تلاحق تداعيات نفسية متباينة عشرات الآلاف من أهالي غزة لا سيّما من فئة الشباب، بعدما خلفت الحرب الإسرائيلية واقعاً كارثياً أفضى إلى تعطل النسبة الأكبر منهم عن العمل، أو منعهم من استكمال الدراسة، كما فقد كثيرون أفراداً من عائلاتهم، ودمرت بيوت الآلاف لينتهي بهم الحال داخل خيمة نزوح مهترئة، فضلاً عن عيشهم في ظل خطر الاستهداف الدائم.
تنتشر أعراض الأمراض النفسية المختلفة بين أهالي قطاع غزة، خصوصاً فئة الشباب، واستشعرت كثير من المؤسسات التي تعنى بالصحة النفسية خطر تفشي الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة، وقررت إقامة جلسات دعم نفسي داخل مخيمات الإيواء.
وكشفت وزارة الصحة في غزة، أخيراً، أن 98% من فئة الشباب يشعرون بالقلق على حياتهم الشخصية، و39% يشعرون بالخوف المستمر، في حين يعاني 61% قلقاً متوسطاً إلى شديد، وأن 57% من الشباب يعانون اكتئاباً متوسطاً إلى شديد، و56% استوفوا معايير اضطراب ما بعد الصدمة، و62% يشعرون بالبؤس والإرهاق والعجز.
بعد عام ونصف عام تقريباً من الأسر، تحرر الفلسطيني محمد خميس المجدلاوي، ليكتشف أن اثنين من أشقائه مع زوجة أحدهم وابنه استشهدوا، وبدلاً من أن يذوق طعم الحرية وجد نفسه أسيراً للفقد. يحكي في حين كانت طائرة استطلاع إسرائيلية تحلق على علو منخفض: "بعد نحو أربعة أشهر على تحرري، استشهد ابني، وبعد عشرة أيام فقط اختفى ابن آخر، وما زلت أجهل مصيره رغم أنني بحثت عنه في كل مكان".
ويضيف المجدلاوي: "فقدت العديد من أفراد أسرتي، وفقدت عملي، وتدمر بيتي، وأعيش في خيمة بمركز إيواء، ما جعلني أشعر أنه لم يبق للحياة معنى. مررت بحالة عصبية حادة، وكنت أفضل العزلة حتى لا أفرغ عصبيتي في أسرتي أو الجيران، ثم قررت الحصول على جلسة دعم نفسي لأعرف إن كان وضعي يمكن علاجه".
بدوره، شاهد مجد فرج المجدلاوي (17 سنة) استشهاد والدته ووالده وشقيقه في قصف إسرائيلي بالقرب من المستشفى الإندونيسي في شمالي قطاع غزة، في 8 فبراير/ شباط 2024، وأصيب هو في القصف، وهو يعيش حالياً مع شقيقتين وثلاثة من إخوته الذكور، من بينهم الطفل سلام الذي لم يكن عمره يتجاوز الخمسين يوماً حين استشهد والداه. ويقول: "رغم عدم شعوري بأي أعراض اكتئاب، أتذكر دائماً مشهد استشهاد والدي وشقيقي، ما يشعرني بخوف كبير على إخوتي، وأعتقد أنه أصبح خوفاً مرضياً".
يعيش محمد يونس في مخيم إيواء مع زوجته الحامل وثلاثة أبناء، ومن بين أكبر أزماته اليومية البطالة وفقدان الدخل، ما يفاقم ضغوط الحياة. يقول: "التعطل عن العمل يجعل معظم شباب غزة يعيشون حالة اكتئاب، فما أصعب أن يطلب طفلي مصروفاً بسيطاً ولا أستطيع منحه شيئاً، لأني ببساطة لا أملك أي مصدر دخل. من شدة الضيق تزداد عصبيتي، وأحياناً أضرب الأطفال أو أفتعل المشاكل لتفريغ هذه الطاقة، ثم أندم بعدها. أبحث عن عمل طوال الوقت، لكن بلا جدوى".
من جانبه، لا يخفي الشاب محمد عوكل أنه يشعر بخوف مستمر من تحليق الطائرات وتكرار القصف، ويؤكد: "عندما تحلق طائرة إسرائيلية تصارعني أفكار خطرة حول إمكانية استهدافي، ما يجعلني أقلص حركتي، وأبقى في داخل خيمتي، وهذه حالة متكررة. رزقت بمولودة حديثاً، لكن الخوف من إجبارنا على نزوح جديد يجعلني لا أشعر بأي نوع من السعادة، فنحن نعيش أوضاعاً عصيبة مستمرة. فقدت أخي الأكبر وابنه، وقضينا خمسة أيام في محاولة انتشال جثمانيهما من تحت الركام، وكان هذا من أصعب مواقف حياتي كلها".
في حالات أخرى، يعاني البعض مضاعفات شديدة للاكتئاب، ومن بينهم علي عبد العليم (40 سنة) الذي تسبب تدمير منزله، وفقدان عمله، وتكرار النزوح وتغير الواقع من العيش في منزل إلى خيمة، في تعرضه لأزمة نفسية صنفها طبيب بأنها "حالة اكتئاب شديد"، وقد تغيرت شخصيته، ولم يعد يهتم بأولاده أو عائلته، ويفضل العزلة، ولا ينخرط في النقاشات الاجتماعية.
