يبدو أن للانتخابات الفلسطينية قدرة عجيبة على إيقاظ المشاعر. فما إن يقترب موعد الاقتراع حتى يبدأ موسم الحنان الانتخابي: فجأة يظهر أبٌ للشباب، وصديقٌ للفقراء، وشقيقٌ للتجار، ورفيقٌ للقدس، ونصيرٌ للمرأة، ومساندٌ للمرضى، وصاحب مبادرات إنسانية عظيمة... بعضها لم نسمع به إلا عندما بدأت صناديق الاقتراع تقترب!
والأغرب أن هذا الحنان يأتي أحيانًا بموعد أدق من مواعيد الانتخابات نفسها!
لا اعتراض على العمل الإنساني، بل كل الاحترام لكل من يخدم الناس في السر قبل العلن، وفي الأيام العادية قبل المواسم الانتخابية. لكن هناك فرقًا بين من يخدم الناس لأنه يؤمن بهم، ومن يكتشف أنه يحب الناس عندما يحتاج إلى أصواتهم.
الفقر ليس حملة انتخابية، والمريض ليس صورة دعائية، والطفل ليس خلفية لمنشور، والمحتاج ليس رقمًا في كشف الأصوات.
ثم تبدأ الحكاية الثانية: تحالفات الأشخاص.
أسماء تتقارب، وشخصيات تلتقي، وصداقات قديمة تعود إلى الواجهة، وصور من أرشيف سنوات بعيدة تُستخرج بعناية. وأحيانًا يبدو المشهد وكأن السياسة قررت، في ليلة واحدة، أن تعيد اكتشاف كل صداقاتها القديمة!
لا مشكلة في التحالف السياسي، بل هو مطلوب عندما يقوم على رؤية وبرنامج وموقف واضح. لكن عندما يصبح السؤال «من معنا؟» أهم من «على ماذا اتفقنا؟»، فنحن أمام تجميع انتخابي للأسماء، لا تحالف سياسي.
التاريخ يُحترم، لكنه ليس شيكًا على بياض. والصورة القديمة ليست برنامجًا، والصداقـة القديمة ليست تفويضًا شعبيًا.
نحن لا ننتخب متحفًا للتاريخ الفلسطيني؛ ننتخب مجلسًا يفترض أن يصنع جزءًا من المستقبل.
لذلك، بدل أن يسأل المرشح المواطن: «هل تعرفني؟»، عليه أن يسأله: «هل تعرف ماذا سأفعل؟»
وبدل أن يعرض علينا قائمة طويلة من الشخصيات التي يعرفها، فليقدم قائمة قصيرة من التعهدات التي يمكن محاسبته عليها.
وبدل أن يقول: «أنا خدمت الناس»، فليجب عن السؤال الأصعب: ماذا فعلت عندما لم تكن بحاجة إلى صوتي؟
هذه ليست دعوة لإقصاء أصحاب التاريخ، ولا للتقليل من قيمة المبادرات الإنسانية، ولا لرفض التحالفات. إنها دعوة لإعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي: مشروعًا لا موسمًا، ومسؤولية لا مصلحة، وعهدًا لا إعلانًا.
فالناخب الفلسطيني لا يريد من يستأجر ذاكرته في موسم الانتخابات؛ يريد من يحترم ذاكرته طوال الولاية.
ولا يريد مرشحًا يشتري لحظة عاطفية بمبادرة، أو يستعير مجد الماضي، أو يجمع حوله مجموعة من الأسماء ثم يطلب منه أن يضع ثقته في المجهول.
الانتخابات ليست مسابقة في عدد المعارف، ولا في طول السيرة، ولا في سرعة اكتشاف الحنان.
هي عقد بين المواطن ومن يطلب تمثيله.
ولهذا، ربما آن الأوان أن يصبح السؤال الانتخابي الأكثر إزعاجًا للمرشح هو أيضًا الأكثر عدلًا:
أين كنت عندما لم تكن بحاجة إلينا؟ وماذا ستفعل بنا عندما نمنحك أصواتنا؟
لا نريد سياسيًا يكتشف قلبه قبل الانتخابات؛ نريد نائبًا لا يفقد قلبه بعدها.
لأن من يحب الناس فقط في موسم الانتخابات قد يكون بارعًا في التسويق السياسي.
لكن فلسطين لا تحتاج إلى من يسوّق مستقبلها؛ تحتاج إلى من يتحمّل مسؤولية صناعته.
