27.17°القدس
27.03°رام الله
25.96°الخليل
28.97°غزة
27.17° القدس
رام الله27.03°
الخليل25.96°
غزة28.97°
الجمعة 23 أكتوبر 2026
4.17جنيه إسترليني
4.39دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.49يورو
3.11دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.17
دينار أردني4.39
جنيه مصري0.06
يورو3.49
دولار أمريكي3.11

تقارير "فلسطين الآن"..

زلزال الخليل الأمني.. رصاص المقاومة يطيح بأوهام نتنياهو ويبعثر أوراق صناديق الاقتراع

خاص-فلسطين الآن

لم تكن الخليل يوماً مجرد نقطة جغرافية في ثنايا الضفة الغربية، بل هي المرجل الذي يغلي بالصراع، والعمق التاريخي الذي تنكسر عليه أوهام الاستقرار الأمني الإسرائيلي. منذ مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، وتقطيع أوصال المدينة عبر بروتوكول إعادة الانتشار عام 1997، تحولت جبال الخليل وأزقتها العتيقة إلى جبهة مواجهة مفتوحة لا تهدأ، ولطالما حاول الاحتلال فرض منظومة أمنية خانقة؛ جدران، وبوابات حديدية، وكاميرات ذكية، ونقاط تفتيش تحصي أنفاس المواطنين، ومع ذلك، بقيت الخليل، بتركيبتها العشائرية الصلبة وإرثها الكفاحي، قادرة على مباغتة المنظومة الأمنية في أحلك الظروف.

في الثالث والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2026، وعند المدخل الشمالي للمدينة الذي يمثل شرياناً رئيساً للاستيطان ومعبراً لجيش الاحتلال، دوى الرصاص ليعيد صياغة المشهد بأسره، ستة جنود يسقطون مضرعين بجراحهم، من بينهم قتلى وحالات صُنفت بالخطيرة، لتتحول العملية في غضون دقائق معدودة من حدث ميداني إلى زلزال سياسي ضرب أركان المنظومة الحاكمة في تل أبيب.

تأتي هذه العملية في توقيت بالغ الحساسية، حيث لم يعد يفصل المجتمع الإسرائيلي سوى أيام قليلة عن التوجه إلى صناديق الاقتراع، مما جعل الرصاصات التي أُطلقت في الخليل تخترق مباشرة قلب الدعاية الانتخابية التي نسجها اليمين الإسرائيلي المتطرف على مدار أشهر.

وتكتسب هذه العملية رمزية استثنائية في تاريخ المقاومة الفلسطينية بالضفة الغربية؛ فهي تثبت مجدداً أن سياسات الحصار الاقتصادي، والملاحقة الأمنية، ومحاولات "كي الوعي" التي يمارسها الاحتلال لم تنجح في إخماد جذوة العمل المقاوم.

إن اختيار المدخل الشمالي، وهو منطقة عسكرية محاطة بالثكنات وأبراج المراقبة، يعكس تطوراً نوعياً في التخطيط والجرأة، ويوجه رسالة واضحة بأن عمق الطوق الأمني ليس محصناً، كما أن العملية تعيد التذكير بأن مدينة الخليل، رغم الهدوء الظاهري الذي يحاول الاحتلال تسويقه، تمتلك مخزوناً نضالياً قادراً على قلب الطاولة في اللحظة السياسية الحرجة، وتحويل مستوطناتها وجدرانها إلى عبء أمني واقتصادي وسياسي لا يمكن للاحتلال تحمله.

زيف "السيطرة المطلقة.."

على مدار الحملة الانتخابية الحالية، دأب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وأقطاب ائتلافه على تصدير رواية تزعم نجاح الجيش في فرض سيطرة مطلقة على مدن الضفة الغربية، وتحييد قدرة الفصائل الفلسطينية على تنفيذ عمليات مؤثرة في العمق أو في نقاط التماس الكبرى.

وجاءت عملية الخليل لتنسف هذه الادعاءات دفعة واحدة، وتكشف هشاشة الهيكل الأمني الذي يتغنى به اليمين، فلم تعد القضية مجرد خرق أمني عابر، بل تحولت إلى دليل دامغ على فشل استراتيجية "الحسم" التي تبنتها الحكومة، والتي قامت على فرضية أن تكثيف الاستيطان وزيادة وتيرة المداهمات سيؤديان حتماً إلى استسلام الشارع الفلسطيني وتراجعه عن خيار المقاومة.

وبدلاً من الاستقرار المزعوم، استيقظ الشارع الإسرائيلي على حقيقة أن الضفة الغربية لا تزال برميلاً من البارود قابل للانفجار في أي لحظة‘ فلقد تسببت العملية في إطاحة الأجندة الإقليمية والدولية التي حاول نتنياهو فرضها كعنوان وحيد لمعركته الانتخابية، حيث ركزت حملته بشكل شبه كامل على "الملف الإيراني" والجبهات الخارجية، محاولاً القفز فوق القضية الفلسطينية وتصويرها كملف ثانوي جرى حسمه وإغلاقه تحت وطأة القوة.

