حرب غزة من أشد الحروب مأساوية في العصر الحديث. ونقدم اليوم شهادة مهمة عنوانها "الشهادة: غزة" للمؤرخ الإسرائيلي الدكتور "لي مردخاي"، والتي نشرت في 5/7/2025 على موقع للمؤرخ نفسه "تحمل الشهادة: غزة". وهي شهادة بلغ عدد صفحاتها 232 صفحة، ووثقها بعدد كبير من الأدلة والاستشهادات بلغ عددها 2131، وكلها تدين الاحتلال والمتواطئين معه أو الصامتين على جرائمه. ورغم أهمية هذه الشهادة فلم أجد لآخر تحديثاتها أي ترجمة عربية أو عرضاً وافياً لكل محتوياتها، وهو ما نعرضه اليوم، فما حوته من حقائق تصلح كوثيقة اتهام ضد إسرائيل يمكن مواجهة مجرمي الحرب الصهاينة بها في المحاكم الدولية:
لماذا كُتبت هذه الشهادة؟
بيّن مردخاي أنه كتب شهادته من منظور الأكاديمي الذي يعتبر التصدي للظلم واجباً عليه. لذا، يسعى لتوثيق شهادة تاريخية تحفظ الأدلة، وللتأكيد على وجود أصوات إسرائيلية معارضة للحرب. وقد كان صمت الأوساط الأكاديمية الدولية والإسرائيلية مخيباً للآمال. إذن، فهي شهادة أخلاقية، ومحاولة لتوثيق لحظة تاريخية بكل ما تنطوي عليه من وحشية. وهي تأكيد على أن معاناة الفلسطينيين في غزة "تفوق التصور". ولذا، فالصمت إزاءها يرقى إلى حد التواطؤ والمشاركة في هذا الظلم.
الأمم المتحدة: غزة جحيم على الأرض
بدأت أحداث غزة يوم السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023، حين شنت حماس وفصائل أخرى هجوماً على إسرائيل أسفر عن مقتل أكثر من ألف إسرائيلي واختطاف أكثر من مائتين. وهو هجوم يجب أن يُقرأ في سياق الصراع الممتد بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والذي تعود جذوره إلى عام 1917 أو 1948.
هناك تباين صارخ بين حجم الكارثة الإنسانية في غزة والمزاج العام داخل إسرائيل؛ إذ تؤيد أغلبية ساحقة من الإسرائيليين العمليات العسكرية، وقيّموا أداء الجيش بأنه "جيد" أو "ممتاز"، غير مبالين بالوضع الإنساني في القطاع، مما يعكس أزمة أخلاقية عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي.شكل هذا الهجوم المبرر الرسمي لإسرائيل لشن الحرب. ومع ذلك، كان ردها غير متناسب على الإطلاق، وتحول إلى حرب ممتدة اتسمت بدمار واسع النطاق ومعاناة إنسانية غير مسبوقة، مما حول غزة إلى "جحيم على الأرض"، وتشهد قدراً من المعاناة يفوق الخيال، وتراجعت عجلة التنمية عقوداً إلى الوراء. وكافة الأدلة الواردة في هذه الشهادة كافية لأكوّن قناعة بأن ما ترتكبه إسرائيل حالياً بحق سكان غزة هو "إبادة جماعية" وفقاً لفهمي لهذا المصطلح.
وهناك تباين صارخ بين حجم الكارثة الإنسانية في غزة والمزاج العام داخل إسرائيل؛ إذ تؤيد أغلبية ساحقة من الإسرائيليين العمليات العسكرية، وقيّموا أداء الجيش بأنه "جيد" أو "ممتاز"، غير مبالين بالوضع الإنساني في القطاع، مما يعكس أزمة أخلاقية عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي.
ولقد وجهت جنوب أفريقيا اتهامات رسمية لإسرائيل أمام محكمة العدل الدولية. وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الدفاع غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وخلصت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان إلى أن سياسات إسرائيل، بما فيها التجويع والتهجير القسري والتعذيب والاغتصاب، تشكل جرائم حرب ممنهجة.
حجم المجزرة
قدمت وزارة الصحة في غزة بيانات دقيقة وموثوقة إلى حد كبير؛ وهي حقيقة أكدتها منظمات مستقلة مثل منظمة الحروب الجوية "Airwars". ومع ذلك، تظل حصيلة الوفيات الفعلية، بما في ذلك الوفيات غير المباشرة، أعلى بكثير من الأرقام الرسمية، مما يعكس مأساة إنسانية غير مسبوقة في تاريخ الصراع، إذ تحولت غزة إلى مكان يجسد جوهر الفقدان الجماعي، وبات كل منزل يروي قصة مأساة جديدة:
1 ـ تشير أرقام وزارة الصحة بغزة إلى أن إسرائيل قد قتلت ما يعادل 2.5% من سكان القطاع، وشكل النساء والأطفال وكبار السن ما لا يقل عن 60% من الضحايا. وهذه الأرقام على ضخامتها تُعد متحفظة؛ إذ تؤكد دراسات أكاديمية، منها دراسة نُشرت في مجلة لانسيت "The Lancet"، أن حصيلة الوفيات الفعلية قد تتجاوز مائة ألف، شاملةً القتلى والمفقودين و"الوفيات الزائدة" الناجمة عن انهيار النظام الصحي ونقص الغذاء والماء. كما قدّرت دراسة أخرى لمجلة "لانسيت" أن متوسط العمر المتوقع في غزة انخفض بنحو 35 عاماً خلال العام الأول من الحرب.
2 ـ فقد آلاف الأسر الفلسطينية جميع أفرادها، وفقدت عائلات أخرى العشرات أو حتى المئات من أقاربها. وتكشف استطلاعات الرأي التي أُجريت داخل غزة أن ما يقرب من 60% من المشاركين فقدوا فرداً من أفراد عائلاتهم، مما يعكس حجم الصدمة الجماعية التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني بالقطاع.
3 ـ تجاوزت حصيلة الإصابات مائة وأربعة وثلاثين ألف إصابة، منها إصابات مُقعِدة غيّرت حياة الضحايا بشكل دائم. ومع انهيار المستشفيات، يمكن حتى للجروح البسيطة أن تؤدي إلى الوفاة. ونظراً للحصار المفروض على القطاع، لم يحظَ سوى عدد ضئيل جداً من المصابين بفرصة تلقي العلاج خارجه.
4 ـ خلقت إسرائيل مجاعة في القطاع كسياسة أمر واقع واستخدمتها كسلاح حرب، مما أدى إلى وفاة عشرات المدنيين، غالبيتهم من الأطفال، جوعاً بشكل مؤكد.
تحولت الحرب من مجرد مواجهة عسكرية إلى حرب تستهدف كل مقومات الحياة. ففرضت إسرائيل حصاراً خانقاً منع وصول ما يكفي من الغذاء والماء والدواء، ووظفت المساعدات الإنسانية كسلاح لتحقيق غايات سياسية. واحتجزت الشاحنات عند الحدود لأسابيع حتى تتلف حمولتها.5 ـ عمدت إسرائيل إلى تفكيك النظام الصحي والبنية التحتية المدنية في غزة. لذا، تتزايد الوفيات عن حالات صحية قابلة للعلاج، وتُجرى إجراءات طبية معقدة دون تخدير مثل البتر والولادة القيصرية. وأظهر مقطع فيديو على الإنترنت طبيباً من غزة اضطر إلى بتر قدم ابنته على طاولة الطعام في منزله دون تخدير. ونتيجة لنقص الإمدادات، خضعت نساء يعانين من نزيف ما بعد الولادة لعمليات استئصال الرحم بسبب غياب الأدوية وإمدادات الدم، مما يمنعهن من الإنجاب مستقبلاً.
