18.33°القدس
18.09°رام الله
17.16°الخليل
23.98°غزة
18.33° القدس
رام الله18.09°
الخليل17.16°
غزة23.98°
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
4.06جنيه إسترليني
4.33دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.43يورو
3.07دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.06
دينار أردني4.33
جنيه مصري0.06
يورو3.43
دولار أمريكي3.07

الاستيطان في الضفة.. مشروع قديم يتسارع لفرض وقائع جديدة على الأرض

الضفة الغربية-فلسطين الآن

شكّل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 محطة مفصلية في واقع الضفة الغربية المحتلة، إذ شهدت الفترة التي تلته تصاعداً في النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، بالتوازي مع تزايد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية.

ولم يقتصر هذا التصاعد على توسيع المستوطنات القائمة أو الدفع بمخططات بناء جديدة، بل امتد ليشمل إقامة بؤر استيطانية، والاستيلاء على مساحات إضافية من الأراضي، وفرض قيود على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم ومصادر رزقهم، فضلاً عن تصاعد أعمال العنف التي استهدفت التجمعات السكانية، ولا سيما في المناطق الريفية والبدوية.

وتكشف البيانات الصادرة عن مؤسسات أممية وحقوقية، إلى جانب تقارير فلسطينية وإسرائيلية متخصصة، عن اتساع نطاق التوسع الاستيطاني والاعتداءات المرتبطة به خلال السنوات التي أعقبت السابع من أكتوبر، في مسار يتجاوز التغيرات الميدانية المؤقتة إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي للضفة الغربية.

توسع استيطاني غير مسبوق

وكشف تقرير صادر عن مكتب ممثل الاتحاد الأوروبي في الضفة الغربية وقطاع غزة، في 6 تموز/يوليو 2026، عن تصاعد غير مسبوق في النشاط الاستيطاني الإسرائيلي خلال عام 2025، في مسار يستهدف توسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية وفرض وقائع جديدة على الأرض.

وبحسب التقرير، تجاوز عدد المستوطنين الإسرائيليين 750 ألفاً، موزعين على 147 مستوطنة، فيما أقرت الحكومة الإسرائيلية إنشاء 54 مستوطنة جديدة خلال عام 2025، باستثناء القدس الشرقية، وهو أعلى رقم سنوي منذ عام 1967.

كما أُنشئت نحو 86 بؤرة استيطانية، بالتوازي مع مخططات لبناء 40,064 وحدة سكنية خلال الفترة بين عامي 2023 و2025، يُتوقع أن تستوعب ما بين 160 ألفاً و200 ألف مستوطن إضافي.

وفي سياق متصل، وقّعت الحكومة الإسرائيلية، في 14 تموز/يوليو 2026، عقداً بقيمة 8.5 مليارات شيكل لبناء 12 ألف وحدة سكنية جديدة، وفقاً للتقرير.

ولم يقتصر التوسع على البناء السكني، بل امتد إلى السيطرة على الأراضي عبر ما يُعرف بالاستيطان الرعوي، الذي يقوم على إنشاء مزارع استيطانية تُستخدم للهيمنة على الأراضي المحيطة بها وتقييد وصول الفلسطينيين إليها.

ووفقاً للمصدر ذاته، تجاوزت مساحة الأراضي الخاضعة فعلياً لسيطرة المستوطنين 1.07 مليون دونم، أي ما يعادل نحو 18% من مساحة الضفة الغربية، بعد إضافة قرابة 300 ألف دونم خلال عام 2025.

كما أعلنت الحكومة الإسرائيلية نحو 25,959 دونماً أراضيَ دولة بين عامي 2023 و2025، بما يعادل قرابة نصف إجمالي المساحات التي أُعلنت أراضيَ دولة منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، بحسب التقرير.

وترافق ذلك مع شق 223 كيلومتراً من الطرق الاستيطانية الجديدة، والمضي في مشروع منطقة «E1» الاستيطانية، عبر المصادقة على بناء 3,401 وحدة سكنية، إلى جانب تخصيص مليارات الشواكل للبنية التحتية وشق ما يُعرف بـ«طريق السيادة».

ووفقاً للمصدر، يُتوقع أن يؤدي هذا الطريق إلى عزل نحو 3% من مساحة الضفة الغربية عن الفلسطينيين، في حين يعزز الترابط الجغرافي بين المستوطنات.

وتعكس هذه المعطيات تزامن التوسع العمراني الاستيطاني مع السيطرة على الأراضي وتطوير البنية التحتية، بما يسهم في تغيير الخريطة الجغرافية والديموغرافية للضفة الغربية، ويحد من التواصل المكاني بين التجمعات الفلسطينية.

اعتداءات متصاعدة واتساع رقعة الاستهداف

وبالتوازي مع التوسع الاستيطاني، تصاعدت اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم. فقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) 1,828 هجوماً للمستوطنين خلال عام 2025، أسفرت عن سقوط شهداء ووقوع إصابات أو أضرار مادية في نحو 280 تجمعاً فلسطينياً، مقارنة بـ1,420 هجوماً عام 2024، و1,189 هجوماً عام 2023. ويمثل ذلك أعلى إجمالي سنوي منذ بدء المكتب رصد هذه الاعتداءات عام 2006.

وتشير بيانات المكتب إلى استمرار الاعتداءات بوتيرة مرتفعة خلال عام 2026؛ إذ وثّق أكثر من 1,600 اعتداء منذ بداية العام وحتى 14 أيلول/سبتمبر، شملت حوادث أسفرت عن إصابات في صفوف الفلسطينيين أو أضرار في الممتلكات أو كليهما.

