18.2°القدس
17.57°رام الله
16.86°الخليل
22.38°غزة
18.2° القدس
رام الله17.57°
الخليل16.86°
غزة22.38°
الأربعاء 21 أكتوبر 2026
4.13جنيه إسترليني
4.36دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.47يورو
3.09دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.13
دينار أردني4.36
جنيه مصري0.06
يورو3.47
دولار أمريكي3.09

وثائق "تايم" تفضح رواية الاحتلال: "إسرائيل" أدارت آلية الأموال القطرية إلى غزة

تثير إسرائيل بين فترة وأخرى قضية أموال قطرية دخلت إلى غزة على مدار سنوات في إطار المساعدات الإنسانية لسكان القطاع المحاصر. وفي كل مرة ينكشف كذب إسرائيل التي تحاول إلصاق تهم بالدوحة، وتشويه سمعتها في العالم.

وفي هذا السياق، تفضح وثائق جديدة نشرتها مجلة "تايم" الأميركية، دولة الاحتلال، وتثبت ما تقوله الدوحة منذ سنوات، ولكن هذه المرّة بلسان الإسرائيليين أنفسهم؛ إذ استندت المجلة إلى مراسلات رسمية وشهادات مسؤولين إسرائيليين وأميركيين وعرب، أقرّت بأن حكومات إسرائيل المتعاقبة (ترأسها بنيامين نتنياهو منذ العام 2009، باستثناء فترة حكومة نفتالي بينت بين 2021-2022) ساعدت في إنشاء آلية المساعدة القطرية لغزة وتشغيلها والحفاظ عليها سنوات.

ودافع نتنياهو مراتٍ عن سياسة السماح بإدخال الأموال القطرية إلى القطاع في السنوات التي سبقت حرب الإبادة على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مبرراً هذا بـ"منع حدوث أزمة إنسانية"، وأنّ الأموال كانت تُدار وتراقب عبر آليات نسقتها إسرائيل.

وفي هذه الفترة، ما قبل الانتخابات الإسرائيلية للكنيست، المقرّرة في 27 أكتوبر/تشرين الأوّل الجاري، تكتسب الاتهامات لقطر زخماً، بالأساس في محاولة بعض الأحزاب استغلال الورقة القطرية، لتحميل المنافسين السياسيين المسؤولية عن السماح للدوحة بضخ الأموال. وأكثر ما يبرز ذلك، في محاولات تحميل رئيس حزب بياحد نفتالي بينت، المسؤولية لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، فيما ينأى الأخير بنفسه عن الاتهامات. هذا، رغم أن السياسة التي بدأت في عهد نتنياهو بشأن أموال منَح المساعدات القطرية للسكان في غزّة، استمرت في فترة رئاسة بينت الحكومة أيضاً 2021- 2022، وإن اختلف شكلها بمنع حقائب الأموال النقدية، ومن ثم استمرت مع عودة نتنياهو إلى الحكم، وكل ذلك بمعرفة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ومتابعتها.

وقد عاد بينت الأسبوع الجاري، وهاجم "العقيدة الأمنية" التي عرضها نتنياهو، ولم يستثن قطر من الأمر، لأغراضٍ انتخابية، مشككاً في تصريحات نتنياهو بأن الأموال القطرية التي نُقلت إلى حركة حماس (في زعمه) خلال سنوات حكمه لم تكن عاملاً مهماً في عملية 7 أكتوبر.

يبدأ تقرير المجلة من العام 2012، الذي فيه ساعدت حكومة نتنياهو في تسهيل تحويل الأموال القطرية إلى غزّة؛ وهي تحويلاتٌ بدأت بعد سيطرة "حماس" على الحكم في القطاع عام 2007، وبلغ مجموعها عام 2018 نحو 1.1 مليار دولار وفقاً لما أوردته صحيفة هآرتس، مستندةً إلى تحليل قُدّم إلى وزراء إسرائيليين.

