حين تعلن فرنسا أنها تدعو إلى فرض عقوبات جديدة على المسؤولين عن عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وحين تتحدث في الوقت نفسه عن اقتراح إرسال بعثة أوروبية لدعم الانتخابات الفلسطينية، فإن الخبر يستحق الترحيب، لكنه يستحق قبل ذلك أن نطرح عليه بعض الأسئلة الصعبة.
ففي فلسطين، لم تعد المشكلة أن العالم لا يرى ما يحدث. العالم يرى، ويوثق، ويصدر البيانات، ويعرب عن القلق، ويدعو إلى ضبط النفس، ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه. المشكلة الحقيقية أن الفجوة بين ما تقوله العواصم الأوروبية وما تستطيع أو تريد فعله على الأرض ما زالت واسعة إلى حد يجعل الفلسطيني ينظر إلى كل موقف جديد بحذر، لا لأنه يرفضه، بل لأنه سمع كثيرًا من المواقف التي لم تغيّر شيئًا في حياته.
أن يُعاقب مستوطن يمارس العنف خطوة مهمة، لكن السؤال الذي يسبقها: ماذا عن البيئة التي تجعل هذا العنف ممكنًا؟ وماذا عن الاستيطان الذي لا يتوقف؟ وماذا عن الأرض التي تُصادر، والطرق التي تُغلق، والقرى التي تجد نفسها محاصرة، والفلسطيني الذي يكتشف يومًا بعد يوم أن المساحة المتاحة له للحياة تضيق؟
المستوطن العنيف ليس ظاهرة منفصلة عن مشروع الاستيطان. هو أحد نتائجه. ولذلك فإن التعامل مع العنف بوصفه مشكلة أفراد، مع ترك المنظومة التي تنتج هذا العنف تعمل بلا توقف، يشبه معالجة الحريق من الدخان وترك النار مشتعلة.
وهنا تحديدًا يصبح الموقف الأوروبي أمام اختبار حقيقي.
إذا كانت فرنسا وأوروبا تريدان إرسال رسالة مفادها أن الاعتداء على الفلسطيني لن يبقى بلا ثمن، فعليهما أن تجعلا الثمن سياسيًا وقانونيًا، لا رمزيًا فقط. فالفلسطيني لا يحتاج إلى قائمة جديدة من الأسماء الخاضعة للعقوبات بقدر ما يحتاج إلى أن يشعر بأن الاعتداء على أرضه وبيته وحقه في الحياة لم يعد أمرًا يمكن ارتكابه ثم تجاوزه ببيان إدانة.
أما الانتخابات الفلسطينية، فهي قصة أخرى لا تقل تعقيدًا.
من حيث المبدأ، لا أحد يستطيع الاعتراض على دعم الانتخابات أو مراقبتها. الانتخابات حق فلسطيني، واستعادتها يمكن أن تكون خطوة مهمة لإعادة بناء الحياة السياسية الفلسطينية وترميم الثقة بين المواطن والمؤسسات. لكن الانتخابات ليست مجرد صندوق يوضع في مدرسة أو قاعة عامة، ثم يأتي المراقب الأوروبي ليتأكد من أن العملية تمت بصورة نزيهة.
الديمقراطية تبدأ قبل يوم الاقتراع.
تبدأ عندما يستطيع المرشح أن يصل إلى الناخب، وعندما يستطيع الناخب أن يصل إلى مركز الاقتراع، وعندما تكون هناك مساحة سياسية تسمح بالنقاش والاختلاف والمنافسة، وعندما يكون المواطن قادرًا على التفكير في المستقبل بدل أن ينشغل طوال الوقت بالسؤال عن الحاجز والطريق والأرض والبيت والأمان.
وهنا تكمن المفارقة التي يجب ألا تمر مرور الكرام: كيف يمكن لأوروبا أن تساعد الفلسطيني على اختيار ممثليه، بينما يظل الواقع السياسي والجغرافي الذي يعيش فيه الفلسطيني خاضعًا للاحتلال؟
لا يمكن فصل الديمقراطية عن الحرية.
ولا يمكن فصل الانتخابات عن الأرض.
ولا يمكن فصل السياسة عن الأمن.