وبحسب هذه البيانات، بلغ متوسط الاعتداءات نحو 6.7 اعتداءات يومياً خلال الفترة المذكورة، كما طالت 275 تجمعاً فلسطينياً في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، ما يعكس اتساع نطاقها الجغرافي وعدم اقتصارها على قرى أو تجمعات سكانية محددة.

واستمرت الاعتداءات خلال النصف الثاني من أيلول/سبتمبر، إذ وثّق المكتب أكثر من 50 اعتداء خلال الفترة الممتدة من 22 إلى 28 أيلول/سبتمبر 2026، أدت إلى إصابات فلسطينية أو أضرار في الممتلكات أو كليهما.

وتشير هذه الأرقام إلى استمرار الاعتداءات حتى أواخر أيلول/سبتمبر، في سياق يتداخل فيه العنف الميداني مع التوسع الاستيطاني والقيود المفروضة على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم وممتلكاتهم.

بشار القريوتي: ما بعد السابع من أكتوبر شهد تسارعاً في الاعتداءات

ويؤكد المتخصص في مجال مقاومة الاستيطان بشار القريوتي أن اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية لم تبدأ بعد السابع من أكتوبر 2023، بل سبقت ذلك التاريخ وشكّلت جزءاً من مسار متواصل للسيطرة على الأرض وفرض وقائع جديدة بالقوة.

ويقول القريوتي، في حديث صحفي إن الفترة التي أعقبت السابع من أكتوبر شهدت تسارعاً في وتيرة الاعتداءات واتساعاً في نطاقها، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب على غزة، الأمر الذي أتاح تكثيف الضغوط على التجمعات الفلسطينية وملاحقة سكانها في أراضيهم ومصادر رزقهم.

ويضيف أن خطورة هذه الاعتداءات لا تقتصر على الإصابات وتدمير الممتلكات، بل تكمن أيضاً في نتائجها التراكمية، المتمثلة في منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، والاستيلاء على المراعي ومصادر المياه، ودفع العائلات إلى الرحيل تحت وطأة الخوف والتهديد.

ويتابع أن تزامن الاعتداءات المتكررة مع إقامة البؤر الاستيطانية وتوسيع السيطرة على الأراضي المحيطة بها قد يحوّل الحوادث الفردية إلى أداة لتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي، وتقليص قدرة الفلسطينيين على البقاء في مناطقهم.

ويشدد القريوتي على أن فهم ما يجري يستوجب الربط بين الاعتداءات ومصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني، بدلاً من التعامل معها باعتبارها وقائع منفصلة، مؤكداً أن جوهر الصراع لا يتعلق بمساحة من الأرض فحسب، بل بحق الفلسطينيين في البقاء عليها.

ويختم بالقول إن كل تجمع يُهجّر، وكل أرض يُحرم أصحابها من الوصول إليها، يفتح المجال أمام تكريس وقائع يصعب عكسها مستقبلاً، مشدداً على أن التوثيق والمساءلة وحماية صمود التجمعات الفلسطينية تمثل عناصر أساسية في مواجهة هذا المسار.

أبو العدس: الاستيطان مشروع أيديولوجي يتجاوز الاعتداءات الفردية

من جانبه، يرى المتابع للشأن الإسرائيلي عزام أبو العدس أن ما يجري في الضفة الغربية لا يمكن فهمه باعتباره موجة اعتداءات عابرة فرضتها ظروف ما بعد السابع من أكتوبر، بل بوصفه امتداداً لمشروع أيديولوجي وسياسي أقدم، ينظر إلى الأرض باعتبارها حقاً حصرياً لليهود، ويتعامل مع الوجود الفلسطيني بوصفه عائقاً أمام استكمال السيطرة عليها.

وسبق لأبو العدس أن حذّر من تحوّل المستوطن من مجرد مقيم في مستوطنة إلى فاعل عقائدي وميداني يسعى إلى توسيع نطاق السيطرة، مشيراً إلى تنامي التدريب العسكري لدى فئات من المستوطنين وما يُعرف بفتية التلال.

ويقول أبو العدس إن خطورة هذه العقلية تكمن في أنها لا تفصل بين الاستيطان والعنف؛ إذ قد تتحول البؤرة التي تبدأ بكرفان أو مزرعة رعوية إلى نقطة ارتكاز للسيطرة على مساحات واسعة، فيما تسهم الاعتداءات المتكررة وتقييد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم في خلق بيئة طاردة تدفع السكان إلى الرحيل.

ويضيف أن هذه الممارسات تتقاطع مع مواقف معلنة لقيادات استيطانية وسياسية إسرائيلية تطالب بفرض السيادة على الضفة الغربية وترفض إقامة دولة فلسطينية، ما يمنح قراءة الأهداف السياسية للتوسع الاستيطاني سنداً يتجاوز الاستنتاج من الوقائع الميدانية وحدها.

ويخلص أبو العدس إلى أن السابع من أكتوبر لم يكن بداية المشروع الاستيطاني، بل مثّل مرحلة تسارعت خلالها محاولات تكريس وقائع جديدة على الأرض.

ويؤكد أن التحدي لا يقتصر على توثيق الاعتداءات بعد وقوعها، بل يشمل فهم الترابط بين الأيديولوجيا والقرار السياسي والتحركات الاستيطانية الميدانية، محذراً من أن النتيجة المحتملة لا تقتصر على توسيع المستوطنات، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وتقويض فرص قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.

المصدر: فلسطين الآن