وبحسب "تايم"، خُصِّصت هذه الأموال للمساعدات الإنسانية والوقود ورواتب الموظفين الحكوميين في غزّة. ورغم أن الأموال كانت تمر بعلم إسرائيل، وجّه قادة الأخيرة انتقادات إلى الدوحة، زاعمين تمويلها "حماس". وعليه، طالبت قطر بتوثيق رسمي لترتيب اتفقت عليه الحكومتان، هدفه تقديم الإغاثة لسكان القطاع.

وتأكّد رضى إسرائيل عن هذه التحويلات في رسالة موثّقه كشفتها "تايم" أرسلها رئيس الموساد السابق، يوسي كوهين، إلى الدوحة، كتب فيها: "إنها بالفعل فرصة عظيمة للتعبير عن امتناننا وتقديرنا لجهود المساعدات الإنسانية التي قدمتها دولة قطر إلى قطاع غزّة خلال السنوات القليلة الماضية"، مُقراً بأنه "لا شك في أن هذه الجهود الإنسانية أدّت دوراً محورياً في تحسين الوضع الإنساني داخل القطاع وضمان الاستقرار والأمن في المنطقة". ولم ينحصر دعم الترتيب الذي اتفقت عليه تل أبيب والدوحة فيهما، بل امتد إلى إدارتي الرئيسين الأميركيين دونالد ترامب، وخلفه جو بايدن، وحكومات إسرائيل المتعاقبة والفلسطينيين والأمم المتحدة والدول الأوروبية، كما تنقل المجلة عن مسؤولين عملوا في الإدارة الأميركية.

نقطة تحوّل
رغم الدعم الذي حظي به الترتيب المذكور، أصبح تحويل أموال قطرية إلى غزّة بعد عملية طوفان الأقصى شمّاعة لتعلّق عليها إسرائيل أكبر إخفاق أمني في تاريخها، فعلى الرغم من أن أجهزة الأمن الإسرائيلية كانت تطلع، وتفحص، وتدقق أمنياً في قوائم الجهات والأسماء التي ستتسلم الأموال، وتمنح موافقتها عليها، أثار الإخفاق الأمني أسئلة بشأن ما إذا كان شريان الدعم المالي هذا قد ساعد في الحفاظ على قبضة "حماس" على السلطة، وبالتالي مكّنها من تنفيذ الهجوم.

وتنقل "تايم" عن متحدث باسم المكتب الإعلامي الدولي القطري قوله إن "جميع المساعدات المالية القطرية في غزّة وُجّهت إلى المواطنين الفلسطينيين من خلال آليات نُسّقت مع السلطات الإسرائيلية والشركاء الدوليين. وفي ظل آليات المساعدات السابقة، مرّت جميع المساعدات المالية، وكذلك السلع، مثل الغذاء والدواء والوقود، عبر إسرائيل قبل دخولها إلى غزة". وأكد المتحدث نفسه أنه "لم تُسلَّم أي مساعدات مباشرة من قطر"؛ إذ بحسبه "وفّرنا المساعدات، بينما تولّت منظمات الأمم المتحدة إيصالها بالتنسيق مع السلطات الإسرائيلية". وأضاف أنه "إذا وصلت أي أموال إلى حماس، كما يزعم أفراد وجماعات لديهم أجندات سياسية معادية لقطر، فإن المسؤولية تقع على عاتق إسرائيل، التي أشرفت على إيصال المساعدات وأنشأت الآلية المستخدمة لذلك".

لماذا توصل الجانبان إلى الترتيب؟
وفق "تايم"، بدأت قطر إرسال الأموال إلى غزة عام 2007، في عهد رئيس حكومة الاحتلال إيهود أولمرت، عقب سيطرة "حماس" على القطاع، من دون مشاركة إسرائيل المباشرة في البداية. ثم تغيّر هذا في عهد نتنياهو، إذ وافقت حكومته عام 2012 على آلية لتسهيل المساعدات القطرية، شملت توفير الغذاء والدواء والوقود، ودعم الكهرباء، وتحديد الأسر الفلسطينية المستفيدة من المساعدات المالية.

