23.76°القدس
23.52°رام الله
22.46°الخليل
27.75°غزة
23.76° القدس
رام الله23.52°
الخليل22.46°
غزة27.75°
الإثنين 05 أكتوبر 2026
4.03جنيه إسترليني
4.3دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.44يورو
3.05دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.03
دينار أردني4.3
جنيه مصري0.06
يورو3.44
دولار أمريكي3.05

تقارير "فلسطين الآن"..

سراب "خطة الجنرالات" على صخرة غزة: كيف بدد صمود الشمال أوهام غيورا آيلاند؟

خاص-فلسطين الآن

لم يكن أشدّ المحللين العسكريين تفاؤلاً يتوقع أن يأتي صكّ الاعتراف بالهزيمة وتهاوي الأوهام الإستراتيجية الصهيونية من لسان المهندس الأول لأكثر الخطط فاشية ودموية في تاريخ الحروب الحديثة، ففي منعطف ميداني وسياسي بارز، خرج اللواء المتقاعد ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق، غيورا آيلاند، ليعلن بوضوح لا لبس فيه تجرّع جيشه مرارة الفشل، مقراً بأن "إسرائيل منيت بفشل ذريع ومدوٍّ في غزة، وأن حركة حماس انتصرت بالتأكيد".

هذا الإقرار الصادم من عرّاب ما عُرف بـ"خطة الجنرالات" لم يكن مجرد مراجعة تكتيكية، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن تحطم الأيديولوجية العسكرية الحاقدة لكيان الاحتلال فوق صخرة الثبات الأسطوري لشعبنا في شمال قطاع غزة، وتحديداً في معسكر جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون.

لقد أثبتت الوقائع المفروضة بقوة الصمود الإعجازي في الشمال الفلسطيني أن حسابات الحقل الصهيوني لم تتطابق إطلاقاً مع بيدر المقاومة، فبينما كانت التقديرات الإسرائيلية الغارقة في الغطرسة تفترض أن خنق مئات الآلاف من المواطنين ومنع مقومات الحياة عنهم سيقود إلى انهيار المنظومة الاجتماعية والقتالية خلال أيام معدودة، تحول الشمال إلى مقبرة كبرى لأوهام الحسم العسكري.

ويأتي هذا التقرير التحليلي الموسع ليفكك أبعاد هذا الفشل الإستراتيجي المدوّي استناداً إلى اعترافات آيلاند نفسه، ومحاور انكسار خطته الدموية، وغرق حكومة الكيان في مستنقع الضغط العسكري الأعمى الخالي من أي أفق سياسي.

الإقرار بالفشل..

حين يتحدث جنرال عسكري قضى عقوداً في أروقة القيادة والتخطيط الإستراتيجي، فإنه يستند في تقييمه إلى معايير موضوعية صارمة بعيدة عن الخطاب السياسي والشعبوي الفارغ الذي دأب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو وأقطاب ائتلافه الفاشي على ترويجه للجمهور الصهيوني.

وفي سلسلة مقابلات وتصريحات لافتة عبر وسائل الإعلام العبرية، من بينها إذاعة "103FM" التابعة لصحيفة "معاريف"، وجّه آيلاند انتقادات لاذعة وحادة لمسار الحرب، مؤكداً أن الصورة الحقيقية التي يجب البدء منها دون مواربة هي أن إسرائيل فشلت فشلاً ذريعاً ولم تحقق أهدافها التي قاتلت لأجلها.

وحدد آيلاند ثلاثة معايير مهنية أساسية لتقييم مدى النجاح أو الفشل في أي مواجهة عسكرية؛ المعيار الأول هو مدى القدرة على تحقيق الأهداف المعلنة، والمعيار الثاني هو إمكانية فرض الإرادة على الطرف الآخر، أما المعيار الثالث فهو منع العدو من البقاء وإعادة بناء قدراته، وبإسقاط هذه المعايير على واقع قطاع غزة، وجد مهندس الإبادة نفسه مضطراً للاعتراف بالهزيمة الكريهة لجيشه، موضحاً أن حماس لم تكتفِ بمنع إسرائيل من تحقيق أهدافها (كالقضاء على الحركة أو استعادة الأسرى بالقوة)، بل إنها نجحت تماماً في تحقيق هدفها الإستراتيجي الأسمى وهو البقاء في الحكم والحفاظ على هيكليتها التنظيمية.

