35.01°القدس
35.33°رام الله
34.42°الخليل
32.46°غزة
35.01° القدس
رام الله35.33°
الخليل34.42°
غزة32.46°
السبت 01 اغسطس 2026
4.13جنيه إسترليني
4.32دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.53يورو
3.06دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.13
دينار أردني4.32
جنيه مصري0.06
يورو3.53
دولار أمريكي3.06
خالد فحل

خالد فحل

التمويل المشروط... المعلم أقوى من الكتاب

في كل مرة يثار فيها الجدل حول المناهج الفلسطينية، تتجه الأنظار إلى الكتاب المدرسي، وكأن مستقبل التعليم بأكمله يتوقف على صفحاته. وبينما ينشغل الممولون بمراجعة الفقرات وحذف العبارات وتعديل النصوص، يغيب السؤال الأهم: هل الكتاب هو من يصنع التعليم، أم أن المعلم هو من يمنح الكتاب روحه ومعناه؟

شهدت السنوات الأخيرة توجهًا متزايدًا نحو مصادر التعليم المفتوح، باعتبارها بديلًا قادرًا على توسيع فرص الوصول إلى المعرفة وتقليل الاعتماد على الكتاب المدرسي التقليدي. إلا أن هذا التوجه لم يخلُ من الانتقادات، إذ يرى كثير من التربويين أن وفرة المحتوى الرقمي لا تعني بالضرورة جودة التعليم، وأن تعدد المصادر قد يربك الطلبة، كما أن غياب المراجعة الموحدة لبعض المواد قد يفتح الباب أمام معلومات غير دقيقة أو مضامين لا تنسجم مع خصوصية المجتمع وثقافته. ويخشى آخرون أن يؤدي الإفراط في الاعتماد على المصادر المفتوحة إلى إضعاف مكانة الكتاب المدرسي، الذي ظل لعقود مرجعًا تربويًا موحدًا.

ورغم هذه الانتقادات، فإن مصادر التعليم المفتوح قد تشكل فرصة لتعزيز استقلالية التعليم إذا أحسن استخدامها، خاصة في ظل الجدل المتكرر حول التمويل المشروط، الذي يربط أحيانًا تقديم الدعم المالي بإجراء تعديلات على المناهج الدراسية.

لقد أصبح التمويل المشروط أحد أبرز التحديات التي تواجه التعليم الفلسطيني. فحين يرتبط الدعم المالي بشروط تتعلق بالمناهج، يصبح القرار التربوي معرضًا للتأثير الخارجي، ويغدو التعليم ساحة للنقاش السياسي بدل أن يبقى مشروعًا وطنيًا لبناء الإنسان.

ولا شك أن تطوير المناهج حق طبيعي، بل ضرورة تربوية تفرضها المتغيرات العلمية والاجتماعية، لكن هذا التطوير يجب أن يكون نابعًا من رؤية وطنية يضعها التربويون والخبراء، لا استجابة لاشتراطات الجهات المانحة.

ومن هنا جاء التفكير في توسيع الاعتماد على مصادر التعليم المفتوح، ليس باعتبارها بديلًا كاملًا عن الكتاب المدرسي، بل باعتبارها مصدرًا إضافيًا للمعرفة يخفف من مركزية الكتاب، ويمنح المعلم والطالب مساحة أوسع للإبداع والبحث.

لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أن الكتاب، مهما بلغت جودته، لا يعلم أحدًا بمفرده. فالذي يعلم هو المعلم، والذي يفسر ويصحح ويناقش ويزرع القيم هو المعلم، والذي يحول النصوص الجامدة إلى معرفة حية هو المعلم.

قد يكون الكتاب المدرسي هو الحجة التي يناقشها الممولون، وقد يكون محور الملاحظات التي يضعها الاتحاد الأوروبي أو غيره من المانحين، لكن الاتحاد الأوروبي لن يكون داخل الصف الدراسي، ولن يجيب عن أسئلة الطلبة، ولن يشرح الدرس، ولن يزرع الانتماء في نفوس الأطفال. الذي يفعل ذلك كله هو المعلم.

لهذا فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بطباعة كتاب جديد، ولا بتعديل فصل أو حذف فقرة، وإنما يبدأ ببناء معلم واثق، مؤهل، يمتلك المعرفة والحرية المهنية والقدرة على توظيف كل مصادر التعلم لخدمة الطالب ووطنه.

إن قوة أي نظام تعليمي لا تقاس بعدد الكتب المطبوعة، ولا بحجم التمويل الذي يتلقاه، وإنما تقاس بكفاءة معلميه. فإذا كان المعلم قويًا، أصبح الكتاب وسيلة، وإذا ضعف المعلم فلن تنقذ التعليم آلاف الكتب.

ويبقى الدرس الأهم أن التعليم لا تحميه الاتفاقيات ولا المنح، وإنما يحميه الإنسان الذي يقف كل صباح أمام طلبته، يحمل رسالة العلم ويبني الوعي.

قد يتفاوض الممولون على الكتاب... لكنهم لن يكونوا يومًا داخل الصف. هناك يقف المعلم وحده، ولذلك سيبقى هو الكتاب الحقيقي، وحارس الهوية، وصانع المستقبل.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن