تؤكد شهادات من داخل المنظومة الأمنية الإسرائيلية، تواطؤ المستوى السياسي الإسرائيلي وقادة المستوطنين، مع الإرهاب اليهودي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.
وليست هذه المعلومات مفاجئة لكل من يراقب الوضع، ويرى المشاهد الموثّقة القادمة من الضفة، لاعتداءات المستوطنين الإرهابية، لكن الشهادات التي نشرتها صحيفة هآرتس العبرية، اليوم الاثنين، تفنّد ومن داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها، المواقف المزيّفة المعلنة في أوساط حكومة الاحتلال، والتي تصطنع معارضتها الإرهاب اليهودي، كلما تعرّضت إسرائيل لفضيحة وانتقادات على مستوى العالم، على غرار الاعتداء أخيراً، على دبلوماسيين غربيين والصحافية في "واشنطن بوست" هايدي ليفين.
وتعزو مصادر في المنظومة الأمنية الإسرائيلية، فشل تعامل جيش الاحتلال مع الإرهاب اليهودي، إلى ردع الجيش من قبل المستوى السياسي، كما أن ضباطاً يخشون مواجهة قيادة المستوطنين أو اتخاذ إجراءات ضد جنود ومستوطنين يمارسون العنف ضد الفلسطينيين.
وتوضح المصادر التي تنقل عنها الصحيفة، أنه كما يحدث في جهاز الشرطة الإسرائيلية، فإن ضباطاً في الجيش أيضاً، يحسبون عواقب قراراتهم قبل تحرّكهم، للخشية من هجمات قد تطاولهم من قبل وزراء ونواب في الكنيست، كما أن الخوف من احتمال تدخّل وزير الأمن يسرائيل كاتس، في الترقيات داخل الجيش، يتسرب إلى القادة في الميدان ويؤثر بطريقة عمل الجيش ضد الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية.
من جانبهم، يحافظ رؤساء المجالس في المستوطنات على اتصال مباشر ومستمر مع قادة الألوية والفرق العسكرية، وأحياناً مع المستوى السياسي.
وترى المصادر الأمنية أن هذه العلاقات تجاوزت حدود التنسيق الأمني، وباتت مصدر قوة يؤثر في سلّم الأولويات وعلى عمليات الجيش، خاصة أن بعض أطراف الائتلاف الحكومي، تنظر إلى قيادة المستوطنين باعتبارها قوة سياسية مؤثرة قبيل الانتخابات الإسرائيلية، كما يدرك الضباط في الميدان الثمن الذي قد يدفعونه إذا اتّخذوا قراراً قد يؤدي إلى مواجهة مع المستوطنين.
وطبقاً للمصادر، أصبحت اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين أحداثاً روتينية لا تحظى دائماً بتدخل عاجل، وعليه لو كان وجود الدبلوماسيين الأجانب منسقاً مع الجيش، لكانت الاستجابة أسرع بكثير. وتقول المصادر إن لدى الجيش الإسرائيلي قوات ووسائل تتيح له الوصول بسرعة إلى مواقع الأحداث في الضفة، لكن في كثير من الحالات لا تتعلق المسألة بالوقت المطلوب لوصول القوات، بل بما إذا كان الضباط يعتبرون العنف ضد الفلسطينيين حدثاً يستوجب تدخّلاً فورياً.
وتسوق المصادر عدة أمثلة حول تأثير ضغط المستوطنين في سلوك الجيش وفرض جدول أوليات على الضباط في الميدان، بينما لا تحظى اعتداءات خطيرة على الفلسطينيين بالاهتمام المطلوب.
قبل بضعة أسابيع، دخل جندي احتياط إسرائيلي بسيارته إلى منطقة يُحظر على الإسرائيليين دخولها، وأوقف عند حاجز للشرطة الفلسطينية، يعمل في الموقع منذ سنوات، في إطار التنسيق الأمني بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية.
وبحسب المصادر، كالعادة، في هذه المرة أيضاً أوقف الجندي وسُلّم للجيش، لكن بعد إطلاق سراحه، زعمت شخصيات بارزة في المستوطنات أنه اختُطف على يد الشرطة الفلسطينية.
وفي اليوم التالي وصل قائد فرقة يهودا والسامرة (التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية المحتلة) كوبي هيلر، إلى المكان برفقة نظرائه الفلسطينيين للتحقيق في الحادثة.
وقالت المصادر إن هذا التدخل غير اعتيادي من ضابط برتبة عالية في واقعة لم تنته بإصابة أحد، وإن أحداثاً مشابهة تقع ضمن التنسيق الأمني تقريباً كل أسبوع، لكنه تأثير المستوطنين.
مثال آخر، وصول رئيس أركان الجيش إيال زامير، برفقة قائد المنطقة الوسطى آفي بِلوط إلى البؤرة الاستيطانية "معوز شاؤول"، في أغسطس/ آب 2025، التي حظيت بترحيب من جهات يمينية.
واعتبرت المصادر وجود رئيس الأركان في موقع غير قانوني حتى بالمفهوم الإسرائيلي، فيه رسالة لقادة الألوية والفرق الذين يُطلب منهم تطبيق القانون على بؤر مشابهة، ما يعني ردعهم عن التدخل لمنع إقامة بؤر استيطانية أو إخلاء مبانٍ أُقيمت دون تصريح، حتى لو لم يقل قائد الجيش ذلك بشكل صريح.
ووفقاً لمصادر الصحيفة، فإنّ الخوف من المواجهة مع المستوى السياسي، يظهر أيضاً في توزيع المسؤوليات عن التحقيق في حوادث إطلاق النار التي يكون الجنود أو أفراد الاحتياط طرفاً فيها، بحيث تتكرر الخلافات بين الجيش والشرطة حول الجهة المسؤولة عن التحقيق. وبحسب المصادر، لا يريد أي من الجهازين أن يكون الطرف الذي يقرر اعتقال جندي أو عنصر احتياط بشبهة إطلاق النار على فلسطيني، وأن يقود تحقيقاً قد ينتهي بإدانته وسجنه، ذلك أنّ الجيش والشرطة يخشيان الثمن الشخصي والمهني الذي قد يدفعه من يتخذ مثل هذا القرار.
