يعيش عشرات آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة داخل خيام متلاصقة لا تفصل بينها سوى مسافات ضيقة، ما يجعل كل تفاصيل الحياة اليومية عرضة لأسماع الآخرين، فيما يفرض الاكتظاظ ظروفاً اجتماعية ونفسية لم تكن مألوفة في السابق، يفاقمها عدم العمل على توفير حلول، وتزايد معدلات اليأس المجتمعي.
لم تُفقد حرب الإبادة الإسرائيلية عائلات قطاع غزة منازلها فقط، بل انتزعت، مع الجدران، الفاصل الضروري بين الحياة الخاصة والعامة، الذي لا توفره الخيمة. وبينما يكافح النازحون لتأمين الماء والغذاء والأمان، فإنهم يواجهون معركة أخرى للحفاظ على الخصوصية والكرامة داخل قطعة قماش بالية يحتمون بها. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة تحولت الخيمة من مجرد مأوى مؤقت يحتمي فيه نازحو قطاع غزة من الدمار، إلى مساحة إجبارية للحياة بكل تفاصيلها بعد فقدان مئات آلاف العائلات منازلها بالكامل، أو جدران هذه المنازل وسقوفها، ما أفقدهم أحد أبسط حقوقهم الإنسانية، وهي الخصوصية.
وبحسب معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، استناداً إلى بيانات المنظومة الوطنية للإيواء، يبلغ إجمالي الأسر النازحة في قطاع غزة أكثر من 509 آلاف أسرة، بإجمالي عدد سكان يتجاوز 2.15 مليون نسمة، ويعيش هؤلاء جميعاً ظروفاً إنسانية قاهرة، فمن بينهم نحو مليون نازح يعيشون داخل مراكز الإيواء، بينما البقية يعيشون في خيام بدائية مهترئة داخل مخيمات عشوائية تفتقر إلى الخدمات الأساسية، أو فوق ركام منازلهم، أو على حواف الطرقات.
ولا تعكس هذه الأرقام حجم أزمة السكن والإيواء وحدها، بل تكشف أيضاً عن أزمة أخرى تتمثل باختفاء المساحة الشخصية التي يحتاجها الإنسان لممارسة حياته بصورة طبيعية. ولا تتوقف معاناة الأسرة النازحة عند حدود انعدام الخصوصية، فالنزوح نفسه يخلف آثاراً نفسية عميقة، خصوصاً مع عدم وجود أفق لنهاية حالة النزوح القائمة.
تعيش الفلسطينية ابتسام الهواري (50 سنة) مع تسعة أفراد من أسرتها داخل خيمة في أحد مخيمات الإيواء بمنطقة السرايا في وسط مدينة غزة، وتضم الأسرة أطفالاً وفتيات وشباناً، بينما تحيط بخيمتهم التي لا يعرفون مأوى غيرها منذ أكثر من عام خيام أخرى لا يفصل بينها سوى شادر قماشي، ومسافة تقل عن متر.
تقول الهواري لـ"العربي الجديد": "الخصوصية إحدى أكبر المشكلات التي تواجهها الأسر النازحة، إلى جانب مشكلات الحياة اليومية الأخرى مثل توفير الطعام والشراب، والتعامل مع القوارض والحشرات. العيش في خيمة صغيرة تقع بين خيام شبه متلاصقة يجعل الجميع يفقدون كل خصوصياتهم، ولا يملكون ممارسة أي من التفاصيل الحياتية أو العائلية، فالجيران يسمعون أحاديث بعضهم، ما يجعل أحاديث الأسر ومشكلاتها الخاصة مشاعاً. بعض المواقف تضطرني إلى التوجه إلى الجيران للحديث معهم، لكني أجد نفسي في حرج دائم بسبب وجود بنات وأطفال ومراهقين، إذ إن أي مشكلة أسرية يمكن أن تتحول إلى حديث شائع بين سكان المخيم".
وتضيف الهواري: "الذهاب إلى دورة المياه يمثل مشكلة إضافية، خصوصاً بالنسبة إلى الفتيات والنساء، إذ لا توجد دورات مياه داخل الخيام، ما يضطر أفراد الأسرة إلى الانتقال إلى مكان آخر في ظل مرافق مشتركة لا توفر الخصوصية الكافية، حتى إن بعض دورات المياه مختلطة، الأمر الذي يزيد شعور النساء والفتيات بالحرج، فمشاعر مثل الستر والخصوصية معدومة".
تتابع: "أعاني من مرض متفاقم، وأحتاج إلى الراحة والطعام الصحي وظروف معيشية أفضل، لكني أجد نفسي مضطرة إلى مواجهة أزمات متلاحقة، من بينها عدم توفر الفراش. حتى إن إشعال النار للطهي يتحول إلى مصدر مشكلة مع الجيران، إذ يؤدي الدخان المنبعث إلى انزعاج سكان الخيام المجاورة، ما يضيف توتراً جديداً إلى حياة مثقلة أصلاً بالضغوط. لا توفر الخيمة الأمان، ولا الستر، ولا الخصوصية، وينبغي التحرك لمعالجة هذه الأوضاع الكارثية للنازحين، وإنهاء حالة الضغط النفسي والتوتر التي يعيشونها عبر تمكينهم من حياة آمنة".