ورغم انتقاد مسؤولين إسرائيليين قطر علناً بسبب تمويل "حماس"، كانت إسرائيل توافق على هذه التحويلات وتطلب سراً تجديدها، ما أثار استياء الدوحة. وبحلول 2018، طالبت قطر بتوثيق رسمي لدور إسرائيل في هذه الترتيبات، فجرى تنظيمها ضمن آلية ثلاثية شاركت فيها قطر وإسرائيل والأمم المتحدة، لضمان إدارة المساعدات تحت إشرافين، دولي وإسرائيلي.

وفي أكتوبر/ تشرين الأوّل 2018، وقّعت الأطراف اتفاقاً لتمويل إمدادات الوقود إلى غزة. وفي سياق أعم، حافظت قطر على علاقاتها مع "حماس"، واستضافت مكتبها السياسي في الدوحة منذ عام 2011 بطلب أميركي، على ما تذكر المجلة، قبل أن تؤدّي دور الوسيط في المفاوضات بين إسرائيل و"حماس" والولايات المتحدة.

وفي هذا الصدد، تكشف تصريحات مسؤولين ودبلوماسيين استندت إليها المجلة أن إسرائيل كانت على علم بآلية تحويل الأموال القطرية إلى القطاع، ووافقت عليها، بل أشرفت على تنفيذها. ففي 2021، أقرّ المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، تور وينسلاند، بأهمية هذه الترتيبات لتحسين الأوضاع الإنسانية والاقتصادية المتدهورة في القطاع.

وفي العام نفسه، وقّعت قطر اتفاقاً لتخصيص 40 مليون دولار لمساعدة نحو مائة ألف أسرة فلسطينية، بواقع مئة دولار شهرياً لكل أسرة لمدة أربعة أشهر، قبل تمديد البرنامج لاحقاً.

وبحسب دبلوماسي مطّلع على العملية، حرصت قطر على إطلاع واشنطن على تفاصيل آلية المساعدات، خشية أن تتهمها إسرائيل بتمويل "حماس"، من دون الإقرار بدورها في هذه الترتيبات. وطبقاً لهذا الدبلوماسي "ظل الإسرائيليون يصرّون على تنفيذ الأمر بهذه الطريقة، حتى يتمكنوا من التحكم في ما يدخل وما يخرج"، بدلاً من اعتماد آلية أكثر انتظاماً توصل الأموال مباشرة إلى السكان الفلسطينيين.

ووفقاً لمسؤولين أميركيين وإسرائيليين، شملت المساعدات تمويل الوقود والكهرباء المشتراة من إسرائيل، وتحويل الأموال عبر الأمم المتحدة لتمويل مشروعات في غزّة، وتقديم مساعدات نقدية شهرية للأسر الفقيرة.

وأكد دبلوماسيون مطّلعون أن إسرائيل كانت تدقّق في أسماء المستفيدين وتشرف على آلية التوزيع، التي نُفّذت عبر برنامج الأغذية العالمي. وقال أحدهم "إذا وصلت الأموال يوماً إلى أيدٍ غير أمينة، فبسبب الإسرائيليين؛ لأنهم من كانوا يشرفون على العملية برمتها".

وتفيد الوقائع بأن حكومة نتنياهو لم تكتفِ بالموافقة على الترتيبات، بل عملت على استمرارها رغم الانتقادات العلنية. ففي 2018، نقل مسؤولون أمنيون إسرائيليون أموالاً قطرية نقداً إلى غزة داخل حقائب سفر، وفق تقارير إعلامية أميركية وإسرائيلية، كما تكشف مراسلات 2019 عن إخطار قطر حكومة نتنياهو بتحويل ستة ملايين دولار إلى 20 ألف مستفيد.

