إلى الشمال الغربي من مدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية المحتلة، وعلى بعد كيلومترات قليلة منها، تشهد منطقة "المسعودية" الأثرية، التي تعد شاهدة على أكثر من قرن من تاريخ فلسطين، بما تضمه من مبانٍ عثمانية قديمة وما تبقى من قضبان سكة حديد الحجاز، واحدة من أشرس عمليات التهويد التي تنفذها عصابات المستوطنين بدعم مطلق من المنظومة السياسية والعسكرية الإسرائيلية.
لكن هذا المكان، الذي ظل لسنوات متنزهاً عاماً ومقصداً للعائلات والمتنزهين، تحول اليوم إلى إحدى بؤر الصراع المفتوح مع الاستيطان، في ظل تصاعد محاولات السيطرة عليه وإعادة صياغة تاريخه وهويته. وتقع المسعودية عند مفترق طرق حيوي شمالي نابلس، وتتداخل أراضيها بين قرى برقة ورامين وسبسطية، فيما تبلغ مساحة موقع المحطة التاريخية نحو 26 دونماً.
وتكمن أهمية المكان في موقعه الجغرافي الذي يربط شمال الضفة الغربية بمدينة نابلس، إلى جانب ارتباطه التاريخي بشبكة السكك الحديدية التي كانت تصل فلسطين بمدن بلاد الشام. ويضم الموقع محطة قطار عثمانية قديمة كانت جزءاً من شبكة سكة حديد الحجاز، قبل أن تصبح لاحقاً محطة مهمة على خط نابلس-طولكرم. وبدأ تشغيل المحطة في أوائل ديسمبر/ كانون الأول عام 1914، ولعبت دوراً في ربط نابلس بالمدن الفلسطينية وبلاد الشام، فيما تشير الروايات التاريخية إلى أن الخط كان جزءاً من مشروع أوسع لربط مناطق الدولة العثمانية.
وبعد توقف حركة القطارات، بقيت المحطة ومحيطها شاهدين على مرحلة مهمة من تاريخ فلسطين، قبل أن تتحول المنطقة تدريجياً إلى متنزه عام يقصده أهالي نابلس والقرى المحيطة. وشكلت المسعودية نقطة انطلاق لمسارات المشي والتنزه، وارتبطت في ذاكرة الزوار بالطريق المؤدي، عبر مسار السكة الحديدية القديمة، باتجاه "نفق بلعا"، نسبة إلى البلدة القريبة منه، في رحلة تجمع بين الطبيعة والتاريخ.
ويقول الناشط في مقاومة الاستيطان دياب حجة، إن أهمية المسعودية لا تقتصر على موقعها الأثري والترفيهي، إذ تضم المنطقة بئراً رئيسية للمياه تابعة لبلدية نابلس، وتعد من المصادر الحيوية التي تغذي شبكة المياه في المدينة والقرى المجاورة. وقد بدأ تشغيلها عام 2010، وتسهم خلال فصل الصيف بما يراوح بين 25 و30 في المائة من إجمالي إنتاج المياه لمدينة نابلس.
ويشير حجة، الذي يقع منزله بمحاذاة المسعودية، إلى أن المنطقة أصبحت خلال الفترة الأخيرة تحت ضغط استيطاني متواصل، انعكس مباشرةً على حياة السكان القريبين منها. فقد تعرض منزله لهجمات متكررة من المستوطنين، ما دفعه إلى اتخاذ إجراءات حماية غير مألوفة، وتحويل محيطه إلى ما يشبه "سجناً صغيراً"، عبر تركيب بوابة كهربائية وإحاطته بالأسلاك الشائكة، خوفاً من الاعتداءات والاقتحامات.
ويلفت حجة إلى أن وجود البؤر الاستيطانية في محيط "المسعودية" لم يعد يقتصر على الاستيلاء على الأراضي، بل تحول إلى وسيلة ضغط مباشرة على الفلسطينيين، من خلال الاعتداءات وملاحقة السكان والمزارعين ومحاولة فرض واقع جديد في المنطقة.
