مكانٍ آخر، الحقُّ في أن يولد ويعيش ويحلم دون أن يتحول إلى هدف.
ستنتهي الحرب يوماً، لكن السؤال الذي سيبقى أطول من الحرب نفسها هو: ماذا فعل العالم حين كان الموت يُعلن عنه، وحين كان الإنسان يُجرَّد من إنسانيته أمام عينيه؟
إن السلام الذي لا يحمي الحياة ليس سلاماً، والعدالة التي لا تشمل الجميع ليست عدالة.
أما غزة، فستبقى شاهدةً على زمنٍ كان فيه العالم أمام امتحانٍ إنسانيٍّ واضح؛ امتحانٍ لا يُقاس بما قيل في المؤتمرات، بل بما فُعل حين كان الأطفال ينتظرون أن يُسمح لهم ببساطة… أن يعيشوا.
