يبدأ العام الدراسي في الضفة الغربية المحتلة، اليوم الأحد، في المدارس الحكومية والمدارس الخاصة التابعة للحكومة الفلسطينية، وكذلك في مدارس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) وسط تحديات متراكمة لم تتمكن وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية من حلّها منذ العام الدراسي الماضي. وقد انعكست تلك التحديات على حجم الفاقد التعليمي وجودة العملية التعليمية في ظلّ عدم انتظام الدوام المدرسي، وتصاعد تحركات المعلمين على خلفية أزمة الرواتب المتواصلة منذ أعوامٍ، وعدم انتظام صرفها، واقتصارها على نحو 50% من قيمتها.
وفي وقتٍ تسعى فيه وزارة التربية والتعليم إلى انتظام دوام المعلمين والطلاب خمسة أيام أسبوعياً، أعلن الاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين أن الدوام المعتمد سيكون ثلاثة أيام أسبوعياً. في المقابل، يقول معلمون من خارج إطار الاتحاد إنّ كلّ الخيارات مفتوحة أمامهم، بما فيها الإضراب وعدم التوجه إلى المدارس مع بدء العام الدراسي الجديد.
وفي سياق متصل، بدأت المدارس الفلسطينية الخاصة في مدينة القدس المحتلة، مطلع سبتمبر/ أيلول الجاري، إضراباً عن العمل مع انطلاق العام الدراسي، وذلك احتجاجاً على منع السلطات الإسرائيلية دخول عدد كبير من المعلمين والطواقم الإدارية من الضفة الغربية إلى المدينة.
في الضفة الغربية، من دون القدس، يبلغ عدد المعلمين نحو 32 ألف معلم ومعلمة، موزعين على قرابة ألفَي مدرسة حكومية، تقدم خدماتها التعليمية لنحو 625 ألف طالب وطالبة.
ولم يتلقَّ هؤلاء المعلمون رواتبهم بصورة منتظمة أو كاملة منذ نحو ستّة أعوام، فيما تتراوح رواتب أكثر من 70% منهم، بين ألف دولار أميركي وألف وثلاثمائة دولار. إلّا أنّ المعلمين يتلقون منذ نحو عامَين راتباً فعلياً لا يتجاوز 2000 شيكل إسرائيلي (نحو 664 دولاراً)، من دون تحسن ملموس في نسبة الصرف.
ويأتي ذلك في وقت تتواصل فيه تداعيات الأزمة المالية التي تعانيها الحكومة الفلسطينية من جرّاء ارتفاع نسبة الدين العام لأكثر من 17 مليار شيكل (نحو 5.65 مليارات دولار)، واستمرار وقف دولة الاحتلال الإسرائيلي تحويل أموال المقاصة التي تمثل نحو 68% من إيرادات الحكومة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على انتظام العملية التعليمية.
وتعليقاً على إعلان اتحاد المعلمين في 16 أغسطس/ آب الماضي، أنّ دوام العام الدراسي الجديد سيكون ثلاثة أيام أسبوعياً، يرى عضو اللجنة التنسيقية للمعلمين عمر محيسن، أنّ القرار "مجحف بحقّ الطلاب"، الذين لا يحصلون، وفق تقديره، على الحد المطلوب من التعليم، معتبراً أنّ جوهر الأزمة يتمثل في عدم قدرة الحكومة على توفير راتب يكفل للمعلم أداء عمله بصورة طبيعية. ويقول محيسن في تصريحات صحفية: "من حق المعلم أن يبحث خيار الإضراب، ومن واجب أولياء الأمور والقوى الوطنية والفعاليات والمؤسسات الأهلية أن تبحث عن حل لقضية المعلم".