كذب الادعاءات الإسرائيلية حول تصنيف الضحايا
كشف مردخاي في شهادته عن تناقضات في الرواية الإسرائيلية المتعلقة بأعداد مقاتلي حركة حماس الذين قُتلوا. ففي حين يقدّر الجيش الإسرائيلي أنه قتل عشرات الآلاف منهم، تشير الأدلة إلى أن الكثير منهم كانوا مدنيين عُزّلاً ادعت إسرائيل أنهم "إرهابيون". بل إن بعض قادة حماس الذين أعلنت إسرائيل مقتلهم ظهروا لاحقاً وهم أحياء. وتؤكد تقارير مستقلة أن المدنيين قد يشكلون 75% أو أكثر من إجمالي الوفيات؛ وهو ما يتوافق مع نتائج الأمم المتحدة التي تشير إلى أن 70% من الضحايا في الأشهر الأولى كانوا من النساء والأطفال، حيث كانت الفئة العمرية 5-9 سنوات هي الأكثر تضرراً. وأدى استخدام إسرائيل لبرامج الذكاء الاصطناعي لتحديد الشخصيات المستهدفة، مثل نظام "الإنجيل" "The Gospel"، ؛ إلى قصف مناطق مكتظة بالسكان والقبول بمستويات عالية من "الأضرار الجانبية"، أي مقتل مئات من المدنيين عند استهداف مطلوب واحد.
غزة المكان الأخطر والأكثر قتلاً في العالم
إن مقتل 2,5% من السكان يضع حرب غزة ضمن قائمة الصراعات الخمسة الأكثر فتكاً في القرن الحادي والعشرين. وإن عدد النساء والأطفال الذين قُتلوا في غزة على يد الجيش الإسرائيلي خلال 2024 يفوق نظيره في الفترة المماثلة من أي صراع آخر شهدته العقود العشرين الماضية. وصرح مساعد سابق للأمين العام للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأن الهجوم الإسرائيلي على غزة يسجل على الأرجح أعلى معدل للقتل مقارنة بأي عملية عسكرية أدت إلى سقوط قتلى منذ الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994. وفي الحرب الأمريكية في أفغانستان، التي كان عدد سكانها 20 مليون نسمة عام 2001، فقد قُتل 46319 مدنياً و52893 مقاتلاً من المعارضة على مدار 20 عاماً (2001-2021). وحصيلة الضحايا من النساء والأطفال في غزة خلال عام واحد من القتال بلغت قرابة نصف الحصيلة المسجلة في سوريا على مدار 13 عاماً من الحرب.
حرب على كل مقومات الحياة
تحولت الحرب من مجرد مواجهة عسكرية إلى حرب تستهدف كل مقومات الحياة. ففرضت إسرائيل حصاراً خانقاً منع وصول ما يكفي من الغذاء والماء والدواء، ووظفت المساعدات الإنسانية كسلاح لتحقيق غايات سياسية. واحتجزت الشاحنات عند الحدود لأسابيع حتى تتلف حمولتها.
وكان تدمير البنية التحتية للغذاء والمياه جزءاً متعمداً من هذه الاستراتيجية؛ حيث قُصفت الأراضي الزراعية والدفيئات وقوارب الصيد والمخابز؛ وأصبحت محطات المياه والآبار خارج الخدمة. وعقب استهداف قوات الشرطة المحلية، انهار نظام توزيع المساعدات الداخلية، مما أجبر منظمات كبرى على تعليق عملياتها مثل "الأونروا" وبرنامج الغذاء العالمي، مما ساعد على تفشي المجاعة. وقد ارتفعت الأسعار بشكل جنوني؛ إذ قفز سعر كيس الدقيق من ثمانية دولارات إلى أكثر من مائتين وخمسين دولاراً، مما اضطر السكان إلى استهلاك أعلاف الحيوانات أو النباتات البرية وشرب مياه البحر أو المياه الملوثة. وجسدت صور الأطفال الذين بدت عليهم علامات الهزال الشديد في مستشفيات القطاع هذه الكارثة الإنسانية.
