في غضون أربع سنوات من عمر حكومة اليمين الحالية، توسعت المستوطنات والبؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، وأُنشئت مئات المزارع الرعوية، ونقل الجيش والدولة المزيد من الصلاحيات والموارد إلى المستوطنين، والنتيجة: تقلصٌ حادٌ في الحيز الفلسطيني، وعنفٌ ضد سكان المنطقة، وطردهم، وتعميقٌ للسيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
مراسل موقع شوميريم، دانيال دوليف، ذكر أن "السنوات الأربعة في ظل الحكومة الحالية غيّرت واقع الضفة الغربية تغييراً جذرياً، من حيث التطهير العرقي لمعظم أراضيها من الفلسطينيين، ومحو اتفاقيات أوسلو، وتدمير أي فرصة لتسوية سياسية مستقبلية، ويرتبط هذا بخطة بتسلئيل سموتريتش، التي تهدف لطرد الفلسطينيين وضم الأراضي، حيث منحت اتفاقيات الائتلاف حزب الصهيونية الدينية على أن يتولى ممثلٌ عنها منصب وزير في وزارة الأمن مسؤولًا عن وحدة تنسيق أعمال الحكومة والإدارة المدنية، وتولى سموتريتش هذا المنصب".
البؤر الاستيطانية
وأضاف دوليف أنه "في عهد سموتريتش، أُنشئت إدارة الاستيطان، برئاسة يهودا إلياهو، شريكه في تأسيس منظمة "ريجافيم" الاستيطانية، ومُنحت الإدارة صلاحيات واسعة، شملت التخطيط والبناء، وإعلان أراضي الدولة، والبنية التحتية، والنقل، وحشدت الحكومة جهودها لدعم المستوطنات، وسرعان ما ألغت "قانون فك الارتباط" في شمال الضفة، ومنذ ذلك الحين، وافق المجلس الوزاري السياسي الأمني على إنشاء مستوطنات جديدة في تلك المناطق عدة مرات".
وأشار إلى أن "الضفة شهدت ثورة وتغييرًا سريعًا في الاستيطان، فحسب حركة "السلام الآن" ومنظمة "كرم نافوت"، أُنشئت 185 بؤرة استيطانية بين 2023-2025، منها 130 بؤرة زراعية تسيطر على مليون دونم، بما يعادل 18% من مساحة الضفة، كما تمت الموافقة على بناء أكثر من 40 ألف وحدة سكنية في هذه المستوطنات، وأُعلنت 26 ألف دونم أراضيَ للدولة".
ونقل دوليف عن درور أتكس، من منظمة "كرم نافوت"، أنه "استنادًا للبيانات التي جمعها ميدانيًا، أُنشئت 48 بؤرة استيطانية إضافية في 2026، وهذا لا يشمل الأماكن التي لم أرها بنفسي، لذا يمكنكم افتراض أن عددها يتراوح بين 50 و60 بؤرة، ولا أقصد هنا كل خيمة وكل مأوى، بل ما أثبت قدرته على التأسيس والبقاء، حيث تُعدّ مزارع الرعي غير القانونية رأس حربة هذه الحركة، فبدعم حكومي وقوى عاملة قليلة، تستولي هذه المزارع على مساحات شاسعة، وتمنع الفلسطينيين من الوصول إليها".
وأكد دوليف أن "مزرعة استيطانية واحدة كفيلة بأن تُجبر الفلسطينيين على ترك أراضيهم، لأنه عادةً ما تُبنى هذه المزارع قرب التجمعات السكنية الفلسطينية، ويُهدد شاغلوها السكان، ويُلحقون الضرر بالممتلكات، بل ويعتدون عليهم أحيانًا، وقد أقام المستوطنون خيمةً وسياجًا دون ترخيص، ما منع الفلسطينيين من وصول مراعيهم، وغالبًا ما تؤدي اعتداءات المستوطنين ومضايقاتهم إلى نزوحهم، لا سيما مجتمعات الرعاة".
وأوضح أنه "بعد أسابيع من المضايقات والتهديدات، أُجبر الفلسطينيون على النزوح، وفي السنوات الماضية، نزحت 118 جماعة فلسطينية من الرعاة بهذه الطريقة، فبعد طرد مجتمعات الرعاة من المنطقة (ج)، توسع إنشاء المزارع والاستيلاء على المنطقتين (ب) و(أ) الخاضعتين للسيطرة الفلسطينية، حتى أن قرية المغير تقلصت مساحتها من 43 ألف دونم إلى 900 دونم فقط، مما يدفع للتساؤل كيف تمكّنت حفنة من المستوطنين من إحداث تغيير جذري هنا في غضون سنوات قليلة".