وبحسب محيسن، فإنّ نسبة الفاقد التعليمي خلال الأعوام التي أعقبت تفاقم الأزمة المالية بعد عام 2019 كانت تصل، في حدها الأقصى، إلى نحو 30%، ولكنّها ارتفعت في خلال العام الماضي إلى قرابة 60%، ويقول محيسن: "لم نكمل تعليم المنهاج، ولم نعطِ الطلاب حقهم، وهذا الارتباك في الدوام انعكس على رغبة الطلاب وقدرة المعلم التعليمية"، مشيراً إلى أنّ "ثلاثة أيام دوام لا تكفي الطالب، وكذلك 50% من الراتب لا تكفي المعلم".
وعن الخيارات المطروحة أمام المعلمين مع بدء العام الدراسي، يقول محيسن: "إنّ كلّ الخيارات مطروحة على الطاولة، ومن بينها الإضراب المفتوح، أو أن يتّخذ أولياء الأمور موقفاً بعدم إرسال أبنائهم إلى المدارس في ظلّ استمرار الفاقد التعليمي، إضافة إلى خيارات أخرى، من بينها عدم إعطاء الحصص المدرسية".
في المقابل، يوضح أمين عام اتحاد المعلمين الفلسطينيين سائد ارزيقات أنّ الحل يتطلب انتظام الدوام خمسة أيام أسبوعياً"، محذّراً من أنّ تقليص عدد أيام الدوام سيؤدي إلى زيادة الفاقد. ويكشف عن جهود تُبذَل للحصول على دعم خارجي مخصّص لقطاع التعليم تحت مسمّى "التعليم المساند" أو "تعافي التعليم"، بهدف زيادة عدد أيام الدوام إلى أربعة أيام على الأقلّ، بما يساعد في تقليص الفاقد التعليمي، إلّا أنّه يقول إنّ هذه المساعي لم تلقَ استجابة من الأطراف الدولية حتى الآن.
من جهته، يقول وزير التربية والتعليم العالي في الحكومة الفلسطينية، أمجد برهم -في بيان له-: "إنّ الجميع يدرك حجم الأزمة المالية التي تمر بها الحكومة، في ظل الحصار الاقتصادي الإسرائيلي، والجميع يعلم أنّ طموحنا الدوام لخمسة أيام أسبوعياً، ولكن ليس سهلاً التوافق على ذلك". وحول مساعي الحكومة للحصول على دعم خارجي مخصّص لقطاع التعليم، يقول برهم: "الحكومة تسعى لجلب الدعم للقطاعات كافة، وفي مقدّمتها القطاعان الحيويان؛ التعليم والصحة، ولكن حتى الآن لا توجد ملامح واضحة حول هذا الدعم". ويأمل برهم ألّا تشهد المدارس الحكومية إضرابات مع بدء العام الدراسي الجديد، كما حدث خلال أعوامٍ سابقة، مؤكداً أنّه رغم عدم وجود اتفاق بين الوزارة واتحاد المعلمين بشأن اعتماد دوام ثلاثة أيام أسبوعياً، فإنّ الوزارة تعمل، بحسب قوله، على تحسين ظروف المعلمين بما يسمح بزيادة عدد أيام الدوام.
وفي سياق التحضيرات للعام الدراسي الجديد، يقول برهم إنّ الوزارة أعادت صيانة أكثر من 104 مدارس، إضافة إلى إنشاء 17 مدرسة جديدة، وثلاث روضات تضمّ تسع غرف، فضلاً عن افتتاح مدرستَين جديدتَين للتعليم المهني تضمّان عشرة تخصّصات مهنية، وتوسعة مدرستَين قائمتَين بإضافة تسع غرف".
وبحسب برهم، جرى افتتاح أربع مدارس ضمن "مدارس التحدي" المخصّصة للسكان البدو في المناطق التي تواجه استهدافاً إسرائيلياً، إلى جانب تنفيذ أعمال صيانة في 104 مدارس كانت بحاجة إلى تأهيل. ويتحدث برهم كذلك عن تعيين أكثر من 1200 معلم ومعلمة، واستحداث 54 وحدة مهنية في المدارس، في وقتٍ لا تزال فيه أزمة انتظام الدوام ورواتب المعلمين تمثل التحدي الأبرز أمام انتظام العملية التعليمية في الضفة الغربية المحتلة.
