24.45°القدس
24.21°رام الله
23.46°الخليل
27.64°غزة
24.45° القدس
رام الله24.21°
الخليل23.46°
غزة27.64°
الأحد 27 سبتمبر 2026
4.04جنيه إسترليني
4.3دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.47يورو
3.05دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.04
دينار أردني4.3
جنيه مصري0.06
يورو3.47
دولار أمريكي3.05

تقارير "فلسطين الآن"..

بين لهيب الحطب وشح المياه.. نساء غزة يسطرن ملحمة التدبير والوفاء فوق الركام

خاص-فلسطين الآن

لم تكن الحرب المشرعة على قطاع غزة مجرد مواجهة عسكرية على جبهات القتال، بل تحولت إلى معركة وجود يومية تدور رحاها داخل خيام النزوح المهترئة، حيث تقف المرأة الفلسطينية في خط الدفاع الأول لحماية أسرتها من الفناء، وفي ظل غياب المقومات الأساسية للحياة من مياه صالحة للشرب، وكهرباء، وغذاء، أصبحت خيام اللجوء الممتدة على طول القطاع ميادين إدارة يومية شاقة، تتولى فيها الماجدات الغزيات مسؤوليات تفوق القدرة البشرية على التحمل، ليعلنّ بصمودهن الأسطوري رفض الانكسار أمام سياسات التهجير والتجويع.

هذا التحول القسري في أدوار المرأة الغزية جاء نتيجة مباشرة للحصار الخانق والتدمير الممنهج للبنية التحتية، ما جعل المهام المنزلية البسيطة التي كانت تُنجز بضغطة زر في السابق، تستنزف اليوم ساعات من الجهد البدني الشاق، فمن تأمين قطرات الماء الشحيحة عبر قطع مسافات طويلة، إلى الطهي على نيران الحطب التي تنفث سمومها في صدور الأطفال، وصولاً إلى غسيل الملابس يدوياً ببدائل المنظفات الشحيحة، تقود المرأة في غزة ثورة تدبير يومي صامتة تعيد صياغة مفهوم التحدي في وجه الاحتلال.

ولا تقتصر تضحيات المرأة داخل المخيمات على الجانب المعيشي والتدبير المنزلي فحسب، بل تمتد لتشمل دور الحاضنة الطبية والنفسية لعائلات أثخنتها الجراح؛ إذ تحولت الخيام إلى مستشفيات ميدانية مصغرة تداوي فيها الأمهات والزوجات جراح المصابين، ويرعين ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى الذين قذفت بهم المستشفيات المدمرة إلى العراء، إن هذا الصمود المتكامل لا يعكس فقط قدرة المرأة على التكيف، بل يثبت أنها العمود الفقري للأسرة والمجتمع الفلسطيني، والصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات سحق الإرادة الوطنية.

وفي خضم هذه المعاناة المستمرة، يتجلى كبرياء المرأة الفلسطينية التي لم تترك مكانها في ميدان الواجب رغم فقدانها للمنزل والأمان والمحبين، لتصنع من تفاصيل اللجوء اليومية ملحمة صمود وتجذر في الأرض.

رحلة شاقة..

 

وتجلس الحاجة أم محمد، التي نزحت من شمال القطاع إلى خيام دير البلح، أمام موقد النار المصنوع من الطين وبقايا الركام، ووجها يلفحه لهيب الحطب والدخان المتصاعد الذي ترك أثره على ملامحها المتعبة ولحاف خيمتها، تصف أم محمد يومها بأنه رحلة شاقة تبدأ قبل شروق الشمس ولا تنتهي إلا في ساعة متأخرة من الليل، حيث تقضي الساعات الأولى في تنظيم وتوجيه أبنائها وأحفادها لجلب المياه في أوعية بلاستيكية صغيرة من نقاط التوزيع البعيدة، وهي عملية تتطلب صبراً طويلاً وطوابير تمتد لعدة ساعات من أجل الحصول على مياه غالباً ما تكون غير صالحة تماماً للاستخدام البشري.