ولم يتوقف إقرار آيلاند عند الجوانب النظرية، بل سرد مؤشرات ميدانية ملموسة وعملية تعكس ركوع المؤسسة الأمنية الصهيونية لإرادة المقاومة الفلسطينية. وتمثلت هذه المؤشرات الصارخة في الشروط التي أُجبرت تل أبيب على القبول بها، وعلى رأسها الانسحاب العسكري الكامل القسري من المحاور الحيوية كمحور "نتساريم"، وفتح المعابر البرية كمعبر رفح، والعودة المظفرة لآلاف المواطنين الفلسطينيين إلى محافظات الشمال التي سعى جيش الاحتلال حثيثاً لإخلائها وتحويلها إلى منطقة عسكرية عازلة، هذه الحقائق الدامغة دفعت عرّاب الخطة إلى القول بحسرة إن حركة حماس أثبتت مرونة مذهلة في التفاوض والميدان، وتمكنت في نهاية المطاف من فرض اشتراطاتها الأمنية والسياسية على الكيان الصهيوني المتغطرس.

كيف تحول هدف التهجير إلى مواجهة استنزاف ممتدة؟..

ولفهم عمق الصدمة التي يعيشها الفكر العسكري الصهيوني اليوم، لا بد من العودة إلى تفاصيل الخطة الأصلية التي صاغها غيورا آيلاند في سبتمبر 2024 وتبنتها القيادة السياسية والعسكرية في الخفاء والعلن، لقد قامت الفلسفة الأساسية لـ"خطة الجنرالات" على افتراض هندسي بارد مفاده أن السيطرة على الأرض تتطلب تفريغها من البشر أولاً.

ونص المقترح الإجرامي على إعطاء مهلة زمنية قصيرة لا تتجاوز أسبوعاً واحداً لتهجير وإخلاء نحو 300 ألف مواطن فلسطيني من سكان شمال واد غزة نحو مناطق الجنوب، ومن ثم تحويل المنطقة بأكملها إلى منطقة عسكرية مغلقة يُحظر دخول المساعدات إليها، وبموجب هذا الحصار التجويعي المطبق، كان يُفترض إجبار بضعة آلاف من مقاتلي المقاومة المتحصنين هناك على الاختيار بين الاستسلام أو الموت جوعاً وعطشاً، إلا أن حسابات الهندسة الإجرامية تحطمت كلياً عند ملامستها للواقع البشري والنضالي في مخيم جباليا وبلدات بيت لاهيا وبيت حانون، فقد فاجأ الشارع الفلسطيني في الشمال المنظومة الأمنية الصهيونية بمعادلة ثبات تاريخية غير مسبوقة؛ إذ رفض المواطنون بشكل جماعي قاطع الانصياع لأوامر الإخلاء القسرية والتهجير، واختاروا بوعي وطني وديني فذ البقاء تحت القصف العنيف ومواجهة سياسة التجويع المتعمدة، معتبرين أن الموت فوق ركام منازلهم أهون آلاف المرات من تجرع مرارة نزوح جديد يهدف لتصفية قضيتهم، هذا الموقف الشعبي الجبار شكل شبكة أمان حديدية وحاضنة متينة للمقاومين، وحرم جيش الاحتلال من تحقيق "صورة النصر والتهجير" التي وُعد بها الشارع الصهيوني.

ومع بقاء الحاضنة الشعبية وتجذرها، تحول "الأسبوع المفترض" للسيطرة والإخلاء إلى أشهر طويلة ممتدة من معارك الاستنزاف الطاحنة والدامية. وبدلاً من أن يدخل جنود الاحتلال إلى أرض خاوية لجمع الأسلحة، دخلوا إلى "شرك قاتل" محكم الصنع تفوقت فيه العبقرية التكتيكية للمقاومة على الفارق التكنولوجي الهائل.