وتؤكد البيانات التي وثقتها منظمات دولية وفاة عشرات الأطفال بسبب الجوع أو الجفاف، ومعاناة أكثر من 90% من سكان غزة من انعدام حاد للأمن الغذائي. وخلصت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة إلى استخدام إسرائيل التجويع كسلاح حرب. ووصف خبراء المجاعة الوضع بأنه غير مسبوق في التاريخ الحديث من حيث السرعة والنطاق والحدة. ولم يقتصر الأمر على الحصار الرسمي، بل امتد ليشمل هجمات شنها مستوطنون إسرائيليون على قوافل المساعدات أدت إلى إحراق شاحنات وإصابة سائقيها، وذلك على مرأى من الجنود الذين اكتفوا بدور المتفرج. وجعلت هذه الممارسات إيصال الغذاء إلى غزة أمراً شبه مستحيل، مما يؤكد أن التجويع كان سياسة ممنهجة وليس مجرد تبعة عرضية للحرب. وبهذه الطريقة، تحولت الحرب إلى أداة للإبادة الجماعية البطيئة، حيث استُخدِم الحصار والتجويع سلاحين لإخضاع مجتمع بأسره. وتجاوزت المجاعة في غزة بمعدلات هائلة مجاعات أخرى في القرن الحادي والعشرين، مثل تلك التي شهدتها الصومال (2011) وجنوب السودان (2017).
الخطاب الإسرائيلي وتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم
وفقاً للأدلة والشهادات التي جمعها مردخاي في شهادته، شملت ظاهرة تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم أربعة مستويات مترابطة: الخطاب السياسي والعسكري، الخطاب الإعلامي والمجتمعي، ممارسات بعض الجنود، ومعاملة المعتقلين الفلسطينيين. وأدى تكرار اللغة التي تنزع الصفة الإنسانية عن سكان غزة إلى تطبيع العنف وتقليل الحواجز الأخلاقية والقانونية أمام التعامل مع المدنيين والمحتجزين.
يرصد موردخاي تصريحات لمسؤولين إسرائيليين اُستخدمت فيها تصور الصراع باعتباره مواجهة بين «الحضارة والهمجية» أو بين «أبناء النور وأبناء الظلام»، مع استدعاء قصة عماليق في الخطاب المتعلق بالحرب. وأورد تصريحات لمسؤولين، بما فيها رأس السلطة ووزراء ونواب ومسؤولين عسكريين وسياسيين، لا تميز بين المقاتلين والمدنيين، وتصف سكان غزة بعبارات تنزع عنهم الصفة الإنسانية.
وشارك في خطاب التجريد قطاعات من المجتمع الإسرائيلي ووسائل الإعلام والفن والثقافة. وكان هناك أكثر من 18 ألف دعوة باللغة العبرية لتسوية غزة بالأرض ومحوها رُصدت خلال الشهر الأول للحرب، مقابل 16 دعوة فقط خلال الشهر ونصف السابقين للحرب. وطالبت تصريحات علنية بمنع المساعدات الإنسانية. وذكر استطلاع للرأي في أبريل 2024 أن 42% من الإسرائيليين رأوا أن إسرائيل لا ينبغي أن تلتزم بالقانون الدولي الإنساني. وتضمنت برامج تلفزيونية وأغانٍ خطاباً مهيناً أو تحريضياً تجاه سكان غزة.
ونُشرت مئات الصور ومقاطع الفيديو بواسطة جنود إسرائيليين، وتضمنت مشاهد لإساءة معاملة الأسرى الفلسطينيين، وتدمير ممتلكات ومبانٍ ومواقع دينية، ونهب ممتلكات خاصة، وإطلاق النار العشوائي، والسخرية من الضحايا. وانتشرت لغة الانتقام والتعامل مع الدمار باعتباره مادة للترفيه أو التفاخر. كما أصبح النهب ممارسة متكررة، ونشر بعض الجنود مقاطع للحرب بطريقة ساخرة أو احتفالية. ويربط موردخاي بين هذا الخطاب وبين محاولات مدنيين إسرائيليين منع أو تقييد دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة. ويشير إلى احتجاجات إسرائيلية ودعوات من مسؤولين وجنود إلى وقفها، واستهداف للأونروا في القدس. كما امتدت مظاهر الحرب إلى المجال الاجتماعي، بما في ذلك تطبيقات المواعدة، حيث نشر جنود وجنديات صوراً لأنفسهم بالزي العسكري أو أمام المباني المدمرة أو داخل المنازل المهجورة. وساهمت هذه الظاهرة في تطبيع المظاهر العنيفة للحرب وإضفاء شرعية اجتماعية عليها. وكان من بين النتائج الأكثر خطورة لهذه البيئة: معاملة المعتقلين الفلسطينيين بالسجون الإسرائيلية معاملة سيئة للغاية.