وتضيف الحاجة في حديثها لـ"فلسطين الآن"، وهي تحرك بعصا خشبية وعاءً كبيراً يغلي فيه القليل من العدس والمواد المعلبة، أن الطهي على الحطب والكرتون وقطع البلاستيك أصبح الخيار الوحيد المتاح للبقاء على قيد الحياة في ظل المنع المطلق لدخول غاز الطهي، مؤكدة أن هذا البديل البدائي يحمل في طياته معاناة مضاعفة، فالأدخنة الكثيفة المنبعثة تسببت في إصابة أطفال العائلة بأمراض تنفسية حادة، فضلاً عن الجهد المضني في البحث اليومي بين الركام عن أي قطعة خشب أو كرتون تصلح للإيقاد، مما يجعل إعداد وجبة طعام واحدة يوماً كاملاً من الكفاح البدني والنفسي.

وتؤكد أم محمد أن غسيل الملابس يدوياً يمثل فصلاً آخر من فصول القهر اليومي داخل المخيم، حيث تضطر لفرك الملابس الخشنة مستخدمةً كميات شحيحة من المياه والرماد أو الصابون الرديء المتوفر، مما أصاب يديها بجروح وتقرحات مؤلمة.

ورغم هذا الحمل الثقيل، تشدد على أن عزيمتها لم تنكسر، وأن إدارتها لعائلتها المكونة من خمسة عشر فرداً داخل خيمتين متلاصقتين هي رسالة للاحتلال بأن المرأة الغزية قادرة على تدبير الحياة والحفاظ على تماسك أسرتها وإفشال مخططات الاقتلاع مهما بلغت التضحيات.

تحدي نفسي وجسدي..

 

وفي زاوية أخرى من المخيم، تعيش الشابة نادين، الممرضة التي فقدت عملها ونزحت مع أسرتها، واقعاً يدمج بين صفتها كأم نازحة ودورها الإنساني في رعاية زوجها الذي أُصيب ببتر في قدمه وجرحى آخرين من أقاربها.

وتشرح نادين كيف تحولت خيمتها الصغيرة إلى مركز رعاية طبية متكامل يفتقر لأدنى مقومات المعقمات والأدوية الأساسية، حيث تضطر يومياً لتنظيف جروح زوجها المفتوحة واستخدام أقمشة قطنية مغسولة ومغلية كبديل عن الشاش الطبي المفقود، متسلحة بخبرتها ورباطة جأشها لمنع حدوث أي التهابات قد تهدد حياته.

وتروي نادين في حديثها لـ"فلسطين الآن"، بمرارة عن التحدي النفسي والجسدي الهائل الذي تواجهه وهي توزع وقتها بين توفير المياه وغسل الضمادات يدوياً بالماء المالح، وبين تقديم الدعم النفسي لأطفالها المذعورين من أصوات القصف المستمر، مؤكدة أن غياب المقومات الصحية مثل المراحيض الخاصة أو الصرف الصحي الآمن داخل المخيمات يضاعف خطورة انتشار الأوبئة، مما يدفعها لفرض إجراءات تعقيم صارمة وبدائية داخل خيمتها لحماية المرضى والأطفال من الأمراض الجلدية والمعوية التي تفتك بجيرانهم في النزوح.

وتختتم نادين شهادتها بالإشارة إلى أن دور المرأة في هذه الحرب تجاوز المفهوم التقليدي للأمومة ليصبح دوراً قيادياً إنقاذياً بامتياز، فالمرأة هي من تبتكر الحلول لانعدام الغذاء، وهي من تداوي الجراح، وهي من تصنع الأمل من قلب الركام، مؤكدة أن صمود نساء غزة في إدارتهن لخيام النزوح ورعاية المصابين هو جزء لا يتجزأ من النضال الوطني الفلسطيني، وأن كل قطرة ماء تؤمنها المرأة أو جرح تداويه يمثل لبنة جديدة في جدار التمسك بالحق والبقاء على هذه الأرض حتى اندحار العدوان.

المصدر: فلسطين الآن