لم يعد "انقلاب البنادق" مجرد سيناريو أمني تتداوله المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في الغرف المغلقة. بعد تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي تحدث عن خطة جاهزة لحرب واسعة على السلطة الفلسطينية إذا تحولت أسلحتها إلى مواجهة مع الجيش والمستوطنين، أصبح السؤال سياسيًا بقدر ما هو أمني: ماذا لو تحوّل هذا السيناريو إلى شرارة تُستخدم لإعادة ترتيب المشهد الإسرائيلي نفسه؟
المسألة هنا لا تتعلق باتهام نتنياهو بأنه يريد افتعال حرب أو أنه اتخذ قرارًا بتأجيل الانتخابات. لا توجد معطيات تثبت ذلك. لكن السياسة لا تُقرأ فقط من القرارات المعلنة، بل أيضًا من السيناريوهات التي يجري إعدادها مسبقًا، ومن اللحظة التي تظهر فيها، ومن الأطراف التي يمكن أن تستفيد منها.
والتوقيت هنا يستحق التوقف.
إسرائيل تتجه إلى انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بينما يواجه بنيامين نتنياهو معركة سياسية معقدة. وفي المقابل، خرجت داخل إسرائيل أصوات تحذر من استخدام حالة طوارئ أمنية لتعطيل الانتخابات أو تأجيلها، وإن لم يكن هناك دليل على وجود قرار حكومي فعلي بهذا الاتجاه.
وفي هذه اللحظة بالذات، يظهر سيناريو «انقلاب البنادق» الفلسطيني.
بحسب تصريحات كاتس، فإن الجيش الإسرائيلي يستعد لاحتمال أن تستخدم أجهزة الأمن الفلسطينية أو عناصر مرتبطة بها أسلحتها ضد الجيش والمستوطنين. وقال إن إسرائيل، في هذه الحالة، ستنتقل إلى حرب واسعة على السلطة، تشمل عمليات برية وجوية واستهداف قيادات وبنى مسلحة، في خطة قال إنها أُعدت مسبقًا وصودق عليها من نتنياهو وكاتس.
لكن المفارقة أن مصادر عسكرية وأمنية إسرائيلية قالت، وفق التقارير نفسها، إنه لا توجد لديها معلومات استخبارية تشير إلى تمرد وشيك من أجهزة السلطة.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: لماذا يجري الإعلان عن خطة حرب كاملة على السلطة في مواجهة سيناريو لا تقول الأجهزة الأمنية الإسرائيلية نفسها إنه وشيك؟
قد تكون الإجابة ببساطة أن الجيش يستعد لكل الاحتمالات.
وقد تكون هناك مخاوف حقيقية من انهيار الوضع في الضفة.
لكن هناك احتمالًا سياسيًا آخر لا يمكن تجاهله: أن تتحول السلطة الفلسطينية، في لحظة معينة، إلى بوابة لأزمة إسرائيلية أكبر.
فإذا وقع اشتباك واسع، أو خرجت أجزاء من الأجهزة الأمنية عن السيطرة، أو وقع هجوم كبير يُنسب إلى عناصر فلسطينية، فلن تبقى المسألة في حدود الضفة. إسرائيل ستدخل في حالة طوارئ، وسيصبح نتنياهو أمام حدث أمني يمكن أن يطغى على الانتخابات نفسها.
وهنا تظهر الفرضية الأكثر حساسية: إذا كان نتنياهو في طريقه إلى خسارة الانتخابات، فهل يمكن أن تصبح الحرب مع السلطة أحد السيناريوهات التي تسمح بإعادة تعريف الأولويات وتأجيل الاستحقاق الانتخابي؟
مرة أخرى، لا توجد أدلة تثبت أن هذا هو مخطط نتنياهو.
لكن مجرد وجود إمكانية قانونية وسياسية للتأجيل في ظروف استثنائية، مع وجود خطة عسكرية معلنة للحرب على السلطة، يجعل السؤال مشروعًا، خصوصًا أن الانتخابات ليست بعيدة، وأن إسرائيل عاشت خلال السنوات الأخيرة أكثر من مرة على وقع حالات طوارئ وحروب غيّرت قواعد اللعبة السياسية.
المشكلة أن الحرب لا تحتاج دائمًا إلى قرار معلن بالذهاب إليها.
أحيانًا يكفي أن تتراكم الظروف.