وتصاعدت الاعتداءات أخيراً لتطاول البنية التحتية، إذ أقدم مستوطنون، قبل أيام فقط، على قطع عمود كهرباء والكيبل الرئيسي المغذي للحي السكني. وحين حاول مجلس قروي برقة، التي تتبع لها المسعودية، إعادة وصل الخط، تعرض العاملون لهجوم من المستوطنين، ما حال دون إصلاحه وإعادة التيار الكهربائي. كذلك لاحق مستوطنون حراس بئر المسعودية، وحاولوا الدخول إليها، في تطور يثير مخاوف متزايدة بشأن استهداف أحد أهم مصادر المياه في شمال الضفة الغربية.
خنق التجمعات
ويقول عضو مجلس قروي برقة سامي دغلس، إن المسعودية تمثل أهمية استثنائية للقرى المحيطة، ليس فقط بسبب موقعها التاريخي، بل لأنها تشكل امتداداً جغرافياً واقتصادياً وزراعياً لأهالي المنطقة. ويؤكد دغلس أن السيطرة الاستيطانية على المسعودية تعني عملياً خنق التجمعات الفلسطينية المحيطة، وحرمان المزارعين أراضيهم، فضلاً عن تهديد المتنزه العام والموقع الأثري الذي ظل لعقود متنفساً لأهالي نابلس وشمال الضفة الغربية.
ويشير دغلس إلى أن المستوطنين يستخدمون الاعتداءات اليومية لفرض واقع جديد، مستشهداً بطرد عائلة المواطن محمد بلوي من مسكنها، قبل مدة وجيزة، تحت تهديد السلاح، وسرقة أدوات زراعية من المنطقة. وشهدت المسعودية اعتداءات أخرى، بينها مهاجمة مستوطنين لزوار أحد المنازل هناك، مستخدمين غاز الفلفل، وتحطيم مقدمة المركبة التي كان يستقلها الزوار.
تغيير الطابع الجغرافي
ويرى الباحث في مكتب أبحاث الأراضي محمود الصيفي، أن ما يجري في المسعودية يتجاوز الاعتداءات الفردية، ويأتي ضمن مشروع استيطاني أوسع يستهدف تغيير الطابع الجغرافي والتاريخي للمنطقة. ويقول الصيفي إن الموقع أصبح هدفاً بسبب مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها موقعه الاستراتيجي بين نابلس وجنين، وقربه من المواقع الأثرية في سبسطية، ووجود أراضٍ زراعية واسعة ومصادر مياه حيوية فيه.
ويؤكد الصيفي أن الاحتلال يسعى إلى توظيف الآثار والتراث غطاءً للسيطرة على الأراضي، ضمن مخططات لتحويل المنطقة إلى مواقع سياحية استيطانية مرتبطة بما يسمى "الحديقة التوراتية" أو "منتزه السامرة". ويشير الصيفي إلى أن خطورة تهويد المسعودية لا تكمن في السيطرة على مبنى محطة القطار وحده، بل في إعادة كتابة تاريخ المكان وفصله عن محيطه الفلسطيني، وربطه بسردية استيطانية جديدة.
وتزداد المخاوف مع الخطط الإسرائيلية التي تستهدف مناطق واسعة في محيط سبسطية والمسعودية، بما في ذلك مصادرة الأراضي وتوسيع السيطرة على المواقع الأثرية وتحويلها إلى وجهات سياحية إسرائيلية.
ويحذر الباحث من أن السيطرة على المسعودية قد تؤدي إلى عزل القرى الفلسطينية المحيطة، وخنق النشاط الزراعي، وتقليص مساحة الحركة الفلسطينية، إضافة إلى تهديد بئر المياه التي تعتمد عليها مدينة نابلس في تلبية جزء مهم من احتياجاتها. وبين مبنى المحطة العثمانية وبئر المياه والسهول الزراعية، تبدو المسعودية اليوم أكثر من مجرد موقع أثري؛ فهي مساحة تختصر جانباً من الصراع على الأرض والرواية والموارد.
وهكذا، تقف المسعودية، بمحطتها القديمة وسكتها التي كانت تصل نابلس ببلاد الشام، أمام فصل جديد من الصراع. فبينما تحاول إسرائيل تحويل المكان إلى جزء من رواية استيطانية وسياحية جديدة، يتمسك الفلسطينيون بتاريخ المنطقة باعتباره دليلاً حياً على هوية المكان وعلى حقهم في أرض لم تكن في يوم من الأيام مجرد محطة قطار، بل كانت جزءاً من حكاية فلسطين نفسها.