وتحولت أزقة الشمال وحواريه الضيقة إلى ثقوب سوداء ابتلعت هيبة مدرعات النخبة الصهيونية؛ حيث جرى استنزاف دبابات "الميركافا 4" وناقلات الجند "النمر" بشكل يومي عبر قذائف الدروع المصنعة محلياً والعبوات الفدائية الملتصقة بالحديد من المسافة صفر، هذا الاستنزاف الطويل أدى إلى استنزاف موازٍ في الطاقة البشرية للجيش، مما خلق حالة من الإنهاك النفسي والبدني في صفوف ألوية النخبة التي باتت تدرك أن التوغل في أي حي شمالي يعني نزيفاً بشرياً متواصلاً بلا نهاية.

غياب الأفق السياسي وعقم الضغط العسكري..

وفي سياق نقده الذاتي والعلني لأسباب الفشل الصهيوني المدوّي في قطاع غزة، سلّط غيورا آيلاند الضوء على عيب بنيوي خطير وقاتل في عقلية إدارة الصراع لدى الحكومة الإسرائيلية الحالية. وأوضح آيلاند أن المكمن الأساسي للإخفاق يتمثل في الاعتماد الحصري والبليد على أدوات "الضغط العسكري المفرط" كحل وحيد وجامع لكافة المعضلات الإستراتيجية، بالتوازي مع الغياب المطلق والكامل لأي أفق أو رؤية سياسية واضحة لما يُعرف باليوم التالي للحرب.

وحذر اللواء المتقاعد من أن الإفراط في استخدام القوة النارية دون استناد إلى مسار سياسي يحدد طبيعة الترتيبات المستقبلية هو دوران عبثي في حلقة مفرغة، يستنزف قدرات الجيش ويحرق إنجازاته التكتيكية دون تحقيق أي مكسب إستراتيجي مستدام.

وانتقد مهندس "خطة الجنرالات" بمرارة السردية السياسية المضللة التي تبنتها واشنطن وتل أبيب منذ بداية المعركة، والتي حاولت واهمةً تصوير حركة حماس والمقاومة الفلسطينية كـ"جسم غريب أو تنظيم عابر مثل داعش" يمكن استئصاله واقتلاعه كلياً بالقوة العسكرية الغاشمة.

وأكد آيلاند أن هذا التشخيص كان خاطئاً وقاتلاً منذ اليوم الأول؛ فحماس ليست مجرد فصيل مسلح، بل هي حركة تحرر وطني متجذرة بشكل عميق وبنيوي في الوجدان الشعبي والنسيج الاجتماعي والديني للفلسطينيين، ولها امتدادات فكرية ومؤسساتية تجعل من المستحيل إنهاء وجودها عبر تدمير الحجر أو قتل البشر.

وشدد على أن مساواة الحركة بتنظيمات إرهابية معزولة قاد القيادة الإسرائيلية إلى بناء تقديرات استخباراتية وعسكرية وهمية وغير واقعية بالمرة حول سقف زمني قصير للحسم.

وتشير القراءة الإستراتيجية العميقة لاعترافات آيلاند، والتي حظيت بمتابعة دقيقة ونشر موسع، إلى أن غياب الرؤية السياسية جعل حكومة نتنياهو رهينة لأهوائها الحزبية الضيقة ومصالح البقاء الشخصي على حساب دماء جنودها وأمن كيانها الوجودي. فبينما كان بإمكان إسرائيل – من منظور آيلاند الصهيوني – تقديم طرح سياسي يضمن نزع السلاح ومشاركة أطراف دولية وعربية لترتيبات إدارية بديلة، اختارت الحكومة الهروب إلى الأمام ومواصلة القصف العشوائي وتدمير مقومات الحياة الإنسانية دون جدوى.

هذا العقم الإستراتيجي حوّل العمليات العسكرية إلى أداة تدمير انتقامية محضة عاجزة عن فرض الاستسلام، وأثبت للعالم أجمع أن القوة المفرطة الطاغية، مهما بلغت فاشيتها، تقف عاجزة وقاصرة عن كسر إرادة شعب قرر الصمود فوق ترابه المقدس وخوض معركة بقاء وهوية وطنية حتى نيل حريته الكاملة ودحر المحتل.

المصدر: فلسطين الآن