جاءت عملية المدخل الشمالي لتعيد القضية الفلسطينية والتهديدات الأمنية الحقيقية في الضفة إلى صلب النقاش السياسي العام، مجبرةً النخب الحزبية والإعلامية على الاعتراف بأن الجبهة الأقرب والأكثر خطورة هي تلك التي تقع على بعد كيلومترات قليلة من القدس وتل أبيب.

في غضون ذلك، سارعت قيادات اليمين المتطرف، وفي مقدمتها وزيرا الائتلاف إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، إلى استثمار هذا الإخفاق الأمني لتعزيز أطروحاتهما الراديكالية. فبدلاً من مراجعة السياسات التي أدت إلى هذا الانفجار، تعالت الأصوات الداعية إلى اتخاذ إجراءات عقابية جماعية غير مسبوقة.

ويطالب هؤلاء الوزراء اليوم بتفكيك السلطة الفلسطينية بشكل كامل باعتبارها "حاضنة للإرهاب"، ووقف استخدام الطرق المشتركة بين المستوطنين والفلسطينيين، وتكثيف عمليات هدم المنازل وتوسيع المستوطنات في قلب الخليل وشتى أرجاء الضفة. هذا السلوك يعكس حالة من الارتباك ومحاولة الهروب إلى الأمام عبر تبني خيارات تزيد من اشتعال الميدان بدلاً من تهدئته.

فشلاً استخباراتياً وعملياتياً..

بدوره أكد المختص في الشأن الإسرائيلي، أ. محمد الحلاق، أن عملية إطلاق النار عند المدخل الشمالي لمدينة الخليل تمثل ضربة قاصمة وفورية لجوهر الحملة الانتخابية التي قادها بنيامين نتنياهو، حيث نجحت المقاومة في تفكيك الرواية الرسمية التي حاول الائتلاف الحاكم تسويقها للجمهور الإسرائيلي حول استتباب الأمن ونجاح خطط الحسم في الضفة الغربية، مبيناً أن نتنياهو أراد من خلال التركيز على الملف الإيراني الخارجي الهروب من استحقاقات الصراع الداخلي مع الفلسطينيين، لكن ست رصاصات في الخليل أعادت ترتيب أولويات الناخب الإسرائيلي بشكل قسري، وجعلت من الخوف الأمني الداخلي المعيار الأساسي لتقييم كفاءة الحكومة الحالية، مما يضع حزب الليكود في مأزق حقيقي أمام جمهور اليمين الذي بات يشعر بعدم الأمان رغم كل الوعود والشعارات البراقة.

وأضاف في حديثه لـ"فلسطين الآن": "من الناحية الأمنية، تعكس العملية فشلاً استخباراتياً وعملياتياً مركباً للمنظومة العسكرية الإسرائيلية، لا سيما أنها وقعت في منطقة تخضع لرقابة عسكرية مشددة وتصنف كواحدة من أكثر النقاط حساسية في جنوب الضفة الغربية، هذا الاختراق يثبت أن خلايا المقاومة في الخليل تمتلك القدرة على العمل في بيئة معقدة، واختيار التوقيت والمكان المناسبين لإيقاع أكبر عدد من الخسائر في صفوف جنود النخبة، وهو ما يسقط فرضية الردع التي يتبجح بها قادة الجيش، إن إصابة ومقتل ستة جنود، بعضهم في حالة خطر شديد، يعيد إلى الأذهان عمليات الانتفاضة الكبرى ويؤكد أن أدوات السيطرة التكنولوجية والعسكرية الإسرائيلية عاجزة عن منع الإرادة الفلسطينية من التعبير عن نفسها ميدانياً".

وتابع: "نرى أن وزراء اليمين الفاشي مثل بن غفير وسموتريتش يحاولون توظيف دماء الجنود وجراحهم كرافعة سياسية لإنقاذ شعبيهم المتراجعة في الاستطلاعات، عبر المطالبة الفورية بتطبيق إجراءات انتقامية متطرفة تذهب إلى حد تقويض الهياكل الإدارية القائمة في الضفة الغربية، مبيناً أن هذه الدعوات لتفكيك السلطة الفلسطينية، ومنع الفلسطينيين من استخدام الطرق الحيوية، وتكثيف الهدم والاستيطان، ليست سوى تعبير عن إفلاس سياسي ومحاولة لتصدير الأزمة الداخلية نحو مزيد من التصعيد الميداني، إنهم يدركون أن وعودهم الانتخابية السابقة بالأمن المطلق قد سقطت، ولذلك يبحثون عن شعارات أكثر راديكالية لإرضاء قاعدتهم الاستيطانية الغاضبة التي باتت ترى في وعود الحكومة مجرد أوهام".

