تتجاوز الكارثة الإنسانية والسياسية الدائرة في قطاع غزة كل ما دونته البشرية في تاريخها الحديث من فصول القهر والدمار، لتتحول حياة مليوني فلسطيني إلى صراع وجودي يومي لا يتوقف.
في هذه البقعة الجغرافية المحاصرة، لم يعد الموت مجرد احتمال يتربص بالسكان من الجو والبر والبحر، بل أضحى تفصيلاً ثابتاً يرافق الأسر في خيام النزوح المهترئة وفوق أنقاض منازلهم المدمرة.
ومع دخول العدوان وحرب الإبادة الجماعية مراحل غير مسبوقة من التدمير الممنهج، يواجه قطاع غزة واقعاً مأساوياً طال كافة مناحي الحياة الحيوية، مغيراً الملامح الجغرافية والديموغرافية للقطاع وسط صمت دولي مخزٍ وعجز أممي فاضح عن لجم آلة الحرب الإسرائيلية.
إبادة ديموغرافية وجغرافيا ممزقة..
وتشير المعطيات الميدانية الصادرة عن وزارة الصحة والمؤسسات الدولية إلى حجم المحرقة الحقيقية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة؛ حيث ارتفع عدد الشهداء ليتجاوز 73 ألف شهيد، ونحو 173 ألف جريح ومصاب، تشكل النساء والأطفال النسبة الأكبر منهم.
هذه الأرقام المخيفة لا تعبر فقط عن حجم الفقد الإنساني، بل تكشف عن نية مبيتة لإبادة جيل كامل وإنهاء أي مقوم من مقومات الحياة المستقبلية.
ولم تسلم حتى الطواقم الإغاثية والأممية من هذا الاستهداف المباشر؛ إذ سجلت "الأونروا" ارتقاء نحو 392 من موظفيها وزملائها الذين حاولوا تقديم شريان حياة خجول للنازحين.
الجغرافيا في غزة لم تعد كما كانت، فقد تحولت مدن القطاع النابضة بالحياة إلى تلال من الركام والأنقاض التي تخفي تحتها آلاف المفقودين.
إن عمليات التهجير القسري المتكررة حشرت ما يزيد على 1.7 مليون نازح في مناطق ضيقة تفتقر لأدنى مقومات البيئة البشرية الصالحة، حيث باتت العائلات تلجأ إلى بقع جغرافية متقلصة لا تتجاوز 14% من المساحة الإجمالية للقطاع، يعيشون فيها تحت وطأة التهديد المستمر وبلا أي حماية تذكر من تقلبات الفصول وأمطار الشتاء التي تهاجم خيامهم الممزقة.
المجاعة الممنهجة وسلاح العطش والأمراض..
لم تكتفِ آلة الحرب بالقتل المباشر عبر الصواريخ والقذائف، بل وظفت سلاح التجويع والتعطيش الممنهج كأداة للضغط السياسي والإبادة الجماعية.
ويواجه حالياً أكثر من 1.6 مليون مواطن في غزة مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل إغلاق المعابر والقيود الصارمة المفروضة على دخول شاحنات المساعدات الإنسانية والوقود، حيث باتت الوجبات اليومية التي يحصل عليها السكان تراجعت إلى مستويات بائسة لا تقيم أود الأطفال والنساء، مما يهدد بإصابة أكثر من 100 ألف طفل دون سن الخامسة بسوء التغذية الحاد الشديد.
هذه الكارثة الغذائية تتزامن مع تدمير شبه كامل لشبكات المياه والصرف الصحي، حيث انخفضت حصة الفرد من المياه النظيفة بنسبة تتجاوز 94% مقارنة بما قبل الحرب.
هذا الانعدام الصارخ للمياه الصالحة للشرب أجبر المواطنين على استهلاك مياه ملوثة وغير مكررة، مما أدى إلى تفشي الأوبئة والأمراض الجلدية والمعوية بشكل مرعب في مخيمات النزوح.
وتشهد الطواقم الطبية ارتفاعاً هائلاً في حالات الأمراض المعدية كالتهابات الجهاز التنفسي، والكبد الوبائي، والأمراض الجلدية الحادة مثل القوباء (Impetigo) التي تنهش أجساد الأطفال دون توفر الحد الأدنى من العلاجات والمنظفات الأساسية.
المنظومة الصحية.. احتضار في غرف العناية المكثفة..
