تضع استطلاعات الرأي المشهد السياسي في دولة الاحتلال أمام احتمالات مفتوحة، في ظل تراجع فرص معسكر بنيامين نتنياهو، مقابل تقدم أحزاب المعارضة في استطلاعات أخرى، من دون أن يضمن ذلك لأي معسكر أغلبية مستقرة في الكنيست.
وتُظهر استطلاعات حديثة أن معسكر نتنياهو وأحزاب المعارضة الصهيونية لا يزالان دون عتبة حسم الـ61 مقعدًا اللازمة لتشكيل حكومة، فيما قد تجد الأحزاب العربية نفسها في موقع مؤثر في حسابات تشكيل الائتلاف المقبل.
وتتراوح السيناريوهات المطروحة بين نجاح المعارضة في التوصل إلى تفاهمات تتيح لها تشكيل حكومة، وتعثر المفاوضات بما يبقي نتنياهو في رئاسة حكومة انتقالية، أو اللجوء إلى ترتيبات ائتلافية أوسع تتجاوز الاصطفافات الحالية.
غير أن الطريق إلى أي من هذه الخيارات لا يتوقف على عدد المقاعد وحده، بل يرتبط أيضًا بهوية المرشح لرئاسة الحكومة، ومواقف الأحزاب من التعاون مع القوائم العربية، ومدى استعداد القوى المتنافسة لتقديم تنازلات متبادلة.
ا
عوامل قد تؤثر في توجهات الجمهور
لا يمكن حتى هذه اللحظة الجزم بشكل وطبيعة الخريطة السياسية المقبلة في "إسرائيل"، حتى في ضوء استطلاعات الرأي، التي لا تزال متأرجحة ولا تقدم حسمًا واضحًا لاتجاهات الناخبين؛ فمن وجهة نظر الخبير في الشأن الإسرائيلي، سليمان بشارت، هناك عوامل مهمة يمكن أن تؤثر في توجهات الجمهور الإسرائيلي يوم الانتخابات.
يرى بشارات في صحفي، أن أول هذه العوامل هو الدعم المعلن والمباشر الذي يقدمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبنيامين نتنياهو. متسائلا: "هل يمنح هذا الدعم مساحة أكبر للفئة المترددة للتوجه نحو التصويت لنتنياهو؟ أم أن الأمر قد يُفهم باعتباره تدخلًا أميركيًا في الشأن الداخلي الإسرائيلي، بما يؤدي إلى نفور بعض الناخبين منه واتجاههم إلى دعم إيزنكوت؟".
العامل الثاني يتمثل في الأحزاب الصغيرة، ولا سيما أحزاب اليمين، وفي هذا السياق يقول بشارات، إن نتنياهو نجح في الانتخابات السابقة في استقطاب هذه الأحزاب واحتضانها ضمن ائتلاف حكومي من قوى اليمين المتطرف، وشكلت له بمثابة طوق نجاة. ولذلك، قد تؤدي هذه الأحزاب الصغيرة دورًا حاسمًا في تحديد مسار تشكيل الحكومة بعد الانتخابات.
أما العامل الثالث، كما يراه الخبير، فيرتبط بمشاركة الجمهور العربي الفلسطيني داخل "إسرائيل"، ونسبة التصويت في أوساطه، وما إذا كانت ستشهد ارتفاعًا أم لا، إضافة إلى حجم المقاعد التي يمكن أن تحصل عليها القوائم العربية.