وختم حديثه: "تضع هذه العملية الخارطة السياسية الإسرائيلية أمام سيناريوهات معقدة قبل أيام من الانتخابات، حيث ستجد المعارضة بقيادة يائير لبيد وبيني غانتس مادة دسمة للهجوم على إخفاقات نتنياهو الأمنية وفشل حكومته في حماية الجنود والمستوطنين، حيث ستحاول المعارضة تقديم نفسها كبديل عقلاني قادر على إدارة الصراع بعيداً عن شعبوية اليمين المتطرف، مستغلة حالة التخبط والاتهامات المتبادلة داخل الكابينيت، مؤكداً أن عملية الخليل لم تكن مجرد حدث عسكري موضعي، بل هي نقطة تحول استراتيجية أعادت القضية الفلسطينية إلى الصدارة، وأثبتت أن محاولات تهميش حقوق الشعب الفلسطيني عبر الاتفاقيات الإقليمية أو القبضة الحديدية لن يكتب لها النجاح، وأن الميدان في الضفة هو من يكتب السطر الأخير دائماً".

التوقيت القاتل..

بدوره أكد المختص في الشأن الإسرائيلي: د. محمد البحيصي، أن عملية الخليل تأتي في التوقيت القاتل لخطط بنيامين نتنياهو، حيث كانت كافة المؤشرات تشير إلى رغبته في تحويل الانتخابات الحالية إلى استفتاء على نجاحاته السياسية المزعومة وصراعه الإقليمي مع إيران وحلفائها في المنطقة، مبيناً أن الفعل المقاوم جاء في الضفة الغربية ليفرض واقعاً مغايراً تماماً، ويعيد توجيه كشافات الإضاءة نحو الفشل البنيوي في معالجة جذور الصراع مع الشعب الفلسطيني.

وأضاف في حديثه لـ"فلسطين الآن": "لقد أثبتت العملية للناخب الإسرائيلي أن الاستقرار الذي يتحدث عنه رئيس الوزراء هو استقرار واهم ومؤقت، وأن السياسات الحالية القائمة على تعميق الاستيطان ومصادرة الأراضي لا تجلب الأمن، بل تولد مزيداً من الانفجارات التي تدفع ثمنها المؤسسة العسكرية مباشرة".

وتابع: "إن الدلالة الأعمق لعملية المدخل الشمالي تكمن في قدرتها على كسر استراتيجية "جز العشب" التي يمارسها جيش الاحتلال يومياً في مدن وقرى الضفة الغربية، مما يؤكد أن المقاومة ليست ظاهرة عابرة يمكن القضاء عليها بالحملات العسكرية المستمرة، مؤكداً أنه عندما تنجح عملية بهذا الحجم في مدينة كالخليل، فإن ذلك يبعث برسالة قوية إلى القيادة العسكرية والسياسية في تل أبيب بأن الخزان النضالي الفلسطيني متجدد، وأن الأجيال الشابة تجاوزت كافة مشاريع الأسرلة والتدجين. هذا الواقع يفرض تحدياً وجودياً على العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي باتت عاجزة عن تفسير كيفية خروج هذه العمليات النوعية من مناطق تقع تحت الحصار والمراقبة الدائمة".

وأكمل: "الردود السياسية الصادرة عن معسكر اليمين الاستيطاني، وتحديداً من بن غفير وسموتريتش، تكشف عن عمق الأزمة البنيوية داخل الائتلاف الحاكم، حيث يتحول الخطاب الرسمي إلى مزيج من التحريض الأعمى والدعوة لارتكاب جرائم حرب جماعية ضد الفلسطينيين، مشيراً إلى أن مطالبتهم بوقف استخدام الطرق المشتركة والفصل العنصري الكامل في الحركة تمثل اعترافاً ضمنياً بفشل مشروع دمج المستوطنات في نسيج الضفة الغربية دون دفع أثمان أمنية باهظة، هذه المقترحات الفاشية، وإن كانت تهدف إلى دغدغة عواطف المستوطنين قبل الانتخابات، إلا أنها تعمق العزلة الدولية لإسرائيل وتدفع بالمنطقة بأسرها نحو مواجهة شاملة لا يمكن للاحتلال ضبط تداعياتها أو التنبؤ بنهايتها".

واختتم حديثه: "يمكن القول إن الرصاص الذي أطلق في الخليل قد أعاد هندسة المشهد الانتخابي الإسرائيلي بالكامل، حيث باتت فرضية فوز اليمين المطلق وتشكيل حكومة مستقرة محل شك كبير في ظل تصاعد الغضب العام من الفشل الأمني، سيتوجه المستوطنون إلى صناديق الاقتراع وهم يحملون مشاعر انعدام الأمن التام، مما قد يدفع ببعض الأصوات المترددة نحو أحزاب المركز أو اليمين الليبرالي التي تعد بإدارة أكثر هدوءاً وعقلانية للملف الفلسطيني، إن هذه العملية تؤكد المؤكد في الفكر الاستراتيجي، وهو أن الضفة الغربية ستبقى هي ساحة المعركة الأساسية والمحددة لمستقبل الكيان الصهيوني، وأن أي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة ستتحطم دائماً على صخرة المقاومة المستمرة في الخليل ونابلس وجنين".

المصدر: فلسطين الآن