التطهير العرقي
كانت الحرب مشروعاً لإعادة الهندسة الديموغرافية والجغرافية وتغيير هوية القطاع. ووظفت إسرائيل التطهير العرقي لمحو غزة الفلسطينية وتحويلها إلى حيز جديد يُعاد تشكيله وفق رؤية استعمارية حديثة. واستخدمت خطاباً يدعو إلى اقتلاع الفلسطينيين وإحلال مستوطنين يهود محلهم. وأطلق وزراء إسرائيليون تصريحات تدعو إلى تهجير سكان غزة، واقترح بعضهم إسقاط قنبلة نووية على القطاع أو تحويله إلى "متحف فارغ يشبه أوشفيتز".
وسُرِّبت خطط حكومية تتعلق بإعادة توطين الفلسطينيين في سيناء أو دول أخرى، مثل الكونغو وتشاد ورواندا، مقابل دعم مالي وعسكري. وسعت إسرائيل إلى جعل غزة منطقة غير صالحة للحياة. وتُقدِّر تقارير الأمم المتحدة أن إزالة الركام وحده قد تستغرق أكثر من عقد من الزمان، وأن تكاليف إعادة الإعمار قد تصل إلى 50 مليار دولار. ودفع هذا الدمار الممنهج الخبراء إلى صياغة مصطلح "إبادة الموطن" domicide، في إشارة إلى تدمير البنية التحتية الأساسية للحياة لدرجة تجعل العودة مستحيلة. وأظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الإسرائيليين يؤيدون طرد سكان القطاع أو فرض حكم مباشر عليه بعد الحرب.
توظيف قضية الرهائن لاستمرار حرب الإبادة
في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، احتجزت حماس وفصائل فلسطينية أخرى 251 رهينة، بينهم مدنيون وجنود وعمال أجانب. الأمر الذي جعلته إسرائيل محوراً رئيسياً في الخطابين الداخلي والدولي. ورغم جعلها تحرير الرهائن هدفاً للحرب؛ إلا أن الواقع كشف غير ذلك. فقد أدت معظم عمليات الإنقاذ العسكرية إلى مقتل أعداد كبيرة من الرهائن. وقُتل رهائن آخرون جراء غارات جوية استهدفت أماكن احتجازهم؛ لم يُحرَّر سوى عدد محدود منهم عبر العمليات العسكرية. واستخدمت إسرائيل قضية الرهائن أداة لتبرير استمرار الحرب. وظلت شاهدة على الثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون الفلسطينيون والرهائن أنفسهم إذ كانوا عرضة للقصف وخطر الموت حتى أثناء محاولات إنقاذهم.
ورغم استعداد حماس منذ الأيام الأولى للحرب لإبرام صفقة تبادل شاملة أو جزئية؛ إلا أن إسرائيل رفضت هذه العروض مفضلة مواصلة الحرب. ويعود ذلك إلى اعتبارات سياسية داخلية وخوف نتنياهو من انهيار حكومته، مما أطال أمد الأزمة وفاقم من معاناة الرهائن وعائلاتهم.