سلطة فلسطينية تحت ضغط اقتصادي وسياسي وأمني. سلاح ينتشر خارج السيطرة الكاملة. احتلال يتوسع في الضفة. مستوطنون مسلحون. اقتحامات متواصلة. احتقان فلسطيني وإسرائيلي متصاعد. حكومة إسرائيلية تعلن أنها أعدت خطة عسكرية شاملة.
كل ذلك يجعل هامش الخطأ صغيرًا جدًا.
وقد تكون رصاصة واحدة كافية لتحويل السيناريو من ورقة على مكتب وزير الدفاع إلى واقع على الأرض.
عندها لن يكون السؤال: من أراد الحرب؟
سيصبح السؤال: هل جاءت الحرب في اللحظة التي كان يحتاجها نتنياهو أكثر من أي وقت آخر؟
وهنا تكمن خطورة السيناريو.
لأن الحرب في الضفة يمكن أن تمنح الحكومة الإسرائيلية مبررات أمنية استثنائية، وتعيد توحيد جزء من الجمهور حول خطاب «الخطر الوجودي»، وتضع المعارضة في موقف بالغ الصعوبة أمام أي نقاش انتخابي في زمن القتال.
وقد يتحول نتنياهو من رئيس حكومة يخوض انتخابات مثقلة بالملفات السياسية والقضائية والشعبية إلى رئيس حكومة يقول للإسرائيليين: لسنا في زمن الانتخابات، نحن في زمن الحرب.
لكن يجب عدم الخلط بين الاحتمال والواقع.
تأجيل الانتخابات في إسرائيل ليس قرارًا شخصيًا يستطيع رئيس الحكومة اتخاذه منفردًا متى شاء، كما أن إعلان حالة الطوارئ لا يعني تلقائيًا إلغاء الانتخابات. لذلك فإن الانتقال من أزمة أمنية إلى تأجيل الاقتراع يحتاج إلى مسار قانوني ومؤسساتي وسياسي معقد.
ومع ذلك، فإن التاريخ السياسي يعلمنا أن الدول في زمن الحرب تتغير فيها الحسابات بسرعة، وأن ما كان يبدو مستحيلًا قبل أسبوع قد يصبح مطروحًا على الطاولة بعد وقوع حدث أمني كبير.
لهذا فإن تصريحات كاتس تستحق القراءة أبعد من حدود الضفة.
فهو لم يقل فقط إن الجيش يراقب احتمالًا أمنيًا.
لقد تحدث عن خطة حرب جاهزة، وعن سيناريو محدد يبدأ بتحول «البنادق» الفلسطينية وينتهي بضربة واسعة للسلطة.
وهنا يبرز السؤال الفلسطيني أيضًا:
ماذا لو كان انهيار السلطة هو الشرارة التي تحتاجها إسرائيل لتغيير قواعد اللعبة في الضفة؟
وماذا لو أصبحت السلطة، بدل أن تكون جزءًا من ترتيبات الأمن، هي نفسها الهدف العسكري التالي؟
في هذه الحالة لن تكون المعركة على السلطة وحدها.
ستكون المعركة على من يملأ الفراغ بعدها.
وهنا تتقاطع الحسابات الإسرائيلية مع أخطر مخاوف الفلسطينيين: انهيار السلطة، انفلات السلاح، اتساع الفوضى، وتحوّل الضفة إلى ساحة مفتوحة لا يكون فيها الاحتلال بحاجة إلى شريك فلسطيني أصلًا.
أما نتنياهو، فإذا وجد نفسه أمام انتخابات صعبة، فقد يكون أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يقرر الحرب، بل أن تقع أزمة لا يستطيع أحد السيطرة عليها، ثم يجد فيها الجميع أنفسهم أمام واقع جديد.
وهنا يصبح «انقلاب البنادق» أخطر من مجرد سيناريو أمني؛ فقد يتحول، إذا وقع في التوقيت الخطأ، إلى صاعق سياسي يغيّر موعد الانتخابات، ويعيد تشكيل إسرائيل، ويفتح للضفة بابًا لا يعرف أحد كيف سيُغلق.
والسؤال الذي سيبقى معلقًا فوق المشهد:
إذا كانت الانتخابات تقترب، والخطة العسكرية جاهزة، فمن يضمن أن تبقى البنادق في أغمادها حتى يوم الاقتراع؟