فالذي يخشى على أرضه من المصادرة، أو يخشى على بيته من الهدم، أو يخشى في طريقه من اعتداء مستوطن، لا يعيش حياة سياسية طبيعية مهما كانت صناديق الاقتراع شفافة.
لهذا فإن إرسال بعثة أوروبية لمراقبة الانتخابات يجب ألا يكون نهاية الدور الأوروبي، بل بدايته.
أوروبا تملك أدوات أكبر من المراقبة. لديها علاقات سياسية واقتصادية ودبلوماسية مع إسرائيل، ولديها القدرة على التأثير، ولو بدرجات مختلفة. والسؤال ليس هل تستطيع أوروبا وحدها إنهاء الاحتلال؛ فهذا سؤال آخر. السؤال هو: هل تريد أن تستخدم ما تملكه من أدوات لكي يصبح احترام القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين جزءًا من سياستها الفعلية، لا مجرد لغة دبلوماسية؟
الفلسطيني لا يريد من أوروبا أن تختار له من يحكمه.
يريد فقط أن تساعده في الوصول إلى اللحظة التي يستطيع فيها أن يختار بنفسه.
وهذا فرق كبير.
فالانتخابات التي تأتي في بيئة طبيعية يمكن أن تكون بداية تغيير. أما الانتخابات التي تجري بينما تتآكل الأرض ويستمر الاستيطان والعنف، فقد تتحول إلى محاولة لإدارة الأزمة بدل حلها.
ولعل أخطر ما في المشهد أن المجتمع الدولي اعتاد تقسيم القضية الفلسطينية إلى ملفات صغيرة: الاستيطان ملف، عنف المستوطنين ملف، الانتخابات ملف، المساعدات ملف، الانقسام ملف.
لكن الفلسطيني لا يعيش ملفات.
يعيش حياة واحدة.
عندما يخرج من منزله صباحًا، لا يخرج إلى «ملف الاستيطان»، ثم ينتقل ظهرًا إلى «ملف الانتخابات»، ثم يعود مساءً إلى «ملف حقوق الإنسان». كل هذه الملفات تلتقي عنده في شارع واحد، وحاجز واحد، وبيت واحد، ومستقبل واحد.
لهذا فإن الموقف الفرنسي يمكن أن يكون مهمًا إذا تطور من إدانة إلى سياسة، ومن بيان إلى ضغط، ومن مراقبة إلى حماية فعلية للحق الفلسطيني.
أما إذا بقي الأمر في حدود الكلمات، فلن يكون أكثر من صفحة جديدة في أرشيف طويل من المواقف الأوروبية التي قالت الشيء الصحيح في الوقت الخطأ، أو قالت الشيء الصحيح دون أن تفعل ما يكفي.
فلسطين لا تحتاج إلى أوروبا كي تخبرها أن عنف المستوطنين خطير؛ الفلسطيني يعرف ذلك أكثر من أي دبلوماسي.
ولا تحتاج إلى بعثة أوروبية كي تكتشف أن الانتخابات مهمة؛ الفلسطيني يعرف معنى أن يفقد المواطن ثقته بمؤسساته.
ما تحتاجه فلسطين هو أن تتحول المعرفة الأوروبية إلى إرادة.
فالعالم لا يعاني نقصًا في المعلومات عن فلسطين.
يعاني نقصًا في القدرة السياسية على تحويل هذه المعلومات إلى أفعال.
وهنا، في النهاية، يجب أن يكون السؤال موجّهًا إلى أوروبا قبل الفلسطينيين:
هل تريدون انتخابات فلسطينية حقيقية، أم مجرد انتخابات يمكن مراقبتها؟
لأن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين أن تساعدوا الفلسطيني على وضع ورقة في صندوق، وبين أن تساعدوه على بناء وطن تكون لصوته فيه قيمة.
وإذا كانت أوروبا جادة فعلًا، فعليها ألا تكتفي بأن تقول للمستوطن: «ستُعاقب».
عليها أن تقول للاستيطان نفسه:
«إلى هنا.»
فالمشكلة في فلسطين لم تعد أن العالم لا يعرف من يعتدي.
المشكلة أن العالم يعرف… ولا يزال يتصرف وكأنه لا يعرف.