حرب على الضفة الغربية
رغم أن الضفة الغربية لم تكن ساحة معركة مباشرة، فقد أصبحت مسرحاً لعمليات القتل، والتهجير القسري، ومصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وكل ذلك في ظل غياب أي مساءلة قانونية أو دولية فعالة. مما يكشف عن استراتيجية شاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية في جميع الأراضي المحتلة. فقد شهدت الضفة الغربية، منذ 7 أكتوبر 2023، موجات واسعة من هجمات شنها مستوطنون، وقد بلغ مجموعها حوالي 968 حادثة في غضون أشهر قليلة، مما أدى إلى تهجير ما لا يقل عن 18 تجمعاً فلسطينياً من الرعاة والبدو واقتلاع آلاف الفلسطينيين من أماكنهم. وتضمنت هجماتهم القتل والترويع والنهب، وغالباً ما تم ذلك بمشاركة أو موافقة ضمنية من الجيش الإسرائيلي. بل إن بعض المستوطنين جُنِّدوا في وحدات الدفاع الإقليمية، مما منحهم غطاءً رسمياً لممارسة العنف وهم يرتدون الزي العسكري.
وفي مايو 2024، أعلن الجيش عن خطط لتزويد المستوطنين بأسلحة إضافية، مما زاد من تفاقم خطورة الوضع، ومقتل 521 فلسطينياً في الضفة الغربية، وأصيب أكثر من 5200 آخرين. وقد وقعت العديد من حالات الوفاة هذه في غياب أي اشتباكات مسلحة؛ بل كانت عمليات قتل مباشر لأشخاص عزل، بمن فيهم أطفال. وتعكس هذه الحوادث سياسة "إطلاق النار بقصد القتل" التي أقر بها مسؤولون إسرائيليون علناً. وشهدت الضفة أيضاً سلسلة من الانتهاكات وأشكال الإذلال الممنهج للفلسطينيين، واعتقال أكثر من 5000 فلسطيني في الضفة الغربية بحلول مايو 2024، وُضع غالبيتهم رهن الاعتقال الإداري دون محاكمة أو توجيه تهمة. وقد تعرضوا لممارسات يومية من التعذيب والإذلال، مثل إجبارهم على الزحف تحت العلم الإسرائيلي وتقبيله، أو إلقاء الطعام على الأرض ووطئه بالأقدام.
واستغلت إسرائيل الحرب لتوسيع المستوطنات بوتيرة غير مسبوقة؛ إذ صادرت ما يقرب من 11 ألف دونم في الأشهر الأولى من عام 2024 في أكبر عملية استيلاء على الأراضي منذ عقود، وألغت قوانين كانت تحظر سابقاً إقامة مستوطنات في مواقع محددة. وأكدت تقارير استقصائية أن عمليات البناء الاستيطاني غير القانوني تمضي دون رادع، في حين يُقيَّد البناء الفلسطيني بشدة.
حرب على الوعي والرأي العام
الحرب في غزة كانت أيضاً معركةً على الوعي والرأي العام لفرض السردية الإسرائيلية وإسكات السردية الفلسطينية وتزوير الحقائق. وأطلقت إسرائيل حملات دعائية واسعة النطاق لتقويض مصداقية الأصوات المنتقدة، وتقييد تدفق المعلومات من غزة، وحشد الرأي العام الداخلي والدولي. وامتدت لتشمل منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات الرقمية في أوروبا والولايات المتحدة. وأُنفقت ملايين الدولارات لإغراق المشهد الإعلامي بمقاطع صادمة وصور مشحونة عاطفياً؛ وهي مواد ثبت لاحقاً أن بعضها ملفق أو غير موثوق، مثل القصص التي انتشرت على نطاق واسع حول "قطع رؤوس رضع" أو "حرق أطفال" والتي ثبت كذبها فيما بعد.
وسعت إسرائيل إلى إسكات المنتقدين عبر توجيه اتهامات بمعاداة السامية أو شن حملات تشويه ضد شخصيات عامة ومنظمات حقوقية دولية. ومارست ضغوطاً على منصات التواصل الاجتماعي لحذف آلاف المنشورات المؤيدة للفلسطينيين. ولم تسلم المحكمة الجنائية الدولية من ذلك؛ إذ وُصِم المدعي العام كريم خان بأنه "معادٍ للسامية" بعد إعلانه نيته السعي لاستصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو ووزير الدفاع.