ويقول شقيقه: "لا نعرف السبب الحقيقي لهذه الأزمة النفسية الحادة، وحالة أخي تدرجت من الخوف والقلق الدائم لعدة أشهر، كان خلالها يخاف من أي شيء، إلى الانعزال الكامل، حتى بات يرفض الخروج. حتى الهدوء بات يخيفه، ويعتقد أن الكل سينشغل عنه، وبدأت تراوده أفكار الموت. أخذته إلى طبيب نفسي فقال إن السبب هو ضغوط تداعيات الحرب عليه، رغم أنه لم يمر بأي أزمة نفسية سابقة".
ويضيف: "أخشى أن لا يعود شقيقي إلى حالته الطبيعة، فعندما يجلس معنا يسرح مع نفسه، وتشعر أن عقله طفولي وليس رجلاً ناضجاً، وإذا شارك في نقاش يكون تدخله بعيداً عن الموضوع، وهو لا يتدخل بتفاصيل حياة عائلته بالمرة، وعندما كتب له الطبيب أدوية لم يتناولها، ويرفض الاعتراف بأنه يعاني من الاكتئاب".
بدورها، تأثرت أسماء سامي بأعراض اكتئاب، وتقول: "بدأت الأعراض بعد تدمير بيتنا واستشهاد خالي الذي كان قريباً مني. وقتها كان تبقى على الامتحانات الجامعية نحو شهر، وقد أكملتها وأنا أبكي، وتكونت في داخلي ذكريات سيئة نتيجة الفقد. أشعر أن شيئاً بداخلي قد مات، وكأنني استسلمت لواقع الفقد، فقررت مراجعة اختصاصية نفسية، وحالياً أداوم على قراءة القرآن، وهو ينفعني كثيراً، ويجعلني أشعر ببعض الطمأنينة".
تقدم الاختصاصية النفسية آية المقيد جلسات دعم نفسي داخل أحد مخيمات الإيواء بمدينة غزة، وتقول إنه من بين كل 10 سيدات يراجعنها تسجل نحو 4 حالات تعاني الاكتئاب بدرجات متفاوتة، وإنها تعاملت مع 25 سيدة خلال الشهر الأخير، وكانت نحو 30% منهن يعانين درجةً متقدمةً من الاكتئاب.
وتؤكد المقيد تأثير تداعيات الحرب على زيادة معدلات الاكتئاب لدى مختلف الفئات في قطاع غزة، وأن معظم المؤسسات تركز على السيدات والأطفال وكبار السن والمرضى، وتتجاهل فئة الشباب، رغم أن هذه الفئة طحنت خلال الحرب.
وتوضح أن "شباب غزة في حالة من الضياع والتشتت، ما يجعل الكثير منهم يدخلون في إحدى مراحل الاكتئاب، ويفترض أن يساعدهم المجتمع على الخروج من هذه الحالة سريعاً عبر توفير فرص لبناء أنفسهم، والبدء بممارسة حياتهم العادية، خاصة أن معظمهم متعطلون عن العمل، ويعيشون في مخيمات إيواء لا تتوفر فيها أدنى مقومات الاستقرار، أو حتى الخدمات الأساسية، ما يمنعهم من تحقيق أية إنجازات، وعدم تحقيق النجاح يجعل الشاب عادة يشعر بالذنب، ويخلف ذلك تداعيات نفسية".
وتلفت الاختصاصية النفسية إلى أن "فقد أفراد من العائلة، أو التعرض للقصف أو الخطر يدخل الشخص في حالة من الصدمة، وقد يتطور الأمر إلى الدخول في حالة اكتئاب بدرجات مختلفة بحسب طبيعة الموقف، وطبيعة الشخص ذاته. أغلب الحالات التي تعاملت معها كانت تعاني القلق، أو الصدمة، وهناك نسب كبيرة من حالات الاكتئاب، وتشكو الغالبية منهم من عدم القدرة على ممارسة أنشطة الحياة اليومية، كرعاية الأطفال، أو فقدان الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية، أو رفض التفاعل مع المحيط الاجتماعي، فضلاً عن تكرار مشاعر فقدان الاستمتاع بالحياة، أو التفكير الدائم في الموت، وبالنسبة للمتخصص فإن بقاء بعض هذه الأعراض لأكثر من أسبوعين مؤشر على الإصابة بالاكتئاب".
وتتابع: "من بين الأعراض الأخرى التي يعاني منها الشباب في غزة، العزلة، وقلة الاهتمام بالنظافة الشخصية، أو تغيير الملابس، وفي حالات الاكتئاب الشديد قد يعزف الشخص عن تناول الطعام، أو ينام طوال النهار ويصاب بالأرق طوال الليل. تكون الأعراض عادة متشابهة، والاختلاف يحدث في مدى تأثيرها على حياة الشخص".
بدورها، تؤكد مدير المراكز المجتمعية ببرنامج غزة للصحة النفسية، أمل أبو عبادة، أن "الأرقام التي توردها وزارة الصحة تؤشر إلى انتشار كبير لأعراض الاكتئاب بين أفراد المجتمع، وفيها دلالة واضحة على الحاجة الشديدة إلى تدخلات حكومية ومجتمعية، والأمر متوقع قياساً بما مر به الناس من مخاطر وفقد ودمار، وكلها أمور تؤثر بشدة على الصحة النفسية، خاصة أن الاستهداف لا يزال مستمراً، والخوف والقلق يلاحقان الجميع في كل مكان، خصوصاً أثناء خروجهم للعمل أو للدراسة".
