لا تقتصر تداعيات العمليات العسكرية الإسرائيلية واعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية على الجوانب الأمنية والإنسانية، إذ امتدت إلى قطاع التعليم، مع تعطل الدراسة لنحو 600 ألف طالب فلسطيني، وصدور أوامر هدم بحق 84 مدرسة، وسط قيود على الحركة وإضرابات وعمليات عسكرية وعنف مستوطنين، ما يهدد بتفاقم الفجوات التعليمية وحرمان جيل كامل من حقه في التعليم.
وذكر المراسل الميداني لموقع "زمان إسرائيل"، عومر شارفيت، أن جمعية الحقوق المدنية الإسرائيلية أعدت تقريرًا يرصد الانتهاكات التي يتعرض لها حق الأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية في التعليم، مشيرًا إلى أن الأزمة تفاقمت منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية وصعوبة وصول الطلاب والمعلمين إلى المدارس.
وبحسب التقرير يعاني قطاع التعليم من أزمة مالية حادة، في ظل اقتطاع إسرائيل مئات ملايين الشواكل شهريًا من أموال المقاصة الفلسطينية، ومنع آلاف العمال من دخول إسرائيل، إلى جانب توقف أنشطة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، فضلًا عن الإغلاقات ونقاط التفتيش وعنف المستوطنين، وهي عوامل أسهمت مجتمعة في إضعاف الاقتصاد الفلسطيني.
وأوضح شارفيت أن هذه الظروف انعكست على انتظام العملية التعليمية، إذ لم تُدفع رواتب العاملين في قطاع التعليم إلا جزئيًا في أفضل الحالات، فيما عمل المعلمون يومين فقط من أصل خمسة أيام في بعض الفترات. كما فقد الطلاب أسابيع دراسية بسبب الإضرابات والعمليات العسكرية في مخيمات اللاجئين، بينما تلقى أكثر من 600 ألف طالب تعليمًا حضوريًا لمدة يومين فقط أسبوعيًا خلال العام الدراسي 2023-2024، قبل أن يستمر اضطراب النظام التعليمي.
وأشار التقرير إلى أن عدد أيام الدراسة انخفض في العديد من مدارس الضفة الغربية إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا، وأحيانًا لا يتجاوز اليوم الدراسي أربع أو خمس ساعات، الأمر الذي انعكس على قدرات الطلاب في القراءة والكتابة، وأدى إلى اتساع الفجوات التعليمية. كما بات الوصول إلى المدارس أكثر صعوبة، إذ قد تستغرق الرحلة بين 20 دقيقة وساعة ونصف بسبب نقاط التفتيش.
ويواجه الطلاب الفلسطينيون أكثر من 900 نقطة تفتيش إسرائيلية، وهو عدد يزيد بنحو 43% عن المتوسط المسجل خلال العقود السابقة، إلى جانب نحو ألفي عائق إضافي أمام الحركة. وفي مدينة الخليل، أُغلقت مداخل مدرستين ابتدائيتين في حي جابر بالأسلاك الشائكة، ما اضطر أطفال المنطقة إلى قطع نحو ثلاثة كيلومترات سيرًا على الأقدام وعبور نقطة تفتيش عسكرية للوصول إلى مدارسهم.
وأضاف التقرير أن إغلاق الحواجز أدى إلى تعطيل حركة عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وأجبر طلابًا ومعلمين على استخدام طرق بديلة قد تستغرق ساعة ونصف، دون ضمان السماح لهم بالعبور. وفي بعض الحالات، تحول الطلاب إلى الدراسة عن بُعد بسبب صعوبة وصول الحافلات أو اضطرار الأطفال إلى العودة إلى منازلهم في منتصف اليوم.
ونقل التقرير عن أولياء أمور ومعلمين قولهم إن المناهج الدراسية تعرضت للاختصار، فيما تراجعت قدرة الطلاب على متابعة الدراسة بانتظام، وبرزت صعوبات خصوصًا في الرياضيات واللغة الإنجليزية والكتابة. كما اضطر بعض المعلمين إلى العمل في وظائف إضافية، ما أثر، وفق التقرير، على قدرتهم على التركيز واستمرارية العملية التعليمية.
ولم تقتصر التداعيات على تقليص أيام الدراسة، إذ تخضع 84 مدرسة في الضفة الغربية والقدس الشرقية لأوامر هدم كلي أو جزئي، وفق المعطيات الواردة في التقرير. وخلال السنوات الثلاث الماضية، أُخليت 10 مدارس تخدم مئات الطلاب، فيما تعرضت سبع مدارس للتخريب ودُمرت ثلاث أخرى بالكامل، بعضها على يد مستوطنين، بحسب التقرير.
كما أشار التقرير إلى اقتحام القوات الإسرائيلية مدارس وإطلاق النار في ساحاتها ومحيطها واعتقال طلاب وموظفين، فضلًا عن منع الوصول إلى مؤسسات تعليمية وإغلاق بعضها. وخلال عام 2024، تعرضت 109 مدارس للهجوم أو التخريب، وقُتل 85 طالبًا وثلاثة معلمين، وأصيب مئات آخرون، فيما اعتُقل 149 طالبًا، وفق المعطيات التي أوردها التقرير.
وفي شمال الضفة الغربية، أدت العملية العسكرية الإسرائيلية التي بدأت في كانون الثاني/يناير 2025 إلى انتقال أكثر من 100 ألف طالب في جنين وطولكرم وطوباس والمناطق المحيطة إلى التعليم عن بُعد، سواء بسبب الوضع الأمني أو استخدام مباني المدارس لإيواء عائلات نازحة.
وأشار التقرير إلى أن 10 مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" ظلت مغلقة في شمال الضفة خلال بداية العام السابق، بينما أغلقت القوات الإسرائيلية ست مدارس تديرها الوكالة في القدس الشرقية. وفي شباط/فبراير 2025، نزح نحو 12 ألف طفل من مخيمات اللاجئين في شمال الضفة، ما أثر على تعليمهم وحياتهم الاجتماعية، في ظل افتقار بعض أماكن النزوح إلى مرافق دراسية ووسائل نقل إلى مدارس بديلة.
وبحسب التقرير، فإن استمرار هذه الظروف يهدد بإحداث فجوات تعليمية طويلة الأمد لدى مئات الآلاف من الطلاب الفلسطينيين، ويحد من فرصهم المستقبلية، في وقت تواجه فيه العملية التعليمية قيودًا متزايدة على الوصول إلى المدارس وانتظام الدراسة واستمرار المؤسسات التعليمية.