وفي 2020، شدّد مسؤول في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، في رسالة إلى مسؤولين قطريين، على ضرورة مواصلة تحويل المساعدات عبر الآلية القائمة، مؤكداً تقدير حكومته للتعاون القطري. وعملياً، تدعم هذه الشواهد الاستنتاج بأن إدخال الأموال القطرية إلى غزة جرى بعلم سلطات الاحتلال وموافقتها، وتحت إشرافها على آليات التوزيع.

طبقاً لتقرير "تايم" استمرت المساعدات القطرية إلى غزة بعد مغادرة نتنياهو السلطة عام 2021، رغم أن خلفه بينت كان من أشد منتقدي هذا الترتيب، ووصف الأموال القطرية سابقاً بأنها "أموال حماية".

وفقاً لمطّلعين على المناقشات، كانت اعتراضات بينت موجّهة إلى قاعدته الانتخابية والسياسية الداخلية، ولم تعكس بالضرورة رغبة فعلية في إنهاء المساعدات.

وبحسب مسؤول سابق في إدارة جو بايدن، كانت قطر تستعد لوقف البرنامج، لكن بينت اكتفى بإنهاء نقل الأموال النقدية داخل الحقائب، مع الإبقاء على عبور المساعدات بآليات أخرى. وأكد ممثل إسرائيلي لمبعوث من إدارة بايدن موقف حكومة بينت بأنه "لا مشكلة. نريد مواصلة الأمر كما هو".

بحسب مسؤول سابق في إدارة بايدن، كانت قطر تستعد لوقف البرنامج، لكن بينت اكتفى بإنهاء نقل الأموال النقدية داخل الحقائب، مع الإبقاء على عبور المساعدات بآليات أخرى

لم يكن نَفَسُ حكومة بينت طويلاً، فسرعان ما اسقطتها التباينات الداخلية وعاد نتنياهو إلى السلطة. وبحسب التقرير، قبيل اندلاع الحرب (أكتوبر 2023) بأسبوعين، توجّه رئيس "الموساد" ديفيد برنيع، إلى الدوحة طالباً تجديد التمويل، رغم أن قطر كانت ترى أن الترتيب استنفد أغراضه.

وفي هذا الصدد، حذّر مسؤولون ودبلوماسيون من أن احتفاظ إسرائيل وحركة حماس بالسيطرة على آلية المساعدات أتاح للطرفين استخدامها أداةً للضغط. وقال أحد المسؤولين للمجلة الأميركية إن "نتنياهو وحماس يمسكان بالصنبور"، وإن كلاً منهما كان قادراً على تقييد المساعدات لتحقيق أهدافه.

وفي 2023، سعت قطر إلى اعتماد آلية بديلة تضمن إيصال المساعدات إلى المدنيين من دون إخضاعهم لسيطرة "حماس" أو الحكومة الإسرائيلية، لكن حكومة نتنياهو تمسّكت بالإطار القائم. ووفقاً لمسؤولين مطّلعين، استند طلب برنيع تجديد التمويل إلى اعتقاد إسرائيلي بأن استمرار المساعدات سيمنح "حماس" ما تخشى خسارته، ويوفر لإسرائيل وسيلة للضغط عليها.

وعقب عملية 7 أكتوبر (2023)، انتهى الترتيب الذي دعمته إسرائيل بناءً على الوثائق. وفي المقابل، تصاعدت الاتهامات لنتنياهو بأنه ساهم في تعزيز "حماس" لإبقاء الفلسطينيين منقسمين، استناداً إلى تصريحات نُسبت إليه في 2019، لكنه نفى الإدلاء بها لاحقاً. وبرّر استمرار المساعدات بالحاجة إلى منع الانهيار الإنساني والحفاظ على الخدمات الأساسية في غزّة.

المصدر: فلسطين الآن