وتعيش المنظومة الصحية في قطاع غزة حالة من الانهيار التام والمستمر، بعدما أخرج الاستهداف المباشر والحصار الطبي المشدد أكثر من 85% من المرافق الطبية و80% من مراكز الرعاية الأولية عن الخدمة بشكل كامل، فالمستشفيات القليلة المتبقية التي تكافح للعمل بطاقة جزئية، مثل مجمع ناصر الطبي ومستشفى شهداء الأقصى، تحولت إلى نقاط إسعاف بدائية تعاني عجزاً مطلقاً في الوقود المشغل للمولدات، وفي الأدوية الحيوية والمستهلكات الطبية الأساسية.
هذا التوقف القسري لإمدادات الطاقة والأدوية جعل من المستشفيات ساحات موت حتمي لأصحاب الأمراض المزمنة؛ حيث سجلت المؤسسات الطبية آلاف الوفيات بين صفوف مرضى الفشل الكلوي، والسرطان، والسكري، والقلب، نتيجة غياب الجرعات العلاجية وانعدام التبريد اللازم لحفظ الأدوية الحيوية مثل الأنسولين.
وتقف الطواقم الطبية المنهكة عاجزة أمام طوفان الإصابات المعقدة وحالات البتر، وتجري العمليات الجراحية المعقدة أحياناً دون تخدير وفي ظروف تفتقر لأدنى معايير التعقيم، مما يمثل وصمة عار كبرى على جبين الإنسانية والنظام الدولي الذي يدعي حماية حقوق الإنسان.
البنية التحتية والتعافي المفقود..
وأكدت التقارير المشتركة الصادرة عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة أن حجم الدمار والتخريب الذي طال البنية التحتية في غزة قد أعاد مؤشرات التنمية في القطاع إلى الوراء بنحو 77 سنة، المدارس، الجامعات، المساجد، الكنائس، وشبكات الكهرباء والاتصالات طمست بالكامل، وتحولت الأحياء السكنية الراقية إلى مساحات شاسعة من الرماد. وتشير التقديرات الأممية إلى أن غزة بحاجة إلى ما يفوق 71.4 مليار دولار فقط للبدء في عمليات إعادة الإعمار والتعافي التي قد تمتد لعقود طويلة.
وعلى الرغم من إعلان تفاهمات واتفاقيات لوقف إطلاق النار في أوقات سابقة، إلا أن تلك القرارات بقيت بمثابة "حبر على ورق" أمام إصرار الاحتلال على مواصلة الخنق الاقتصادي والعسكري وتدمير آليات الانتقال إلى مراحل مستقرة.
وتمنع القيود العسكرية دخول المعدات الثقيلة لإزالة الركام، وتعرقل حركة الوفود الطبية والإغاثية الدولية، بل وجرى حظر وتقييد عمل عشرات المنظمات الإنسانية الدولية التي تحاول تقديم العون للمواطنين، مما يترك الشعب الفلسطيني وحيداً في مواجهة شتاء قارس رابع يفتقر فيه لأبسط مقومات الإيواء والتدفئة.
خذلان المجتمع الدولي وصرخة الصمود الثابت..
أمام هذه اللوحة السريالية من المعاناة الإنسانية، يتبدى بوضوح عجز وتواطؤ المجتمع الدولي الذي يكتفي ببيانات القلق والإدانة الخجولة، دون اتخاذ خطوات فعلية وقانونية ملزمة لوقف مجازر الإبادة وفتح المعابر بشكل دائم لإدخال الوقود والمساعدات الطبية والحياتية.
إن استمرار عرقلة تدفق المساعدات الإنسانية الإغاثية يمثل انتهاكاً صارخاً وصادماً للقانون الدولي الإنساني ولمواثيق الأمم المتحدة، ويجعل من المنظومة الدولية شريكة في تصفية شعب يباد لمجرد تمسكه بأرضه وحقه المشروع في الحرية والاستقلال.
إن قطاع غزة، وهو يعيش هذه الأزمة الأكثر تعقيداً وقسوة في التاريخ المعاصر، يسطر في الوقت ذاته ملحمة أسطورية من الصمود والثبات فوق الركام، فرغم الجوع، والعطش، والمرض، وفقدان الأحبة، يصر المواطن الفلسطيني في غزة على البقاء، متمسكاً بتراب أرضه، ورافضاً لكل مخططات التهجير والتركيع.
إنها صرخة غزة المدوية إلى أحرار العالم وضمائره الحية، إن الصمت على ما يجري هنا ليس مجرد تخاذل سياسي، بل هو سقوط أخلاقي وحضاري مروع ستدفع الإنسانية ثمنه طويلاً إذا لم يستيقظ الضمير العالمي للجم هذا العدوان فوراً وبلا شروط.