دعم الجيش
وأشار أن "هذا النشاط الاستيطاني لم يحدث لولا دعم الجيش والشرطة، وآخرها الحصار الذي فرضه المستوطنون في الأسابيع الأخيرة على منزل عائلة أبو ريدي في قصرة، وحظي بتغطية إعلامية واسعة، فأنشأ المستوطنون "بؤرة استيطانية" بجوار المنزل، وشوهد جنود مُكلّفون بحماية الفلسطينيين، يُصلّون مع المستوطنين في البؤرة، وبعد سحب الجنود استمر المستوطنون في التصرّف كما يحلو لهم في المنطقة، وتحت ضغط شعبي، تراجع الجيش عن قراره، وأعلن المنطقة عسكرية مغلقة".
وأوضح دوليف أن "القرار تمّ تطبيقه بشكل انتقائي: فقد مُنع النشطاء اليساريون والصحفيون الذين حاولوا الوصول للمنطقة لمساعدة الفلسطينيين، بل واعتُقل بعضهم، بينما استمر المستوطنون في التحرّك بحرية في المنطقة، كما وزّع الجيش بعد السابع من أكتوبر 2023 آلاف الأسلحة على المستوطنين، وتنتشر أسبوعياً على الإنترنت مقاطع فيديو تُظهر مستوطنين يرتكبون أعمال عنف وهم مسلحون بأسلحة طويلة تابعة للجيش الذي لا يُجري عادةً تحقيقات في هذه الحوادث، ولا يستعيد الأسلحة، بل إنه لا يجمع حتى معلومات عن عدد هذه الحوادث".
وأضاف أن "الجيش أصبح أكثر عدوانية تجاه الفلسطينيين، وبتوجيه من القيادة السياسية، طرد عشرات آلاف المقيمين في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وهدم مئات المنازل، وحوّل المخيمات إلى قواعد عسكرية، كما يتخذ إجراءات واسعة النطاق لاقتلاع آلاف الدونمات من أشجار الزيتون لمنع أي مخابئ محتملة للمسلحين، أو هدم المنازل لمجرد قربها من الطرق، ما قد يجعلها نظرياً ملاذاً لهم، وارتفع عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا على يد قوات الجيش بنسب مئات بالمئة في السنوات الأخيرة".
تسليح المستوطنين
ونقل عن المحامي روني بيلي، من منظمة "يش دين"، أن "الجيش زاد من القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين، فهو يمنح اليوم كل قرية فلسطينية مدخلاً ومخرجاً واحداً فقط، يسيطر عليهما، ما يسمح بإغلاقها في أي لحظة، فإذا كانت حرية الحركة سائدة في الماضي، فإن القيود المفروضة عليها هي السائدة اليوم، ولا يعرف الناس كيف سيتمكنون من التنقل من مكان لآخر، أو حتى إن كانوا سيتمكنون من ذلك أصلاً، وهذا تغيير جذري في نمط الحياة، يتعارض مع جميع مبادئ القانون الدولي".
وأوضح دوليف أن "الجيش يُموّل المزارع الاستيطانية، ويضمن فعليًا للمستوطنين مصدر دخل ثابت، بجانب الأسلحة، رغم عدم قانونيتها، كما يتم تزويدهم بالمكونات الأمنية، وتشمل كاميرات وأنظمة أمنية، وطائرات بدون طيار، وفتح الطرق المؤدية للبؤرة الاستيطانية، وكل ذلك ساهم بإحداث تغيير جذري على الضفة الغربية خلال السنوات الماضية، فقد أدى مزيج من هيكل الحكومة والسياسة العسكرية وعنف المستوطنين لتغيير المشهد تماماً مقارنةً بالماضي، فلم يعد المكان كما كان، والتغيير جنوني".
ولفت إلى أن "الجيش يتصرف خلافاً لمتطلبات القانون الدولي المتعلقة بالتوازن، ويتجاهل تماماً احتياجات الشعب الفلسطيني، ولا يراعون حقوقه في الصحة والتعليم وحرية التنقل، ويكاد ينعدم وجودهم على الطرق خوفاً من نقاط التفتيش التي تمنعهم من العودة، ويتنصل بشكل كامل من المسؤولية تجاههم بدعم كامل من القيادة السياسية الإسرائيلية".
تكشف هذه القراءة الميدانية لواقع الضفة الغربية في ظل حكومة اليمين أن السنوات الأربع الماضية شهدت تقلصا حادا في الحيز المتاح للفلسطينيين، فقد أُغلقت مناطق بأكملها في وجوههم، ويتراوح الخطر الذي يهددهم بين الطرد والموت، مع تزايد المؤشرات على استعداد الجيش والمستوطنين لارتكاب مزيد من العنف ضدهم، وإفلاتهم من العقاب.
