في ذروة حالة الاستقطاب الإسرائيلي، يواصل رئيس حزب "يشار"، الجنرال غادي آيزنكوت صعوده في استطلاعات الرأي على حساب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، فيما لا يخفي منافسوه في كتلة المعارضة انزعاجهم من حصاده المتسارع في تأييد الإسرائيليين، لاسيما نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، مما قد يعيد الى الأذهان فرضية عدم حسم أي معسكر لنتيجة الانتخابات، أو سيناريو التناوب على مقعد رئيس الحكومة.
في التفاصيل، فإن آخر استطلاعات الرأي منحت آيزنكوت 23 مقعدًا، بينما انخفض الليكود إلى 21 مقعدًا، وتراجع بينيت إلى 14 مقعدًا، وانخفضت كتلة نتنياهو إلى 48 مقعدًا. وفيما يتعلق برئاسة الوزراء، يتقدم إيزنكوت بنسبة 49% مقابل 38% لنتنياهو الذي خسر أمام آيزنكوت في مسألة الأهلية لرئاسة الوزراء، حيث أجاب 55% من الناخبين بأن يكون الأخير المرشح الأبرز لهذا المنصب.
حكومة التناوب
مع أن واقع السياسة الإسرائيلية، لاسيما بعد تجربة حكومة بينيت-لابيد، أثبت أن عدد المقاعد ليس بالضرورة هو الفيصل، ويدرك آيزنكوت هذا الخطر جيدًا، لهذا السبب، لا يكتفي بالتقدم في الاستطلاعات، بل يسعى لترسيخ قاعدة قبل الانتخابات تقضي بأن يكون رئيس أكبر حزب هو رئيس الوزراء.
في الوقت ذاته، ورغم ازدياد قوة آيزنكوت، لكن خصومه سواء من داخل كتلة المعارضة، أو من الائتلاف، يركزون في الهجوم عليه بشكل متزايد على افتقاره للخبرة السياسية والدبلوماسية مقارنة بهم، سواء في المواقع الحكومية العليا، في وزارات الخارجية والحرب والمالية، في حين أن آيزنكوت لم يشغل أياً من هذه المناصب منذ أن خلع بزته العسكرية قبل سنوات.
رغم ذلك، يسعى آيزنكوت لتسويق نفسه كبديل مباشر لنتنياهو، من خلال محاولاته المستمرة لانتزاع مقاعد من شركائه، مُظهِرا حرصه على أن يكون هدفه العام لصالح الدولة أسمى من مصالحه الشخصية.
مستجد لافت شهدته الحلبة السياسية الحزبية تعلقت برفض رئيس جهاز الأمن العام- الشاباك، ديفيد زيني، المقرب من نتنياهو، توفير حماية أمنية كافية لآيزنكوت، رغم تلقيه تهديدات من جهات عديدة، في الداخل والخارج، مما دفع أوساطا حزبية لاعتبار القرار فضيحة سياسية، لأن يائير نتنياهو الذي يقضي إجازة استجمام طويلة في ميامي يتمتع بالحماية الكاملة من الشاباك، أما آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، فهو غير مؤمّن، رغم أنه بحاجة للحماية، مما يجعل من القرار تصرفا غير مسؤول، ولا يخلو من رائحة حزبية، مصدرها الائتلاف ودائرة نتنياهو الضيقة.
استقطاب المترددين
لم يعد سرَّا أن نتنياهو يعتبر آيزنكوت الخطر الأكبر على استمرار حكمه، وهو ما يتضح في محتوى الحملات الانتخابية التي أطلقها الليكود، ووضع آيزنكوت في عين العاصفة من حيث كيل الاتهامات له، وما تضمنته المقابلات التي أجريت في جميع وسائل الإعلام المتاحة لأنصار نتنياهو ومساعديه، وهو ما قام به أيضاً آيزنكوت نفسه من خلال إجراء سلسلة من المقابلات المكثفة في محاولة منه للتأثير على قائمة المترددين في معسكري الائتلاف والمعارضة لاستقطابهم الى جانبه.