ويعتقد بشارت أنه يمكن لهذه العوامل، مجتمعة أو منفردة، أن تؤثر في شكل الخريطة السياسية المقبلة واتجاهاتها. لكن الواضح أن الانتخابات الحالية تمثل بالنسبة إلى نتنياهو معركة مرتبطة بمستقبله ووجوده السياسي؛ ولذلك لن يتخلى عنها بسهولة، ولن يمنح إيزنكوت والمعارضة الإسرائيلية مساحة مريحة لتشكيل حكومة لا يكون نتنياهو جزءًا منها. وربما يسعى إلى وضع العراقيل أمام هذا المسار أو دفع المشهد السياسي الإسرائيلي في اتجاهات متعددة
ثلاثة سيناريوهات
ويطرح الخبير بشارات ثلاث مسارات وسيناريوهات لتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة على ضوء نتائج استطلاعات الرأي المتاحة وهي:
تشكيل حكومة ائتلافية واسعة بمشاركة نتنياهو
قد يحاول نتنياهو التوجه نحو تشكيل حكومة ائتلافية واسعة تتيح له البقاء في المشهد السياسي الإسرائيلي، والاستمرار في التأثير في عملية صنع القرار. ورغم أن غادي إيزنكوت الذي يقود المعارضة قد يرفض هذا الخيار خشية أن يخسر دعم الجمهور الإسرائيلي، فإن الخطاب المرتبط بما يوصف بالخطر الوجودي الذي تواجهه "إسرائيل" قد يدفع باتجاه ترتيبات من هذا النوع.
ويمكن أن يستند هذا السيناريو إلى نموذج سبق أن لجأ إليه نتنياهو عقب السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، عندما شكل حكومة حرب وضم إليها شخصيات من خارج الائتلاف الحكومي، في محاولة لتوسيع دائرة المشاركة في إدارة المرحلة.
عدم حسم الانتخابات واستمرار حكومة انتقالية
قد لا تسفر الجولة الانتخابية الحالية عن حسم واضح، ما يبقي نتنياهو على رأس حكومة انتقالية لفترة قد تصل إلى أربعة أشهر، وفق هذا السيناريو. وقد يمنحه استمرار الوضع القائم فرصة لكسب الوقت وإعادة تعزيز ثقله السياسي، بما يسمح له بالاستعداد للجولة الانتخابية التالية ومحاولة حسمها لصالحه.
تشكيل حكومة برئاسة إيزنكوت بدعم من الأحزاب العربية أو الأحزاب الصغيرة
قد تنجح المعارضة في تشكيل حكومة بقيادة إيزنكوت، مستندة إلى دعم الأحزاب العربية أو بعض الأحزاب الصغيرة. لكن مثل هذه الحكومة قد تواجه صعوبات في الحفاظ على تماسكها واستقرارها، ما يضعها أمام تحديات سياسية وائتلافية متعددة.
ومع ذلك، فإن التحديات التي قد تواجه الحكومة المقبلة لا تنفصل عن أسئلة أوسع تتعلق بمستقبل "إسرائيل" والمشروع اليهودي ككل، في ظل ارتباط مسار الدولة وتوجهاتها بالتطورات الجارية في الشرق الأوسط. وفقا لبشارات.
لماذا يدعم ترامب نتنياهو؟
يعتقد بشارات أن رسالة دونالد ترامب ودعمه لبنيامين نتنياهو يشيران إلى أن الانتخابات الإسرائيلية ترتبط بمسألتين أساسيتين، الأولى تتعلق بمستقبل المشروع اليهودي برمته، وبالحاجة إلى بلورة خطاب سياسي إسرائيلي ينسجم مع التوجهات المستقبلية المرتبطة بهوية الوجود الإسرائيلي واليهودي، ومفهوم الدولة، وغيرها من القضايا التي باتت حاضرة في النقاش الداخلي الإسرائيلي.
أما المسألة الثانية، فتتعلق بمستقبل المنطقة ككل، في ظل وجود توجهات نحو مشروع أوسع في الشرق الأوسط، تحتل إسرائيل موقعًا محوريًا فيه.
ومن هذا المنطلق، يقول بشارات، إن ترامب من خلال دعمه نتنياهو، معني بأن تكون "إسرائيل" في طليعة هذا المشروع، ويريد شخصية تمتلك القدرة والجرأة على اتخاذ القرارات وتنفيذها، وهي صفات يرى أنها تتوافر لدى نتنياهو.
وأمام مشهد سياسي إسرائيلي معقد، يؤكد الخبير أن استطلاعات الرأي وحدها لاتستطيع أن تحسم اتجاهاته بصورة نهائية، أو أن تحدد بدقة النتائج التي يمكن أن تسفر عنها الانتخابات، في ظل تعدد العوامل الداخلية والإقليمية والدولية المؤثرة فيها.