وسعت إسرائيل إلى إسكات المنتقدين عبر توجيه اتهامات بمعاداة السامية أو شن حملات تشويه ضد شخصيات عامة ومنظمات حقوقية دولية. ومارست ضغوطاً على منصات التواصل الاجتماعي لحذف آلاف المنشورات المؤيدة للفلسطينيين. ولم تسلم المحكمة الجنائية الدولية من ذلك؛ إذ وُصِم المدعي العام كريم خان بأنه "معادٍ للسامية" بعد إعلانه نيته السعي لاستصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو ووزير الدفاع.وفرضت إسرائيل رقابة صارمة على وسائل الإعلام المحلية والدولية؛ حيث مُنع المراسلون من دخول غزة، وتعرض الصحفيون الفلسطينيون للتهديد، وتدخلت الرقابة العسكرية في آلاف المقالات، مانعةً نشر المئات منها. حتى أن وسائل إعلام كبرى مثل شبكة "سي إن إن" أقرت بأن تغطيتها تمر عبر مكتب القدس الخاضع للرقابة. وقد جعلت هذه السيطرة على تدفق المعلومات من الصعب على العالم رؤية التكلفة الحقيقية للحرب، وحوّلت الإعلام الإسرائيلي نفسه إلى أداة دعائية للحكومة.
أما على الصعيد الداخلي، فقد قمعت الشرطة الاحتجاجات المناهضة للحرب، ومُنِع الفلسطينيون داخل إسرائيل من التظاهر. وفُصل معلم إسرائيلي لمشاركته في فعالية مؤيدة للفلسطينيين، وأُغلقت قناة الجزيرة. وخلقت هذه الإجراءات بيئة تقيد حرية التعبير بشدة، وجعلت الحكومة مسيطرة على الإعلام بالكامل.
أمريكا طرف أساسي في حرب الإبادة على غزة
الولايات المتحدة هي شريك مباشر في الحرب. وساهمت في إطالة أمدها عبر تزويد إسرائيل بالسلاح وتوفير الغطاء السياسي لها. وخلال الأشهر الأولى، وافقت على أكثر من مائة صفقة عسكرية مع إسرائيل تم تمريرها دون إخطار الكونغرس، وذلك عبر استخدام آليات استثنائية تتجاوز الرقابة التشريعية. وقد مكّن كل ذلك التدفق إسرائيل من مواصلة عمليات عسكرية عالية الكثافة. وامتد دورها ليشمل انخراطاً مباشراً في القتال الإقليمي ضد الحوثيين وإيران، ونفذت ضربات في اليمن والعراق وسوريا.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، عرقلت باستخدامها المتكرر للفيتو أي قرار يدين إسرائيل ويدعوها إلى وقف إطلاق النار. ومارست ضغوطاً على المحكمة الجنائية الدولية للحيلولة دون إصدار مذكرات اعتقال بحق قادة إسرائيليين؛ بل إن الكونغرس أقر تشريعاً لفرض عقوبات على المحكمة نفسها في حال مضيها قدماً في هذه الإجراءات. ولم تُطبَّق الإدارة الأمريكية على إسرائيل "قانون ليهي" الذي يلزم بتعليق المساعدات العسكرية للدول المتهمة بانتهاك حقوق الإنسان، رغم وجود أدلة موثوقة على ارتكاب انتهاكات جسيمة. وقد أكدت تقارير داخلية مسربة من وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية "USAID" أن إسرائيل لم تلتزم بالقانون الدولي الإنساني، وعرقلت وصول المساعدات الإنسانية، وتسببت في مقتل عمال إغاثة وصحفيين بمعدلات غير مسبوقة؛ ومع ذلك، اكتفت الإدارة الأمريكية بإصدار تصريحات غامضة حول "تدابير تصحيحية" دون فرض أي عقوبات. ورغم الأصوات المعارضة للحرب، وما شهدته الجامعات من احتجاجات واسعة، فقد ظلت الإدارة على دعمها العسكري والدبلوماسي الهائل لإسرائيل.