مع العلم أن ما رشح عن حملة آيزنكوت الانتخابية يشي بأنه يدرس إمكانية تشكيل حكومة تضم 58-59 عضوًا في الكنيست، دون الاضطرار لتحصيل 61 مقعدا، في حال عدم حصوله على دعم الأحزاب العربية، انطلاقًا من الاعتقاد بأن حتى حكومة أقلية أفضل من استمرار نتنياهو في منصبه، مما قد يمنح آيزنكوت الأغلبية اللازمة، لكنه سيكون أكثر صعوبة في القبول من الناحية العامة والسياسية بين الناخبين الصهاينة، رغم أن هناك عددا من حكومات الأقلية التي عرفتها دولة الاحتلال في تجارب سابقة، واتخذت العديد منها قرارات حاسمة.
ولعله من المفهوم ضمناً أن آيزنكوت، وحزبه المتصدر حاليًا في استطلاعات الرأي، يضم في كتلته الحزبية التي يقودها، أحزاب بينيت وليبرمان وغولان، وتحصد جميعها ما بين 58 و59 مقعدًا في معظم الاستطلاعات، قريبون من 61، لكن دون تحصيلها بعد، مما يجعل هدفه تحصيل عدد كافٍ من المقاعد لتشكيل ائتلاف يعتمد على الأغلبية في الكنيست.
وقد أثبتت الأسابيع الأخيرة قدرة آيزنكوت على استقطاب المزيد من الناخبين من اليمين، في محاولة لتجاوز عتبة الـ61 مقعدًا، لكن إن لم يتحقق ذلك، فهناك سبيل آخر أمامه، لا يفضله، لكنه أفضل من بقاء نتنياهو في موقعه الحالي الممتد قرابة عشرين عاما، حيث لا يشترط القانون 61 مقعدًا لتشكيل حكومة، بل يكفي أغلبية المشاركين في التصويت، يمكن تشكيل الحكومة، على سبيل المثال، بنتيجة 59 مقابل 50.
إزاحة نتنياهو
المقربون من آيزنكوت يتحدثون عن نيته الجادة لإنهاء الحكم الطويل لنتنياهو، حتى لو واجهت حكومته الأقلية صعوبة في البقاء، وحتى لو تم حل الكنيست بعد ذلك بفترة وجيزة، والتوجه لانتخابات إضافية، فإن نقطة البداية ستتغير، حيث سيكون آيزنكوت رئيس الوزراء المؤقت، وليس نتنياهو، صحيح أنه لا يروق للجمهور الإسرائيلي فكرة حكومة أقلية، ويبدو من السهل فهم السبب، لأنها تفتقر للشرعية الكافية، لكن البديل أن يستمر نتنياهو في العمل كرئيس وزراء تصريف أعمال، وهذا كابوس لدى آيزنكوت وفريقه.
قد يكون من المبكر اليوم، وقبل 60 يوماً من توجه الإسرائيليين الى صناديق الاقتراع الجزم بنجاح آيزنكوت على نتنياهو، وفرصه بتشكيل الحكومة القادمة، لأن شهرين مدة زمنية كافية لإجراء المزيد من التحالفات الحزبية، وانهيار أخرى، وإمكانية استغلال نتنياهو لتطورات سياسية وعسكرية بعينها لترجيح كفته الانتخابية.
هنا يظهر العامل الخارجي ممثلا في الإدارة الأمريكية التي لا تخفي رغبتها باستبدال نتنياهو الذي اتهمته وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون بالتسبب بخسارة إسرائيل لتحالفاتها الدولية، وفي الوقت ذاته فإن إعلان آيزنكوت معارضته لإقامة دولة فلسطينية قد تخفف من حماس واشنطن تجاهه.