لا تختلف تجربة عزة معين عاشور كثيراً، وهي من سكان بيت حانون، وتعيش حالياً نازحةً في مدرسة القاهرة بحيّ الرمال منذ نحو عامين ونصف، بعدما عاشت مع زوجها وأطفالها في إحدى مدارس جباليا لمدة سبعة أشهر قبل اعتقاله. تؤكد عاشور لـ"العربي الجديد" أن "الخصوصية معدومة تماماً، خصوصاً أنني أتحمل وحدي مسؤولية تربية أربعة أطفال، من بينهم ثلاث بنات. ضيق المكان يجبرني على التعامل مع الأطفال بهدوء، حتى عندما يحتاج الأمر إلى توبيخهم، لأن رفع الصوت قد يثير انزعاج الجيران".
وتقول إن أطفالها يبكون أحياناً خلال الليل، وعندما يستيقظون ويصدرون أصواتاً، يبدأ بعض الجيران بالصراخ مطالبين بالهدوء، رغم أن الأمر خارج عن سيطرتها. كذلك تعاني من مشكلات القوارض والحشرات التي أتلفت أجزاءً من الخيمة، ما يجعلها تخشى من حلول فصل الشتاء، والغرق داخلها نتيجة الأمطار. وتشير أيضاً إلى أن "الخوف من اللصوص أصبح جزءاً من حياتنا اليومية، إلى درجة أنني لا أنام طوال الليل خشية اقتحام الخيمة، فيما أضطر أحياناً إلى اللجوء إلى شقيقي لحمايتنا".
بدوره، يعيش الفلسطيني إياد صالح، وهو رب أسرة مكوّنة من أربعة أفراد، في خيمة داخل مخيم العودة للإيواء غربي مدينة غزة، بعد أن نزح نحو 15 مرة من مكان إلى آخر. ويقول إنه يعيش في هذه الخيمة منذ قرابة عام، وأصبحت مكان الإيواء الوحيد لأسرته في ظل انعدام المساحات الكافية بين الخيام المتلاصقة، ما يجعل تفاصيل الحياة اليومية أصعب.
ويوضح صالح لـ "العربي الجديد"، أن "الخصوصية منعدمة بالكامل، إذ تجمعني مع عائلتي خيمة صغيرة واقعة في وسط خيام متلاصقة، ما يجعل الجيران مطلعون على كل الأحاديث التي تدور داخل كل خيمة. نسمع أحاديث الآخرين، ونضطر أحياناً إلى خفض أصواتنا في أثناء الحديث لتجنب سماع الآخرين لكلامنا. لكن كل هذا لا يصلح عادة في توفير أي قدر من الخصوصية. كذلك فإن الأطفال يسمعون كل تفاصيل المشادات الكلامية بين الجيران، بما فيها الألفاظ البذيئة، ما يؤثر في أخلاقهم، ويشتت انتباههم".
ولا تقتصر أزمة الخصوصية في غزة على سكان الخيام، بل تظهر أيضاً لدى العائلات التي اضطرت إلى مشاركة السكن. نزح الفلسطيني أحمد أبو عيطة عدة مرات، وهو متزوج وأب لطفلين، وينتمي أصلاً إلى حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، وعندما عاد من رحلة النزوح جنوباً إلى الشمال، وجد منزله مدمراً بالكامل، فاضطر إلى الإقامة مع عائلة زوجته في غربي غزة.
مع طول فترة الإقامة، وجد أبو عيطة نفسه مضطراً إلى مغادرة المنزل لساعات طويلة حفاظاً على خصوصية عائلة زوجته، فيما ظهرت خلافات مرتبطة بإزعاج الأطفال واستخدام المرافق، ولا سيما دورة المياه. يروي لـ "العربي الجديد": "مع استمرار ظروف النزوح، أصبحت مضطراً إلى ترك منزل أنسبائي، واستئجار منزل آخر في المحافظة الوسطى، رغم عملي في مهنة الحلاقة بمدينة غزة، ما يضطرني إلى التنقل بين المنزل ومكان العمل يومياً".
ويؤكد النازح وأحد أعضاء اللجنة الوطنية المستقلة للإصلاح في مخيم النصيرات، ياسر عبد الرحمن، أن الخصوصية منعدمة داخل مخيمات الإيواء، ويشير إلى أن بعض الأسر لا تستطيع حتى السكن معاً في مساحة واحدة، كذلك تتأثر العلاقات الزوجية بسبب ضيق المكان وغياب الفصل بين أفراد الأسرة، وتشكل دورات المياه وطوابير تعبئة المياه مصدراً متكرراً للخلافات، إضافة إلى الاحتكاك بين العائلات في أماكن الخدمات والمرافق، إلى جانب عدم توفر المساحات المناسبة لمختلف الفئات العمرية. ويوضح عبد الرحمن لـ"العربي الجديد"، أن "تلاصق الخيام يفاقم المشكلات الاجتماعية والأخلاقية، وقد وقعت خلافات بين عائلات عدة بسبب إتلاف الخيام، وأخرى بسبب التدخل في شؤون الآخرين، فضلاً عن مشكلات متكررة، خصوصاً حول استخدام دورات المياه".
